ملف الأسبوع | خبايا وزارة المالية.. من عبد الرحيم بوعبيد إلى “لالة نادية”

في خضم الصراع الانتخابي القائم حاليا بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ظهرت من الآن نوايا كل طرف على حدة، وبرزت حرب المواقع بقوة.. ولعل أهم منصب يدور الصراع حوله هو وزارة المالية، التي كانت حكرا على الأحرار لمدة 19 سنة، ولا شك أن هذه الوزارة تعتبر أهم قطاع إذا اعتبرنا أنه أصبح طبيعيا أن يكون معظم الوزراء رجال أعمال بالدرجة الأولى، وأن هذه الوزارة هي التي تسطر الخطوط العامة للاقتصاد الكلي أو الماكرو-اقتصادي للبلاد، وبالتالي، فإن من يمسك هذه الوزارة هو من يسير الاقتصاد الكلي للمغرب كيفما يشاء، ويحاول هذا الملف الخوض في تطور وزارة المالية بالمغرب منذ الاستقلال، وكيف أصبحت أهم وزارة؟ إضافة إلى الخوض في بعض خصوصيات وزارة المالية وعلاقة الوزير المكلف بالقطاع بباقي الوزراء، والبروتوكول المتبع أو المفروض عليه في التعامل معهم، إضافة إلى بعض خبايا الوزارة التي يكشفها هذا الملف.
أعد الملف: سعد الحمري
كيف أصبحت وزارة المالية أهم وزارة في المغرب ؟
لدى وزارة المالية خصوصية كبيرة في جل دول العالم، وقد شهدت تطورا كبيرا في دورها في مختلف حكومات جميع الدول؛ فقد ساد بعد الحرب العالمية الثانية التوجه الكينيزي، بسبب تحدي إعادة بناء الاقتصادات المنهارة في أوروبا والدفع بالنفقات من خلال تدخل الدولة، بغاية تجاوز الانهيارات المسجلة بسبب الحرب، وفي الآن نفسه، خلق الأسباب الميسرة للنمو، فكانت النتيجة هي الجمع بين التوجهين الاقتصادي والمالي في وزارات الاقتصاد والمالية بأوروبا الغربية.
كما حدث نفس الأمر في أغلب البلدان التي حصلت على استقلالها ومن ضمنها المغرب، حيث تم إحداث “وزارة الاقتصاد الوطني والمالية”، التي أشرف عليها عمليا عبد الرحيم بوعبيد من سنة 1956 حتى سنة 1960، ثم اختفت صفة الوطني بعد ذلك، حيث كان مع الوزير كتاب عامون مكلفون بقطاعات التجارة والفلاحة.. هكذا كانت الغاية من ذلك التوجه هي خلق أدوات السيادة النقدية، وفي الآن نفسه الدفع بنموذج للنمو مستقل عن النموذج الكولونيالي الذي ضاعف منه مغادرة المعمرين للمغرب وغياب بورجوازية رأسمالية مغربية تعوض غيابهم، مما فرض على الدولة أن تملأ ذلك الفراغ وأن تلعب ذلك الدور.
بعد تسجيل الانزلاقات المالية الكبرى في أواسط السبعينات وتضخم نسب العجز، سواء في المالية العمومية أو في مجال المالية الخارجية، أدى ذلك إلى فرض سياسة التقويم الهيكلي على المغرب، إذ أصبحت الوزارة عمليا فقط وزارة مالية، أي أن دورها تقني محض على حساب التوجه التنموي، مما عزز فقط من دور الدولة الرقابي، الزجري، المقلص من مشاريع التنمية الاجتماعية لتحقيق التوازنات، فانتقل المغرب حينها من منطق المخططات الخماسية المحققة للتنمية، كما باشرها عبد الرحيم بوعبيد عبر “وزارة الاقتصاد الوطني” منذ نهاية الخمسينات، إلى منطق مخطط التقويم الهيكلي بتوجيهات إكراهية من مؤسسات مالية تمويلية دولية في نهاية السبعينات والمكلفة بتنفيذه وزارة المالية بخلفية سلطوية.
كما لعبت الوزارة على مستوى آخر، حسب الاستراتيجيات المختارة لها، دورا في بروز بعض القطاعات دون غيرها، مثل بروز قطاع صناعة النسيج أو الفلاحة، وهذا أمر سجل حتى في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، بسبب هاجس النمو الذي جعل وزارة المالية تصاحب بعض الوزارات الأخرى، إما عن طريق تحفيزات ضريبية، أو تفضيلات قطاعية على مستوى مخصصات الميزانية.
استمر الوضع على هذا الحال.. إلى أن جاءت حكومة التناوب، حيث أمسك مقاليد وزارة المالية، الاتحادي فتح الله ولعلو، الذي تقلد المنصب لمدة عشر سنوات كاملة، ويقول في هذا الصدد ضمن مذكراته المعنونة بـ”زمن مغربي” ما يلي: ((.. حاولنا بالتالي اتباع هذا التوجه في الشهور الأولى لحكومة التناوب، لأننا كنا ملزمين بتخفيض الإكراهات التي ارتبطت بمرحلة التقويم الهيكلي، من خلال تقليص المديونية الخارجية ثم فيما بعد الداخلية وتقليص العجز، وأن نهتم بالتوازنات في إطار مقاربة ماكرو-اقتصادية، مع استحضار البعد التنموي على المديين المتوسط والبعيد، من خلال تغليب الدعم الخاص بقطاعات إنتاجية وتجهيزية (موانئ وطرق..) والاعتناء بالسياحة والسكن الاجتماعي، وأن نوسع، باعتبارنا اشتراكيين، من الاهتمام بالقطاعات الاجتماعية وحجم ما يرصد لها في الميزانية العامة (مثلا توسيع مساحة التغطية الصحية)، ولا يمكن تحقيق ذلك كله، طبعا، بدون أن يكون الوزير مدركا للأفق الاستراتيجي التنموي للأمر، وأيضا بدون التوفر على الأطر الواعية بذلك، المنخرطة فيه عن قناعة والقادرة على تنفيذه بكفاءة مهنية، أي أن علاقة الوزير بأطر الوزارة يجب أن تكون هنا علاقة تناغمية عالية)).
ويضيف ولعلو في هذا الصدد: ((لقد سجل تطور خلال الثلاثين سنة الأخيرة في الرؤية لدور الوزارة، ترجم تقدما فكريا، بسبب التحول المسجل في التمثل السابق الذي كان يعتبر وزارة المالية مكلفة بالإنفاق وبالموارد، أي بتدبير الميزانيات حسابيا فقط، أي أن دورها تقني محض، لكن، برز في العقود الأخيرة مفهوم جديد لدور الوزارة يتحدد في دورها “الماكرو-اقتصادي”، الذي يتجاوز في معناه الميزانيات، ويتجاوز المنظور الحسابي المحض إلى الرؤية لذلك التدبير الموازي كآلية حاسمة لخلق شروط النمو المستدام، وحسن توزيع نتائج النمو، مما يمنحه بعدا ماليا واقتصاديا واجتماعيا. هذا يعيدنا إلى إعادة تمثل دور وزارة مثل وزارة المالية، كما طرح الأمر منذ بداية الحرب العالمية الثانية، ومحاولة الجواب عن سؤال العلاقة بين البعد الاقتصادي والبعد المالي فيها، أي هل يجب أن تكون وزارة اقتصاد أيضا، أم وزارة المالية فقط ؟)).
برز هذا الدور خلال مرحلة الوزير فتح الله ولعلو من طبيعة الحال، وبمعنى أصح: أصبحت وزارة المالية هي التي تضع التوجه العام للدولة على المستوى الاقتصادي، ومنذ سنة 2007، تكلف بملف وزارة المالية فقط وزراء من حزب التجمع الوطني للأحرار.
وزير المالية في المغرب.. تقاليد عريقة يفرضها عليه أطر الوزارة
رغم أن دورها استراتيجي، فلم يسبق للصحافة أن وجهت لوزارة المالية انتقادات مباشرة أو قوية، كما لم نسمع من قبل عن اختلالات في التسيير داخل هذه الوزارة، ربما لأنها هي من تشرف على التفتيش المالي، وليس هناك من يجرؤ على نشر غسيلها، رغم أنها فعليا المسؤولة الأولى عن التوجه الاقتصادي الكلي للبلاد، إذ يتصرف الوزير والمدراء دون حسيب ولا رقيب، ولم يسبق في تاريخها أن قيل عن وزير مالية انتقادات في التدبير والتسيير، بل إن المسؤولية تلقى على باقي القطاعات، فما هي خصوصية هذه الوزارة؟ وكيف يكون وزير المالية؟ أو كيف يجب عليه أن يتصرف ؟
بهذا الخصوص، أفصح فتح الله ولعلو عن بعض من هذا الجانب ضمن مذكراته، حيث يقول: ((بالعودة إلى تحملي مسؤولية وزارة الاقتصاد والمالية، فقد وقفت عند معنى أن تكون تلك الوزارة ذات خصوصية تجعلها نوعا ما مستقلة بذاتها حكوميا. كنت كوزير للاقتصاد والمالية لا أذهب سوى عند الملك والوزير الأول، ومنذ الأيام الأولى لولوجي مكتب الوزير بالوزارة، جاءني والي بنك المغرب محمد السقاط، الذي كان من قبل موظفا ساميا بوزارة المالية (أدركت أنه مبعوث من زملائه مديري المصالح بالوزارة) ليفهمني بلباقة أن طبيعة مهام وزير المالية تجعله لا يذهب قط لزيارة باقي الوزراء، بل هم من يجب أن يزوروه، لأنهم دوما في حاجة إليه للتفاوض معه، وبالتالي، يجب على الوزير أن يبقى دوما في موقف قوة تفاوضيا، أفهمته أنني مدرك لذلك جيدا وسألتزم به))، ويضيف: ((هكذا التزمت فعليا بهذا التقليد، حيث كنت أنتقل إلى مكاتب القصر الملكي كلما دعيت لمقابلة جلالة الملك، وكذا إلى الوزارة الأولى حيث الاجتماعات مع الوزير الأول. لم أخرق هذه القاعدة سوى مرة واحدة، مع وزير الدولة في الخارجية عبد اللطيف الفيلالي، الذي اتصل بي ليخبرني برغبته في زيارتي بمقر وزارة المالية، فأجبته أنه تقديرا له وكونه وزيرا أولا من قبل، فأنا من سيزوره. ذهبت إليه بمفردي بدون طاقمي المساعد، وبعد أن غادرت مكتبه كنت مبتسما، كون زيارتي تلك جعلته يخفف أخلاقيا من مطالبه المالية تجاه الوزارة، وحين أخبرت أطر الوزارة من مديري المصالح بتلك النتيجة، فرحوا بذلك)).
عندما تم خرق هذه القاعدة.. كانت النتيجة كارثية
لا يبدو أن أي وزير للمالية سبق له أن خرق هذه القاعدة سوى محمد القباج، آخر وزير للمالية قبل حكومة التناوب، والذي تسبب فيما يسمى بحملة التطهير، وذلك أنه عندما لاحظ بأن هناك على مستوى الجمارك وعلى مستوى مكتب الصرف تجاوزات كبرى، وأن رجال الأعمال المغاربة (خاصة قطاع النسيج) لا يؤدون ما بذمتهم من واجبات لصندوق الدولة، فحاول التدخل بصفته وزيرا للمالية عند تلك الجهات التجارية والصناعية، وجد أن تدخلاته بدون مردود ولا نتيجة، فالتجأ إلى الملك الحسن الثاني وطلب منه أن يأمر وزير الداخلية إدريس البصري لمساعدته في حمل رجال الأعمال أولئك على أداء واجباتهم للدولة، وهنا اقتنص البصري الفرصة وفرض منطق وزارة الداخلية وليس منطق التضامن الحكومي، في مجال للتدبير المالي لا علاقة له بشكل التدبير الأمني، فكانت النتيجة هي تدخل إدريس البصري في عمل مؤسسات لها تقاليد تدبيرية راسخة ومجربة وضوابط، مثل إدارة الجمارك، وإدارة الضرائب، ومكتب الصرف، وكان ذلك خطئا كبيرا أدى إلى زعزعة إدارات كبرى لها تقاليد عريقة في التدبير والضبط.
من يسير وزارة المالية: الوزير أم الأطر أم السياق السائد ؟
لا يمكن بأي حال من الأحوال لأي وزير في أي حكومة في العالم، ومهما كان توجهه، أن يفرض توجهه كاملا على القطاع الذي يشرف عليه، لأن لكل قطاع أطره من مدراء ورؤساء أقسام، وهم الذين يعرفون خبايا القطاع، ومن هنا من الصعب القول بأن أي وزير للمالية يمكن أن يفرض منطقه كليا على القطاع، خاصة وأنها تضم مديريات تؤثر في الاقتصاد المغربي مباشرة، منها مديرية الجمارك، ومديرية الميزانية، ومديرية مداخيل الدولة. يحكي فتح الله ولعلو في هذا الصدد، أنه لما أصبح وزيرا للمالية، أصبح بين مطرقة أطر الوزارة وسنداد السياق العام واليسار المغربي بصفة عامة، حيث يقول: ((أسجل في البداية أنه منذ عينت وزيرا للمالية، أصبحت عن وعي مدافعا قويا عن التوازنات الماكرو-اقتصادية، مثلما صارعت من أجل نجاح عمليات الخوصصة الكبرى بارتباط مع إصلاح القطاع العام، بالشكل الذي يُعلي من قيمة المغرب على مستوى سمعته الدولية، فيما يرتبط بشفافية وجدية ومصداقية الصفقات، فكان رد الفعل الأولي، سواء داخل الحزب أو في اليسار من قبل بعض الإخوة، أنني أصبحت سجين التكنوقراط، وأنني مجرد أداة تنفيذ. في المقابل، وفي الضفة الأخرى، استشعرت حين تسلمت مهامي الوزارية، قلقا وتخوفا لدى أطر الوزارة وموظفيها كوني آتيا من مرجعية اشتراكية، مما قد يدفع نحو تغيير جذري للمنطق الذي تسير عليه الوزارة، لكنني فاجأتهم بقرار كان له أثر نفسي بينهم، يتمثل في “التأهيل المحاسباتي”، الذي أفضى إلى نوع من التساهل على مستوى الضرائب مع المقاولات المغربية، والذي كانت الغاية منه بالنسبة لي هي تجسير الثقة مجددا بين الدولة ورجال الأعمال المغاربة، بعد النتائج الكارثية لحملة التطهير لسنة 1996)).
وبخصوص التعامل مع الوزارات، هناك ثلاثة أنواع من الوزارات: الوزارات القوية سياسيا مثل إدارة الدفاع الوطني، التي لها قوة تفاوضية كبرى كون القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية هو الملك محمد السادس، وتتدخل وزارة المالية خاصة في ملفات تمويل شراء الأسلحة الجديدة أو تحديث الأسطول العسكري بمختلف أنواعه. يقول فتح الله ولعلو ضمن مذكراته: ((أذكر أنه أثناء تقديم الخطوط الكبرى لمشروع آخر ميزانية أنجزتها الوزارة وأنا على رأسها سنة 2007، والخاصة بسنة 2008، أمام جلالة الملك بالقصر الملكي بالدار البيضاء، في لقاء خاص معه قبل إحدى الدروس الرمضانية، انتبهت إلى أن جلالة الملك مشغول البال قليلا فقررت أن لا أثقل عليه بالتفاصيل، فانتبه بدوره لذلك وقال لي: سي ولعلو، أنا أثق فيكم، أنت تعرف أن جزئي من تلك الميزانية هو المتعلق بإدارة الدفاع الوطني. هذا هو طبقي، وهذا ما أحرص على تتبعه بدقة، أما الباقي، فهو لكم وأثق فيكم)).
ثاني وزارة هي وزارة الداخلية، نظرا لطبيعة الملفات التي تشرف عليها، وثالث وزارة هي الوزارات المنفقة ولعل أهمها هي وزارة التجهيز، ثم النوع الرابع مرتفع النفقات، وهي وزارة الصحة ووزارة التربية الوطنية.. وقد خرج فتح الله ولعلو بالخلاصة التالية: ((الخلاصة ربما هي أن وزارة المالية، في علاقتها مع كل هذه الأنواع الثلاث من الوزارات، هي الأعرف بحقيقة كل قطاع، والمطلعة على تفاصيله، وأنها أشبه بالطبيب المعالج العارف بأعراض كل جسم منها والمانح للدواء أيضا)).
من هنا يمكننا الاستخلاص بأن حرب الأرقام الدائرة حاليا بين حزبي الأحرار والأصالة والمعاصرة، مرده إلى أن الحزبين مطلعين بشكل كبير على حقيقة كل قطاع وكل الأرقام التي تخص الاقتصاد الوطني، وذلك لأنهما اقتسما خلال الولاية الحكومية الحالية هذا المنصب الحساس، على اعتبار أن فوزي لقجع كان وزير الميزانية ونادية فتاح العلوي كانت وزيرة المالية.





