تحقيقات أسبوعية

تاريخ | أيت حديدو بين التوغل الفرنسي ومعركتي تاحيانت وأيت يعقوب سنة 1929

مقاومون يتفاعلون مع مقالات "الحقيقة الضائعة"

تُعد جريدة “الأسبوع” من الجرائد المغربية الصامدة التي استطاعت، على امتداد عقود، أن تحافظ على حضورها وتميزها بفضل تنوع محتواها واهتمامها بمختلف القضايا والأحداث التي عرفها المغرب، وانفتاحها على مختلف جهاته ومجالاته، ويظل ركن “الحقيقة الضائعة” من بين أهم الصفحات التي ارتبطت بالذاكرة والتاريخ، ولا سيما من خلال الحلقات التي خصصها المرحوم مصطفى العلوي لتاريخ المقاومة المغربية وأحداثها، وقد أسهم هذا الركن في استحضار عدد من المعارك والمواجهات التي خاضها المغاربة ضد الاستعمار الفرنسي، وأخرج إلى دائرة النقاش الوطني أحداثا ظلت، لسنوات طويلة، حبيسة الذاكرة المحلية والرواية الشفوية.

بقلم: عدي الراضي

تتمة المقال تحت الإعلان

باحث في التاريخ والتراث ومهتم بالفكر السياسي

تتمة المقال تحت الإعلان

بحكم اهتمامنا بالتاريخ والتراث، احتفظنا بالأعداد التي تناولت موضوع المقاومة، وتوقفنا بشكل خاص عند الحلقة رقم 173 (عدد 17 يوليوز 2026) التي تناولت معركة تاحيانت، إحدى المعارك التي واجهت فيها قبائل أيت حديدو القوات الفرنسية بشراسة يوم 8 يونيو 1929، وقد شكلت هذه الحلقة مناسبة للعودة إلى مجموعة من الأبحاث التي أنجزناها حول مقاومة أيت حديدو، وخاصة معركة تاحيانت، ثم معركة أيت يعقوب يومي 18 و19 يونيو من السنة نفسها، ولا يروم هذا المقال تقديم دراسة نهائية حول هذه الأحداث بقدر ما يسعى إلى تركيب مجموعة من المعطيات التي وقفنا عليها في عدد من المصادر، وإعادة بناء تسلسل الأحداث بما يسمح بفهم طبيعة التوغل الفرنسي في مجال جبل العياشي وأيت حديدو، والتكتيكات التي اعتمدتها المقاومة في مواجهة قوة استعمارية كانت تمتلك تفوقا واضحا في السلاح والعتاد والإمكانات اللوجيستيكية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولا يمكن فهم مقاومة أيت حديدو بمعزل عن المسار الطويل للتوسع الفرنسي في الجنوب الشرقي للمغرب؛ فمنذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت القوات الفرنسية تتقدم تدريجيا نحو المجالات الصحراوية الشرقية، انطلاقا من الواحات والمناطق الواقعة في تخوم تيكورارين وتوات، في اتجاه الواحات والجبال الواقعة غربا، وأمام هذا التوسع، تجندت القبائل المغربية لمواجهته مستفيدة من التأطير الذي وفرته الزوايا وشيوخها، وخاصة الزاوية الدرقاوية، التي اضطلعت بأدوار دينية واجتماعية وسياسية مهمة في تعبئة سكان الجنوب الشرقي.

وفي هذا السياق، جاءت معركة بوذنيب وتزكارا يوم 8 غشت 1908، التي شاركت فيها عدة قبائل بقيادة محمد بلحسن السغروشني السبعي، تلميذ الشيخ الدرقاوي محمد بلعربي، الذي أسس زاوية بمنطقة مدغرة كان لها إشعاع واسع في المغرب عامة، وفي الجنوب الشرقي خاصة، وقد كان لهذا النفوذ أثر مهم في تقوية الروابط بين قبائل المنطقة، ولا سيما ضمن الإطار المعروف بأيت يفلمان، الذي ضم عددا من أبرز قبائل الجنوب الشرقي، من بينها أيت يزك، وأيت مرغاد، وأيت حديدو، وأيت يحيى، إلى جانب عرب الصباح.

وبعد معركة بوذنيب، واصلت القوات الفرنسية تقدمها باتجاه منابع زيز وتافيلالت، وتمكنت من الاستقرار في كل من الريش وگرامة منذ سنة 1909، قبل أن يتم تأسيس مركز للشؤون الأهلية بالريش سنة 1916، غير أن الوصول إلى هذه المواقع لم يكن يعني إخضاع المجالات الجبلية المحيطة بها، فقد اصطدمت القوات الاستعمارية بصعوبة التضاريس، وبخبرة قبائل أيت حديدو وأيت مرغاد وأيت يحيى في الحروب والمعارك، الأمر الذي جعل التقدم نحو العمق الجبلي أكثر تعقيدا.

وأدركت الإدارة الاستعمارية أن السيطرة على المراكز لا تكفي لإخضاع المجال، وأن أي توغل في المناطق الجبلية يحتاج إلى إعداد لوجستيكي يسمح بتموين القوات ونقل العتاد وتحريك الوحدات العسكرية، ومن هنا جاء الاهتمام بحفر غار زعبل وشق طريق تيزي نتلغمت، بما يضمن تسهيل حركة القوات والإمدادات وربط المراكز العسكرية بعضها ببعض. وهكذا، فإن التريث الفرنسي في بعض المواقع لم يكن تراجعا عن مشروع التوسع، وإنما كان جزءً من خطة طويلة الأمد لإعداد الشروط العسكرية واللوجيستيكية الضرورية للانتقال إلى مرحلة جديدة من التوغل.

وبعد استكمال هذه الاستعدادات، أصبحت الإدارة الاستعمارية أكثر استعدادا لمحاولة اختراق المجال الوظيفي والجغرافي لأيت حديدو، مستفيدة من سياق وطني ودولي جديد؛ فقد عرف المغرب سنة 1929 تعيين لوسيان سان مقيما عاما، في مرحلة كانت الإدارة الاستعمارية تسعى خلالها إلى استكمال إخضاع المناطق التي ظلت عصية على السيطرة، كما تزامنت هذه المرحلة مع سياق دولي مضطرب، كانت الأزمة الاقتصادية العالمية تلوح في الأفق قبل أن تتخذ أبعادها الكبرى ابتداء من خريف السنة نفسها، وعلى المستوى العسكري، كان اختيار فصل الصيف للتحرك في المناطق الجبلية مدروسا بعناية؛ فالشتاء في الأطلس يشكل عائقا طبيعيا أمام العمليات العسكرية بسبب الثلوج والبرد وارتفاع منسوب الأودية وصعوبة المسالك، ولذلك كان الصيف الفصل الأكثر ملاءمة لتنفيذ الحملات العسكرية.

وتكشف مجموعة من المصادر التي تناولت الحملة الفرنسية سنة 1929، عن مسار عسكري متدرج نحو مجال جبل العياشي وأيت حديدو؛ فقد انطلقت القوات الفرنسية من الريش في اتجاه أيت يعقوب، مرورا بزاوية سيدي حمزة وتانغريفت، يوم 26 أبريل 1929، وبعد ثلاثة أيام من التحرك، تمكنت من دخول قصر أيت يعقوب يوم 29 أبريل، وقد يبدو هذا الدخول، في ظاهره، سهلا، غير أن التطورات اللاحقة تؤكد أن دخول القصر لم يكن يعني خضوع السكان أو نهاية المقاومة، إذ رافق التقدم العسكري ضغط سياسي ومحاولات لاستمالة السكان والأعيان.

وفي هذا الإطار، وجهت السلطات الاستعمارية نداءات إلى سكان أفراسكو وتاحيانت وأيت يعقوب تدعوهم إلى الخضوع، وكان من بين محاولات الوساطة تدخل شيخ الزاوية الحمزاوية، الذي استقبل، رفقة أحد الضباط، أعيان أيت موسى أوحدو بأكرض ن أونغريف، في محاولة لإقناعهم بالاستسلام وتجنب المواجهة، غير أن الأعيان رفضوا الخضوع، وطلبوا مهلة للتشاور مع السكان.

يبدو أن هذه المهلة شكلت، إلى جانب بعدها السياسي، وسيلة لكسب الوقت وإتاحة الفرصة للمقاومة لإعادة ترتيب صفوفها والاستعداد للمرحلة المقبلة. وهنا برزت الخطة التي عُرفت في الذاكرة المحلية باسم “نطحة الكبش”، وهي الخطة التي ارتبطت بعدد من رجال المقاومة وزعماء أيت حديدو، ومن بينهم عادين وعراروش، والإخوة أيت حمايو وأيت تعتمانت، وسيدي بنحماد، شيخ زاوية تيلمي والزعيم الروحي لأيت حديدو، ولم تكن “نطحة الكبش” مجرد انسحاب عشوائي أمام القوات الفرنسية، وإنما يمكن قراءتها باعتبارها تكتيكا عسكريا ومجاليا يقوم على إفراغ بعض القصور من السكان، وسحب الكتلة البشرية المقاومة من مجال الاحتكاك المباشر، ثم إعادة تجميعها في مواقع أكثر ملاءمة للمواجهة.

وبموجب هذه الخطة، اتجهت مجموعات من السكان نحو إسلاتن وأسيف ملول، حيث التحقوا بإخوانهم من أيت يعزة وأيت إبراهيم، بينما اتجه أيت جرهور إلى رص الصفوف وتجميع القوة البشرية، وهكذا تحولت الهجرة المؤقتة من القصور إلى أداة للمقاومة؛ فلم يكن الهدف التخلي عن المجال، وإنما الحفاظ على القوة البشرية وإعادة توزيعها، ثم العودة بقوة أكبر في الوقت والمكان المناسبين.

وتكشف هذه الخطة عن معرفة دقيقة بطبيعة الحرب الجبلية، حيث يصبح المجال نفسه جزءً من المعركة، وتتحول الجبال والشعاب والوديان والمسالك والغطاء النباتي إلى أدوات للمناورة والاختفاء وإعادة الانتشار.

وبعد أكثر من شهر من إفراغ بعض القصور، وخاصة أفراسكو وتاحيانت، وتطبيقا لخطة “نطحة الكبش”، انتقلت المقاومة إلى مرحلة جديدة من العمل الميداني، أكدت مرة أخرى خبرتها في التعامل مع طبيعة المجال ومع حركة القوات الاستعمارية، وقد أطلقنا في أبحاثنا على هذه الخطة اسم “خطة الكمين الناجح”، بالنظر إلى طريقة تنفيذها والنتائج التي أسفرت عنها، وتقوم هذه الخطة على قطع خط الهاتف بين أهم المراكز الاستعمارية في المنطقة، وخاصة بين البرج وأيت يعقوب، بهدف استدراج فرق الصيانة إلى نقطة محددة ثم مباغتتها في المكان الذي اختارته المقاومة.

وقد وقع الاختيار على منطقة مولاي علي، لما تتميز به من شعاب وتضاريس وعرة وغطاء نباتي كثيف، ولا سيما أشجار الرطم وأزازر، بما يوفر إمكانات واسعة للاختباء والمراقبة والمباغتة، وتم قطع خط الهاتف ليلا، وفي صبيحة 8 يونيو 1929، قاد الضابط بيرون فرقة من التقنيين لإصلاح العطب، وما إن وصلت الفرقة إلى المكان المحدد حتى تعرضت لهجوم من عناصر أيت حديدو، انتهى بمقتل أفراد الفرقة وقائدها.

ولما سمعت الفرق المتمركزة بمركز أيت يعقوب دوي الطلقات النارية، قاد رئيس المركز إيمانويل فرقة للدعم والإغاثة باتجاه تاحيانت، التي كانت تبعد عن المركز بحوالي كيلومترين، غير أن هذه القوة وقعت بدورها في كمين المقاومة، حيث تعرضت لهجوم أسفر عن مقتل قائد الفريق وعدد من الضباط والعناصر المرافقة له، وهي الأسماء التي ورد بعضها في الحلقة 173 من ركن “الحقيقة الضائعة”، والتي كانت مناسبة لاستعادة هذه المواجهة والتفاعل معها من جديد.

وهكذا تحولت تاحيانت، يوم 8 يونيو 1929، إلى واحدة من أعنف حلقات المواجهة خلال الحملة الفرنسية على مجال أيت حديدو، وتشير المعطيات التي توقفنا عندها إلى أن حصيلة المواجهة تجاوزت ثمانين قتيلا، بينهم عدد من الضباط، وهو رقم يعكس حجم المفاجأة وشدة الكمين الذي تعرضت له القوات الفرنسية، وتكمن أهمية المعركة في أنها كشفت عن انتقال المقاومة من مرحلة الدفاع وإعادة الانتشار إلى مرحلة المبادرة الهجومية المحسوبة، فقد بدأت العملية بقطع وسيلة الاتصال، ثم استدراج فريق الصيانة، ثم استثمار المجال النباتي والجغرافي لإخفاء عناصر المقاومة، قبل أن تتكرر العملية مع قوة الإغاثة القادمة من أيت يعقوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى