متابعات | من يحمي مافيا النصب العقاري بوجدة والسعيدية ؟

ملف عقاري ثقيل يفرض نفسه من جديد على واجهة الأحداث بمدينتي وجدة والسعيدية، بعدما وجد عدد من المنخرطين أنفسهم أمام نزاع تتداخل فيه الأموال والعقارات ومحاضر الجموع العامة والعقود والصفقات، وسط شكايات ومعطيات ووثائق تثير أسئلة جدية حول طريقة تدبير مشاريع سكنية تابعة لـ«جمعية الميثاق السكنية».
الأسبوع – زوجال قاسم
القضية، كما تكشفها الوثائق والمحاضر والخبرات التي اطلعت عليها «الأسبوع الصحفي»، لا تبدو مجرد خلاف عابر بين منخرطين ومسير جمعية، وإنما ملف تتقاطع فيه ادعاءات تتعلق بتدبير أموال المنخرطين، وإسناد أشغال وصفقات، والتصرف في عقارات وأجزاء مشتركة، فضلاً عن خلافات حول قانونية بعض القرارات ومحاضر الجموع العامة.
وفي الوقت الذي تبقى فيه مسؤولية الأشخاص المعنيين خاضعة لما ستقرره الجهات القضائية المختصة، فإن حجم المعطيات الواردة في الملف يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل يتعلق الأمر باختلالات في تدبير جمعية سكنية، أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى منظومة مصالح استفادت من أموال وعقارات المنخرطين؟
أكثر من 200 مليون سنتيم.. وعود بشقق تنتهي بشكايات
اطلعت «الأسبوع الصحفي» على عدد من الوثائق والمحاضر والخبرات والوثائق المالية والتعاقدية المرتبطة بهذا الملف، كما استمعت إلى عدد من المشتكين الذين قدموا روايات متقاربة حول ظروف انخراطهم في المشاريع السكنية.
وحسب تصريحات هؤلاء، فقد تم وعدهم بالاستفادة من شقق سكنية مقابل أداء مبالغ مالية، قبل أن تتطور الأمور إلى نزاعات حول تنفيذ الالتزامات ومآل الأموال المؤداة.
ويقول المشتكون إن مجموع المبالغ التي دفعوها أو يعتبرون أنهم تضرروا من فقدانها يتجاوز 200 مليون سنتيم.
وهي أرقام تبقى، بطبيعة الحال، في حاجة إلى تدقيق محاسبي وقضائي يحدد بدقة طبيعة المبالغ المؤداة، ومصيرها، والجهات المستفيدة منها، وما إذا كانت قد صرفت فعلاً في إطار المشاريع التي أداها المنخرطون من أجلها.
جمعية سكنية أم مصالح متشابكة؟
من أكثر النقاط إثارة في هذا الملف ما يتعلق بالعلاقة المفترضة بين الجمعية وشركة خاصة استفادت، وفق المعطيات الواردة في الوثائق، من إسناد أشغال مرتبطة بمشاريع عقارية في وجدة والسعيدية.
وتشير الوثائق موضوع البحث إلى شركة «ت. عقار»، مع وجود معطيات تفيد بارتباط رئيس الجمعية بها، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري حول مدى احترام قواعد تضارب المصالح، وطبيعة العلاقة القانونية والمالية بين الطرفين، والجهة التي كانت تتولى فعلياً تدبير العمليات المرتبطة بالمشاريع.
وتزداد هذه التساؤلات حدة مع إفادات عدد من المشتكين الذين تحدثوا عن تركيز جانب من العمليات المالية والحسابات والمعاملات بيد رئيس الجمعية، وعن تحويل مبالغ وتسبيقات مالية إلى حسابات مرتبطة به وبالشركة المذكورة.
لكن هذه المعطيات، مهما كانت خطورتها، لا يمكن أن تتحول إلى إدانة مسبقة، إذ يظل الحسم فيها من اختصاص القضاء، بعد فحص الوثائق والحسابات وتحديد المستفيدين الفعليين من مختلف العمليات المالية.
عقار بـ7 ملايين درهم.. من يملك الأجزاء المشتركة؟
القضية لا تقف عند حدود الصفقات والعلاقة بين الجمعية والشركة، بل تمتد إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الملف: التصرف في أجزاء من العقارات يفترض أنها مرتبطة بالملكية المشتركة للعمارات.
ففي إحدى العمارات السكنية بمدينة وجدة، تشير خبرة معمارية أنجزت في إطار النزاع إلى وجود محل تجاري تبلغ مساحته الإجمالية حوالي 600 متر مربع، تشمل الطابق السفلي والسدة، وقدرت قيمته بحوالي 7 ملايين درهم.
وهنا يبرز السؤال: من يملك حق التصرف في هذا العقار؟ ومن اتخذ قرار تفويته؟ وهل تم ذلك وفق المساطر القانونية وبموافقة الأجهزة المخول لها اتخاذ مثل هذه القرارات؟
الملف يتضمن كذلك معطيات بشأن أسطح العمارات، إذ تتحدث المعاينات والوثائق عن تفويت أسطح بمبالغ وصلت، بحسب المعطيات المتوفرة، إلى حوالي 120 ألف درهم للسطح الواحد، فضلاً عن مبالغ أخرى مرتبطة بأفنية داخلية.
كما ترد في الملف معطيات بشأن هدم فضاء كان مخصصاً لسكن الحارس وإلحاقه بالمحلات التجارية.
وستطرح هذه الوقائع أمام القضاء، إشكالاً قانونياً يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة الحقوق المرتبطة بالملكية المشتركة، ومن يملك قانوناً سلطة التصرف فيها، وتحت أي شروط.
من 450 ألفاً إلى 840 ألف درهم.. أين ذهب الفارق؟
جانب مالي آخر يزيد الملف تعقيداً يتعلق بالثمن النهائي للشقق.
فوفق شكايات ومحاضر استماع عدد من المنخرطين، تراوحت الأسعار في البداية، بحسب رواياتهم، بين 450 ألفاً و500 ألف درهم، قبل أن ترتفع لاحقاً إلى مبالغ وصلت إلى 700 ألف وحتى 840 ألف درهم.
في المقابل، تشير خبرات واردة في الملف إلى تقديرات لتكلفة البناء والتشطيبات تتراوح، بحسب المشروع ومكوناته، بين حوالي 400 ألف و420 ألف درهم للشقة.
الفارق بين هذه الأرقام يفرض أكثر من علامة استفهام، لكنه لا يشكل، لوحده، دليلاً على اختلاس أو تبديد أموال.
جمع عام واحد.. ومحاضر بروايتين مختلفتين
من أكثر عناصر الملف إثارة للجدل ما يتعلق بالجمع العام المنعقد بتاريخ 9 غشت 2025.
فوفق المعطيات المتضمنة في الملف، تكشف مقارنة محاضر محررة من طرف مفوضين قضائيين عن روايتين مختلفتين بشأن مجريات الاجتماع نفسه.
أحد المحاضر يفيد بانعقاد الجمع العام والمصادقة بالإجماع على التقريرين الأدبي والمالي، بينما يتضمن محضر آخر معطيات عن احتجاجات واعتراضات سجلها عدد من المنخرطين، بسبب ما قيل عن غياب فواتير ومعطيات بنكية، إلى جانب خلافات حول النصاب القانوني وصحة بعض الوكالات المتعلقة بتصرفات عقارية.
وتطرح الوثائق كذلك أسئلة بشأن انسحاب عدد من المنخرطين قبل استكمال أشغال الجمع العام والتصويت على بعض النقاط، خصوصاً تلك المرتبطة بتجديد المكتب والتصرف في العقارات.
الشرطة القضائية على الخط.. والمال في قلب التحقيق
وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد دخل الملف مرحلة البحث القضائي، حيث أنجزت المصلحة الولائية للشرطة القضائية بوجدة أبحاثاً مرتبطة بالشكايات، وأحيلت نتائج الأبحاث على النيابة العامة المختصة.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن القضية لم تعد قائمة فقط على روايات الأطراف، وإنما أصبحت أمام ضرورة تتبع المسارات المالية والتعاقدية للعقارات والمشاريع موضوع النزاع.
فالأمر يتعلق بمبالغ مالية، وحسابات بنكية، وعقود، وتفويتات، ومحاضر، وخبرات، وعلاقات بين أشخاص ذاتيين ومعنويين، وهي عناصر لا يمكن فصل بعضها عن بعض للوصول إلى حقيقة ما جرى.
كما أن تحديد المسؤوليات، في حال ثبوت وجود مخالفات، لن يكون بالضرورة محصوراً في شخص واحد، وإنما سيظل مرتبطاً بما ستكشف عنه الأبحاث بشأن كل من كانت له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالعمليات موضوع الشكايات.
من يحمي من؟
بين شكايات المنخرطين، ومحاضر الاستماع، والخبرات، والمعاينات، والوثائق التعاقدية والمالية، تتشكل أمام الرأي العام صورة ملف عقاري تتجاوز في تفاصيلها مجرد نزاع حول شقق أو أموال.
إنها قضية تضع على المحك طريقة تدبير جمعيات يفترض أن تكون أموال منخرطيها وعقاراتهم تحت رقابة أجهزتها وقواعدها القانونية، وتطرح سؤالاً أكبر حول مدى إمكانية تحويل مثل هذه الهياكل إلى مجال تتداخل فيه المصالح الخاصة مع الأموال الجماعية.
والأخطر أن استمرار الغموض حول مصير الأموال والعقارات والقرارات المتخذة لا يخدم أحداً، لا المنخرطين الذين يقولون إنهم تضرروا، ولا الأشخاص المشتكى بهم الذين يظلون متمتعين بقرينة البراءة إلى أن يقول القضاء كلمته.
وبينما ينتظر المنخرطون كشف الحقيقة، يبقى القضاء أمام مسؤولية الفصل في الوقائع وتحديد المسؤوليات، فيما تظل الكرة في ملعب الجهات المختصة لكشف حقيقة ما جرى في هذا الملف، بعيداً عن الحسابات والضغوط والتأويلات.



