ملف الأسبوع | الصدام الأكبر بين حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية
مشروع تعديل مدونة الأسرة
عادة ما يحمل الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر، الجديد بالنسبة للمغرب، نظرا لما يحمله ملف الصحراء من تطورات جديدة دائما يوم 31 أكتوبر من كل سنة، غير أن هذه المرة يبدو أن الساحة الداخلية تغلي وبقوة، بفعل بداية عهدة الحكومة الجديدة ووجود معارضة قوية هذه المرة وليست معارضة ضعيفة، ولو أنها تضم تيارات وتوجهات مختلفة، ذلك أن الصراع بين الأغلبية في شخص حزب الأصالة والمعاصرة، والمعارضة ممثلة في حزب العدالة والتنمية، قد يتخذ طابعا إيديولوجيا أكثر منه حول التوجهات العامة القطاعية، ولعل أبرز ملف قد يقسم المجتمع إلى قسمين إيديولوجيين، هو ملف مدونة الأسرة، الذي أعلنت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في أول تصريح حكومي لها أمام ممثلي الأمة، عن عزمها على إصلاحه. ويحاول هذا الملف تسليط الضوء على هذه المسألة التي بدأت التسخينات لها منذ الآن باعتبارها أهم قضية وقنبلة موقوتة يمكن أن تفجر المجتمع في كل لحظة.
أعد الملف: سعد الحمري
نقاش قديم متجدد..
بدأ النقاش والصراع حول إصلاح مدونة الأسرة الجديدة منذ أن أبدى المجلس العلمي الأعلى نهاية سنة 2024، رأيه في بعض القضايا المقترح تعديلها في مدونة الأسرة الجديدة، يومها خرج عدة علماء مطالبين المجلس العلمي الأعلى بتقديم ما استندوا إليه من أجل إصدار هذه الفتاوى بخصوص عدة قضايا، منها بعض حالات الإرث والتعدد، وقضايا أخرى.. غير أن النقاش خفت حدته بفعل تأجيل النظر في هذا الملف وطرحه للنقاش العام وأمام البرلمان بغرفتيه، من أجل التصويت عليه، ثم عاد الملف للنقاش من جديد عندما أعلنت المندوبية السامية للتخطيط سنة 2025 عن نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، وكان من أهم الخلاصات، تراجع نسبة النمو الديمغرافي واتجاه المجتمع المغربي على المدى المتوسط إلى الشيخوخة، يومها فسر بعض النشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي أن التراجع الديموغرافي سببه الأثر العكسي الذي أحدثته الترسانة القانونية لمدونة 2004 على بنية المجتمع المغربي، وطرح تساؤلات حول ما إذا كان الارتفاع في نسب الطلاق وتراجع معدلات الخصوبة والزواج، يعود بالأساس إلى الصرامة التشريعية للمدونة التي بدأ العمل بها قبل عقدين من الزمن.
والحال أن ما تم الترويج له في وسائل التواصل الاجتماعي لم يكن مجرد ترف فكري أو ما يشبه ذلك، دون أن يثير انتباه المسؤولين والسلطات؛ فقد طرح ما يروج من أفكار ومقترحات تحديا حقيقيا أمام الدولة، ترجمه هجوم قادة أحزاب على هذه الأفكار، ونخص بالذكر قطبي المعارضة، حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، الذي اعتبر أمينه العام رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، في اجتماع لحزبه، أن “رأي المجلس العلمي الأعلى حول مدونة الأسرة في ما يتعلق بالتعصيب، وتوارث المسلم وغير المسلم، وإثبات النسب عبر ADN، أمر محسوم ولا يناقش”، ولفت بن كيران إلى أن “بعض الأمور تبدو مفهومة، مثل الوصية الواجبة، والشريعة الإسلامية ليست جامدة، والعلماء الدينيون أبدوا رأيهم، والملك قام بدوره، ورافقت هذا آراء سلبية”، معتبرا أن “الأشخاص في تطبيق الفايسبوك مخلطين”.
وعلى نقيض عبد الإله بن كيران، كان إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أكثر حدة في الهجوم على ما يروج له من أفكار والنقاش الحاصل حول مقترحات تعديل مدونة الأسرة بمواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتقد هذا النقاش ودعا إلى تشكيل “سد منيع لهذا النقاش العقيم”؛ ففي كلمته خلال المؤتمر الإقليمي لحزبه بمدينة تمارة سنة 2024، رفض لشكر نقاش من اعتبرهم “يحاولون إيهام المغاربة بوجود صراع مجتمعي بين من يظنون أنفسهم أوصياء على المجتمع من محافظين، وبعض الغلاة المدعين للحداثة”، كما أفرد لشكر حيزا من خطابه لمهاجمة تدوينات النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قائلا: “البعض منهم حاول الانطلاق من مشكل الخصوبة طبقا لنتائج الإحصاء، ودعا إلى حل المعضلة بتشجيع التعدد”.
عودة النقاش حول مدونة الأسرة خلال الحملة الانتخابية الأخيرة
عاد النقاش حول مدونة الأسرة من جديد وبقوة خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، وخصوصا حزب العدالة والتنمية، الذي قاد زعيمه صاحب “الصندالة والعكاز” الحملة الانتخابية بنفسه؛ حيث كان لقضايا مشروع مدونة الأسرة الجديدة نصيب من الحملة الانتخابية؛ فعندما حل يوم 18 شتنبر بمدينة العيون، في إطار حملته الانتخابية، أياما قليلة قبل موعد الاقتراع يوم 23 شتنبر الماضي، أعلن بصريح العبارة عن شكل المواجهة التي سيدخل فيها مع حزب الأصالة والمعاصرة، حيث صرح بأن “هؤلاء يريدون تغيير شرع الله وأحكام الدين” (يقصد البام)، كما رفع عبد الإله بن كيران، الأمين العام للحزب، سقف انتقاداته للحكومة ولوزير العدل عبد اللطيف وهبي، جاعلا من قضايا الأسرة والمرجعية الدينية والحريات الفردية إحدى أبرز واجهات المواجهة السياسية قبل الانتخابات التشريعية، وقال: “إن التوجهات المرتبطة بالعلاقات الرضائية وبعض المقترحات المتداولة بشأن إصلاح مدونة الأسرة، والإرث، تمس المرجعية الدينية للمجتمع” وفق قراءته، قبل أن يوجه رسالة مباشرة قائلا: “هؤلاء يريدون تغيير شرع الله وأحكام الدين”. كما انتقد بن كيران ما يعتبره توظيفا لخطاب حقوق المرأة والحريات الفردية لتبرير تغييرات قانونية، معتبرا أن هذه المقاربة قد تكون لها انعكاسات على بنية الأسرة المغربية وتماسكها.
وقد جاءت تصريحات بن كيران في سياق نقاش سياسي ومجتمعي مستمر بالمغرب حول إصلاح مدونة الأسرة، وهو ملف تتداخل فيه الاعتبارات القانونية والاجتماعية والدينية، فيما يظل الحسم في القضايا المرتبطة بالمرجعية الدينية، مؤطرا بالمؤسسات والآليات الدستورية ذات الصلة.
استمرار عبد اللطيف وهبي على رأس العدل يمهد لاستكمال المشروع
انتهت الحملة الانتخابية وجاء اقتراع 23 شتنبر الماضي، الذي حمل معه حزبا جديدا في صدارة الانتخابات هو حزب الأصالة والمعاصرة، فيما عاد حزب العدالة والتنمية هو الآخر إلى الواجهة بقوة، حيث حصل على 54 مقعدا برلمانيا ليعلن نفسه فاعلا قويا في المعارضة، بينما تشكلت الحكومة الجديدة بقيادة زعيمة حزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري، وكان من المفاجآت الكبرى استمرار عبد اللطيف وهبي في منصبه وزيرا للعدل، وهو الذي ساد الاعتقاد حوله بأنه سيكون خارج هذه الحكومة بسبب أخطائه في تدبير ملف المدونة، والزوابع التي أثارها في وجه مختلف الفاعلين في المنظومة القضائية، لا سيما هيئة المحامين، التي دخلت في إضراب طويل عن العمل، وبهذا الخصوص علق بلال التليدي على استمرار وهبي في منصبه وزيرا للعدل بالقول: “الواقع أن بقاءه يحمل رسالة واضحة بأن هناك أجندة تشريعية تتطلب الاستكمال، دون أن يعني ذلك تمرير مدونة الأسرة بالصيغة الحداثية الصادمة التي يدافع عنها، فكل ما في الأمر أن بقاءه يحمل رسالة إلى الخارج، خاصة وأن السلطة التنفيذية جادة في إحداث تغيير يجد ترحيبا من الأوساط الغربية، لكن وجود معارضة قوية داخل المؤسسات، سيضمن التوازن للدولة لكي تمرر ما يحمله دستورها وهويتها دون أن تقع في حرج وابتزاز الضغط الدولي”.
ومن جانبها، خصت فاطمة الزهراء المنصوري موضوع مدونة الأسرة بحيز مهم من التصريح الحكومي في خطابها الأول أمام البرلمان، كما أقرت في أكثر من مناسبة، منذ توليها منصبها الجديد، بأن من أولويات حكومتها هذا الورش المجتمعي الكبير، وبالموازاة مع ذلك، كشف المجلس الأعلى للسلطة القضائية عن بلوغ عدد قضايا الطلاق والتطليق المسجلة بأقسام قضاء الأسرة والمراكز القضائية خلال السنة الماضية، 154 ألفا و377 قضية، بزيادة قدرها 4.38 في المائة مقارنة بسنة 2024، وسط استمرار هيمنة واضحة للطلاق الاتفاقي ومسطرة التطليق للشقاق خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وهذه المرة، لم تثر هذه الأرقام الصادمة ردود أفعال قوية، حتى أن زعيم حزب العدالة والتنمية أعلن عن فقدانه شهية الكلام، قبل أن يعود مجددا بداية هذا الأسبوع بأسلوبه المعهود، موزعا رسائله السياسية في كل الاتجاهات، مهاجما خصومه السياسيين ومشككا في نتائج الانتخابات، في أقوى خروج إعلامي له بعد اقتراع 23 شتنبر الماضي. وقال بن كيران في كلمة أمام أعضاء الفريق البرلماني لحزبه بمجلس النواب، مؤخرا، مهاجما حزب الأصالة والمعاصرة: “أنتم خطر لا أخاف منكم على العدالة والتنمية، بل أخاف منكم على البلاد والملكية ولا نريد أن تسيئوا لها”، مؤكدا لرئيسة الحكومة أن “زمن أتاتورك انتهى والمغاربة يريدون الإسلام والملكية”، كما خص منتقدي الملكية ومهاجميها بنقد خاص، حيث قال عنهم: “إذا لم يكونوا خونة وعملاء لجهات أجنبية، فهم مغفلون وأغبياء ولا يفقهون شيئا في السياسة”.
يبدو أن التركيز الأقوى لحزب العدالة والتنمية منذ الآن، سيكون أكثر على تعديل مدونة الأسرة، لأنه يعلم يقينا أن هذا الموضوع يشغل المجتمع أكثر من أي موضوع آخر، خاصة وأن هناك من يرى بأن التعديل القادم من شأنه أن يجعل الزواج في المغرب مجازفة حقيقية وأن الزواج سيخضع لقوانين مدنية أكثر منها شرعية. وعلى هذا الأساس، سيكرس “البيجيدي” جهده الكامل على هذا الموضوع طيلة الولاية التشريعية، لأن هذا الموضوع – في نظره – قد يعيد له شعبيته كحزب له مرجعية إسلامية، وما قد يقوي موقفه أكثر هو اعتراض بعض العلماء المغاربة على رأي المجلس العلمي الأعلى في بعض القضايا موضوع تعديل مدونة الأسرة. هذا في الوقت الذي صرحت فاطمة الزهراء المنصوري بأن ما حضر في ذهنها لحظة التعيين الملكي هو 20 مليون امرأة، وفي ظل استمرار عبد اللطيف وهبي وزيرا للعدل.. فهل سينجح حزب الأصالة والمعاصرة في إقناع السواد الأعظم من الشعب بالتعديلات الجديدة في مدونة الأسرة واكتساب مشروعية للولاية القادمة، أم أن المشروع في حال ما طرح على طاولة النقاش، قد يخلق جدلا مجتمعيا كبيرا ويؤدي إلى مسيرات احتجاجية كما حدث سنة 2001، عندما خرجت مسيرة مليونية قادها تكتل الحركات الإسلامية والعلماء مثل جماعة “العدل والإحسان”، وحركة “التوحيد والإصلاح”، ردا على ما سُمي بـ”الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية التي قدمتها حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمان اليوسفي وسعيد السعدي عام 1999. يومها تدخلت المؤسسة الملكية كحكم وفيصل لإنهاء الاحتقان، وفي أبريل 2001، قام الملك محمد السادس بتعيين “اللجنة الملكية الاستشارية لمراجعة مدونة الأحوال الشخصية”، والتي ضمت خبراء حداثيين وفقهاء وعلماء دين، للوصول إلى صيغة توافقية، حيث توجت هذه المسارات بإعلان الملك عن مدونة الأسرة الجديدة في أكتوبر 2003، وصادق عليها البرلمان بالإجماع في فبراير 2004، لتمثل صلحا قانونيا جمع بين مقاصد الشريعة الإسلامية والالتزامات الحقوقية العصرية؟ وهل الوضع الآن مختلف عن سنة 2000، لأن حدود تدخل الملكية في هذا الموضوع ظهر عندما استفتى الجالس على العرش المجلس العلمي الأعلى في هذا الموضوع، أم أن الظروف القادمة قد تفرض تدخلا جديدا ؟
المهم، أن ما يلوح في الأفق هو أنه في حال ما فتح ملف تعديل مدونة الأسرة من جديد، فإن ذلك سيؤدي لا محالة إلى احتقان مجتمعي قوي.




