تحقيقات أسبوعية

قانون | العقود الذكية وعقود الإذعان.. بين سلطان الإرادة وحتمية الخوارزمية في ظل التحول الرقمي للتعاقد

لا شك أن الثورة الرقمية أعادت تشكيل المفاهيم القانونية التقليدية، ودفعت الفقه والتشريع والقضاء إلى مواجهة أنماط جديدة من العلاقات القانونية لم تكن مطروحة قبل عقود قليلة، وإذا كان العقد يمثل الأداة القانونية التي تنتظم من خلالها المعاملات المدنية والتجارية، فإن هذا العقد لم يبق بمنأى عن تأثيرات التكنولوجيا الحديثة، وإنما انتقل من صورته الورقية إلى الصيغة الإلكترونية، ثم إلى مرحلة أكثر تعقيدا، تتمثل في العقود الذكية، التي تعتمد على تقنية “سلسلة الكتل” (Blockchain)، بما تتيحه من تنفيذ تلقائي للالتزامات دون تدخل بشري مباشر.

حبيل رشيد
بقلم: حبيل رشيد

من الثابت أن هذا التطور التقني يثير إشكاليات قانونية دقيقة، خاصة عندما تتقاطع خصائص العقد الذكي مع خصائص عقد الإذعان، ذلك العقد الذي يقوم على اختلال واضح في مراكز القوة التفاوضية، حيث ينفرد أحد المتعاقدين بإعداد الشروط العامة، بينما يقتصر دور الطرف الآخر على القبول أو الرفض دون إمكانية حقيقية للمناقشة أو التعديل، ومن ثم يُطرح التساؤل حول مدى اعتبار العقد الذكي امتدادا حديثا لعقود الإذعان، أو مجرد وسيلة تقنية مستقلة لتنفيذ الالتزامات التعاقدية.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن ظهير الالتزامات والعقود المغربي يؤسس النظرية العامة للعقد على مبدأ سلطان الإرادة، ويشترط لقيام العقد توافر الرضى الصحيح، والأهلية القانونية، والمحل المشروع، والسبب المشروع، وهي أركان تستمد مشروعيتها من الإرادة الإنسانية الواعية، غير أن العقود الذكية تنقل جانبا مهما من الإرادة البشرية إلى الخوارزمية، بحيث يصبح تنفيذ الالتزامات مرتبطا بمنطق برمجي جامد يقوم على معادلة “إذا تحقق الشرط وقع التنفيذ”، دون مراعاة للظروف اللاحقة أو الملابسات الإنسانية التي قد تؤثر في العلاقة التعاقدية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن زاوية أخرى، يتجلى أول مظاهر التقارب بين العقد الذكي وعقد الإذعان في أن كليهما يقوم على صياغة مسبقة للشروط التعاقدية، حيث يتم إعداد البنود بصورة أحادية قبل عرضها على الطرف الآخر، فلا يجد هذا الأخير سوى القبول الكامل أو الامتناع عن التعاقد، وبذلك تتراجع إمكانية التفاوض الفردي، ويتحول الرضى إلى مجرد انضمام إلى منظومة قانونية أو تقنية قائمة سلفا، وهو ما ينسجم مع المفهوم الحديث لعقود الإذعان كما استقر عليه الفقه المقارن والتشريع الفرنسي بعد إصلاح سنة 2016.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما أن كلا من العقد الذكي وعقد الإذعان يعززان فكرة القوة الملزمة للعقد، إلا أن وسائل التعزيز تختلف بينهما؛ ففي عقد الإذعان تستند القوة الإلزامية إلى النصوص القانونية، وإلى إمكانية اللجوء إلى القضاء لإجبار المدين على التنفيذ أو التعويض، بينما يستند العقد الذكي إلى البرمجة الرقمية التي تجعل التنفيذ يتم بصورة تلقائية بمجرد تحقق الشروط المحددة مسبقا، وهو ما يمنح الالتزام درجة عالية من اليقين والاستقرار، ويحد من فرص التهرب أو المماطلة.

ومع ذلك، فإن هذا التشابه الوظيفي لا يرقى إلى حد التطابق القانوني، لأن الطبيعة القانونية للعقد الذكي تختلف جذريا عن طبيعة عقد الإذعان؛ فعقد الإذعان يظل عقدا مدنيا أو تجاريا مكتمل الأركان، يخضع للقواعد العامة المنصوص عليها في ظهير الالتزامات والعقود، بينما ينظر إلى العقد الذكي، في أغلب التحليلات الفقهية، باعتباره وسيلة تقنية لتنفيذ عقد قانوني قائم أكثر من كونه عقدا مستقلا بذاته، فالخوارزمية لا تنشئ الالتزام، وإنما تتولى تنفيذه بصورة أوتوماتيكية وفق التعليمات المبرمجة سلفا.

ويزداد الأمر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بمسألة الأهلية والهوية القانونية، إذ يشترط القانون المغربي تحديد شخصية المتعاقدين والتحقق من أهليتهم القانونية لإبرام التصرفات، في حين تعتمد بيئة “البلوكشين” (Blockchain) غالبا على عناوين رقمية مستعارة لا تكشف بالضرورة عن هوية أصحابها، الأمر الذي قد يثير صعوبات حقيقية في إثبات الصفة القانونية، وفي تحديد المسؤولية المدنية أو الجنائية عند وقوع نزاع.

كما تبرز إشكالية أخرى تتعلق بعيوب الرضى، إذ يكرس ظهير الالتزامات والعقود حماية واسعة ضد الغلط، والتدليس، والإكراه، والاستغلال، باعتبارها أسبابا تؤثر في سلامة الإرادة وتبرر إبطال العقد، غير أن الخوارزمية لا تمتلك القدرة على استيعاب هذه الوقائع أو تقدير أثارها، لأن التنفيذ يتم آليا بمجرد تحقق الشرط التقني، حتى وإن تبين لاحقا أن الإرادة شابها عيب جوهري يقتضي تدخل القضاء لإعادة التوازن العقدي.

وعلاوة على ذلك، فإن من أبرز مزايا العقود الذكية، قدرتها على تعزيز الأمن التعاقدي من خلال تقليص الاعتماد على الوسطاء، وخفض تكاليف التنفيذ، وتوفير سجل إلكتروني غير قابل للتلاعب يوثق جميع العمليات والتعديلات بصورة زمنية دقيقة، وهو ما ينعكس إيجابا على الإثبات، خاصة في عقود الإذعان الرقمية التي تشهد عددا كبيرا من المعاملات اليومية، حيث يصبح من السهل إثبات تاريخ القبول، والنسخة المعتمدة من الشروط العامة، وهو ما يقلل من المنازعات المرتبطة بإثبات العقد أو محتواه.

ومن المؤكد أن الأتمتة تساهم أيضا في الحد من التعسف الذي قد يمارسه الطرف القوي أثناء تنفيذ التزاماته، لأن تنفيذ العقد لم يعد مرتبطا بإرادته المنفردة، وإنما أصبح رهينا بتحقق الوقائع المبرمجة سلفا، وهو ما ينسجم مع المبادئ التي يقوم عليها قانون حماية المستهلك، خاصة تلك المتعلقة بمنع الشروط التعسفية التي تمنح المهني سلطة تقديرية مطلقة في تنفيذ العقد أو تفسيره.

غير أن الوجه الآخر لهذه التقنية يكشف عن مخاطر قانونية لا يمكن تجاهلها، وفي مقدمتها الصلابة الخوارزمية التي تجعل العقد عاجزا عن استيعاب الوقائع الاستثنائية أو الظروف الطارئة؛ فالخوارزمية تنفذ التعليمات كما هي دون مراعاة لاعتبارات العدالة أو حسن النية، أو الظروف القاهرة، أو الأعذار المشروعة، وهي اعتبارات تشكل جزءً أساسيا من الفلسفة التي يقوم عليها القانون المدني الحديث.

وتتجسد هذه الإشكالية بصورة أوضح في حالة الشرط الجزائي، إذ قد تتم برمجة العقد الذكي على تنفيذ جزاء معين فور تحقق الإخلال، كاقتطاع مبلغ مالي أو تعطيل خدمة إلكترونية أو إغلاق نظام رقمي، دون منح المدين فرصة للإعذار أو الوفاء، أو الاستفادة من مهلة قضائية، رغم أن القضاء يملك، وفق القواعد العامة، سلطة تعديل الشرط الجزائي أو تخفيضه إذا تبين أنه مبالغ فيه أو غير متناسب مع الضرر الفعلي.

ومن جهة أخرى، فإن النظام العام التعاقدي يظل متقدما على الكود البرمجي، لأن أي بند يؤدي إلى اختلال جسيم في التوازن بين حقوق والتزامات الأطراف، يمكن للقضاء إبطاله أو استبعاده حتى ولو كان قد نُفذ تقنيا داخل شبكة “البلوكشين”، فالبرمجة، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع تعطيل القواعد الآمرة ولا إقصاء الرقابة القضائية التي تشكل الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة العقدية، لذلك يدعو جانب مهم من الفقه المعاصر إلى اعتماد نموذج مزدوج يقوم على الجمع بين العقد القانوني التقليدي والعقد الذكي، بحيث يتولى العقد الورقي أو الإلكتروني تنظيم الجوانب القانونية التي تستوجب التفسير والاجتهاد القضائي، مثل القوة القاهرة، والظروف الطارئة، وآليات فسخ العقد، وتسوية المنازعات، بينما يتولى العقد الذكي تنفيذ الالتزامات التقنية القابلة للبرمجة بصورة دقيقة وآلية.

كما يفرض هذا النموذج على مزودي الخدمات الرقمية التزاما مشددا بالإعلام والإرشاد، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمستهلك أو الطرف الضعيف، لأن الرضى الصحيح لا يتحقق بمجرد الضغط على زر الموافقة، وإنما يقتضي تمكين المتعاقد من فهم الأثار القانونية والمالية والتقنية للعقد، وتمكينه من اتخاذ قراره على بينة وإدراك كاملين.

وفي السياق ذاته، تظل مسؤولية مطوري البرمجيات ومقدمي المنصات الرقمية قائمة متى ثبت وجود خلل برمجي أو عيب تقني أدى إلى الإضرار بالمتعاقدين، سواء تأسست هذه المسؤولية على قواعد المسؤولية العقدية أو المسؤولية التقصيرية، أو الضمان المرتبط بالعيوب الخفية وعدم مطابقة المنتج للغرض الذي أعد من أجله.

خلاصة القول، فإن العقود الذكية تمثل محطة متقدمة في مسار التطور التاريخي لفكرة العقد، وتجسد انتقال العلاقات القانونية إلى فضاء رقمي يقوم على الأتمتة والثقة التقنية، غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلا عن المبادئ الجوهرية التي يقوم عليها القانون الخاص، وفي مقدمتها سلطان الإرادة، وحسن النية، والتوازن العقدي، وحماية الطرف الضعيف، والرقابة القضائية. لذلك، فإن المستقبل القانوني للعقود الذكية يظل رهينا بقدرة المشرع والفقه والقضاء على بناء إطار تشريعي متوازن يوفق بين مقتضيات الابتكار الرقمي ومتطلبات العدالة التعاقدية، حتى تظل التكنولوجيا في خدمة القانون، ويظل القانون، في المقابل، الحارس الأمين لحقوق الأفراد وضامن استقرار المعاملات في العصر الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى