مع الحدث | 27 سنة من حكم الملك محمد السادس
بين المشاريع الكبرى والدبلوماسية الخارجية

مرت 27 سنة من حكم الملك محمد السادس عرفت العديد من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبنيوية، من خلال السياسة التنموية والمشاريع الكبرى والدبلوماسية التي نهجها المغرب خلال العقود الماضية، والتي أسفرت عن العديد من النتائج والمنجزات على المستوى التنموي كأبرز بلدان القارة الإفريقية، وعلى المستوى الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والدول الإفريقية، وفي العديد من المجالات الأخرى..
إعداد: خالد الغازي
اعتمدت الدبلوماسية المغربية التي يقودها الملك محمد السادس، منذ أكثر من عشر سنوات على سياسة التقارب مع الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، دفاعا عن المصالح العليا، والقضية الأولى المتعلقة بالصحراء المغربية، والعمل على تعزيز الموقف المغربي بمجموعة من الاعترافات من الدول الكبرى، خاصة المؤثرة في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وذلك عبر سياسة الحوار والانفتاح وتقديم الطرح المغربي وفق مقاربة واقعية تسعى إلى تحقيق السلام والأمن والاستقرار، وهذا ما جعل المغرب يحظى بدعم وتأييد العديد من الدول الغربية والمتقدمة في الملفات الكبرى، خاصة قضية الصحراء التي عرفت العديد من التحولات.
فقد ظلت السياسة الملكية تنهج رؤية متوازنة على المستوى الوطني والخارجي، من خلال إطلاق مجموعة من الأوراش الكبرى ومشاريع اقتصادية وطاقية واجتماعية وبيئية، والعمل على إحداث مجموعة من المنشآت العمومية، ومن جهة أخرى، الحفاظ على الحضور المغربي على المستوى الدولي وتعزيز علاقاته مع القوى الكبرى وبناء شراكة واسعة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا والصين وعدد من الدول الإفريقية، والحفاظ على المصالح العليا للبلاد ونهج دبلوماسية تضمن حضور المغرب كشريك إقليمي وقاري.
في هذا السياق، يرى محمد بودن، الخبير في الشؤون الدولية المعاصرة، أن الدبلوماسية الملكية نالت اهتمامات القوى الدولية الفاعلة كلاعب إقليمي محوري، ومن ثمارها تمكنت المملكة من تعزيز قدرتها على تأمين مصالحها العليا ووحدتها الترابية وتوسيع شبكة مصالحها، وتعزيز تحالفاتها وفق محددات المنفعة المتبادلة والواقعية والشفافية والاحترام المتبادل، ومن الواضح أن سياسة جلالة الملك في العلاقة مع العالم لها دور مركزي وحاسم في نهضة المغرب على مستويات عديدة، حيث أنها عرفت بالمغرب أكثر من خلال زيارات الملك الخارجية ومن خلال اتصالات ومبادرات جلالته إقليميا ودوليا، وانعكست هذه الكثافة على مواقف عدد من دول العالم بخصوص سيادة المغرب على صحرائه، والتي أصبحت عنوانا للارتقاء بالعلاقات الثنائية مع عدد من الدول، في مقدمتها دول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، كما أسهمت الدبلوماسية الملكية في تنويع الشراكات الاقتصادية وتسريع تدفقات التجارة والاستثمار، وتحديث البنيات التحتية وضمان إمدادات للسوق المغربية بشكل منتظم متى كان ذلك مطلوبا.
وأوضح نفس المتحدث، أنه بفضل الرؤية الملكية تصاعدت أهمية المملكة المغربية في حسابات عدد من القوى الدولية والإقليمية كشريك موثوق، وكنقطة ارتكاز في مشاريع التكامل الإقليمي، لا سيما في الأطلسي والمتوسط؛ فالملك أرسى هوية خارجية للمملكة ونهجا واسع الآفاق وبعيد النظر في كل ما يتعلق بالشؤون الإقليمية والدولية، وقد سعى جلالة الملك إلى بناء علاقات نوعية مع مختلف الأطراف، مما أسهم في تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية للمغرب، مضيفا أن الدبلوماسية الملكية اتسمت بعنصرين قويين، وهما التضامن مع الدول الشقيقة والصديقة في إفريقيا والعالم العربي، فضلا عن التمسك بالشرعية الدولية في العلاقة مع الأمم المتحدة وتكثيف الانخراط في جهود الوساطة والمساعي الحميدة.
ويؤكد ذات المتحدث، أنه على امتداد 27 عاما استمدت المملكة المغربية ثقتها من تقاليدها العريقة وموقعها الجغرافي المتميز في منطقة تسمى قلب العالم، وإرثها التاريخي الثري لتطوير بنياتها التحتية ونموذجها الاجتماعي والتنموي، وإغناء سجلها الديمقراطي والمؤسسي، وجعل اقتصادها يتسم بالتنافسية، وقد أدى تطور المملكة على هذه المستويات وغيرها إلى رفع مكانة البلاد في المجتمع الدولي، وبالرغم من حجم التحديات.. إلا أن الرؤية الملكية في السياسة الخارجية جعلت من غير الممكن معالجة مسألة أو قضية في المحيط الإقليمي دون التشاور مع المغرب، وعلى مدار 27 عاما استطاعت المملكة المغربية بقيادة الملك محمد السادس أن تضاعف مكاسبها الدبلوماسية وتنال التقدير والاحترام في الشرق والغرب، ولدى دول الشمال والجنوب.
ويقول المتحدث نفسه، أن المغرب بقيادة ملكية حكيمة، تمكن من تطوير شخصية دولية جديدة عبر خلق التوازن بين الواقعية والانفتاح في التعامل مع مشهد دولي وإقليمي أكثر تشابكا ويشهد منافسة أكبر بين القوى الدولية الكبرى، ولهذا الغرض عملت المملكة المغربية على تثبيت عناصر الاستمرارية في سياستها الخارجية العريقة، لكنها في نفس الوقت قامت بتعديل بعض التوجهات والمفاهيم قصد الاستجابة للتحولات الجيوسياسية الدولية، واستكشاف مجالات جديدة للشراكة والتعاون، فضلا عن إضافة عناصر متجددة للتأثير بما يصب في توسيع المجال الحيوي والاستراتيجي للبلاد في مختلف الفضاءات الجيوسياسية العالمية، ويخدم الأولويات العميقة، مبرزا أن الرؤية الملكية أغنت الرأسمال الدبلوماسي والاستراتيجي للمملكة، وأثمرت العديد من المكاسب والإنجازات لمصلحة مكانة المغرب المستحقة ومصالحه العليا والدائمة، نظرا لما يتمتع به جلالة الملك محمد السادس من رؤية جيو-سياسية رفيعة وإحاطة عميقة بموازين القوى وإدراك دقيق لواقع المشهد الدولي وبعد نظر في التفاعل مع المواقف والتطورات.

فالدبلوماسية المغربية وفق المحلل محمد بودن، أثبتت قدرتها على مواجهة التحديات بالصرامة المطلوبة وفي نفس الآن لديها مهارة في تدشين فصول جديدة في العلاقات الدولية للمغرب وفق محددات واضحة، وتتمتع بشعبية كبيرة في الأوساط الدولية بفضل المكانة الدولية لجلالة الملك محمد السادس ودينامية المشاركة المغربية في مختلف المنتديات الدولية، مما انعكس على ثقة عدد من دول العالم على مواقف المغرب ومبادراته بشأن بعض القضايا ذات الأهمية، مؤكدا أن المبادرة الملكية الأطلسية التي تشمل دول الساحل، ومشروع خط أنابيب الغاز نيجيريا-المغرب، نموذج لهذا المنطق الدبلوماسي الخلاق والواعد.
ولعبت الدبلوماسية الملكية دورا كبيرا في تحقيق مكاسب مهمة للمغرب على الصعيد الدولي، من أبرزها الاعتراف التاريخي الذي جاء من قبل مجلس الأمن بخصوص ملف الصحراء بالقرار رقم 2797 الصادر يوم 31 أكتوبر 2025، والذي حمل نصرا تاريخيا للمغرب على خصوم الوحدة الترابية ومحاولاتهم للهروب من أي حل واقعي للقضية، لكن السياسة الملكية القائمة على بناء علاقات قوية مع الدول المؤثرة في مجلس الأمن، مكنت المغرب من كسب تأييد العديد من الدول لمقترح الحكم الذاتي كحل واقعي لحل النزاع، بحيث جعلت العديد من الدول الكبرى تؤمن بأهمية هذا المقترح المغربي الجاد، الذي يدعو إلى تسوية سلمية للقضية تحت الشرعية الدولية ووفق منظور جديد يسمح لساكنة المنطقة بتدبير أمورها وعودة المحتجزين في المخيمات للوطن وللمشاركة في هذا المشروع التنموي الكبير، الذي نسف حلم تقرير المصير أو الاستفتاء.
وقد اهتمت الدبلوماسية المغربية بالعلاقات مع الدول الإفريقية وفق سياسة جنوب-جنوب، والتي تقوم على التعاون والشراكة الاقتصادية والتجارية وتبادل التجارب والخبرات في مختلف المجالات، في القطاع الفلاحي والعلمي والطبي والعسكري والرياضي، مما جعل المغرب يحظى بثقة كبيرة من العديد من الدول الإفريقية التي سحبت اعترافها بالجمهورية الوهمية وساندت السيادة المغربية على الصحراء، وقررت فتح علاقات جديدة مبنية على الدبلوماسية الشاملة والمصلحة بين البلدين، فالعديد من الدول الإفريقية، خاصة في غرب إفريقيا، ومجموعة “سيداو”، قررت الانخراط في المشروع الذي رسمه المغرب والمتعلق بأنبوب الغاز النيجيري-المغربي، الذي يعد مشروعا شبه قاري يهدف إلى تحقيق التنمية وتمكين هذه الدول من الاستفادة من الطاقة النظيفة لتغطية أسواقها المحلية.
وفي الداخل، ربطت الرؤية الملكية تثبيت السيادة بصناعة واقع تنموي جديد، فأطلق المغرب النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية بهدف تحقيق التنمية المستدامة، من خلال تحديث البنيات التحتية، وتعزيز السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية، وتجديد المرافق العمومية والخدمات، ومن أبرز المشاريع، سياسة الموانئ مثل ميناء طنجة ميد، الذي يعتبر من أكبر الموانئ في شمال إفريقيا، وميناء الناظور المتوسط، الذي بدوره أصبح نقطة بحرية مهمة في البحر الأبيض المتوسط، ثم ميناء الداخلة الأطلسي الجديد، من أهم المشاريع الناجحة في الأقاليم الجنوبية، والذي يشكل واجهة بحرية لتحقيق التكامل الاقتصادي القاري والدولي في إطار المبادرة الملكية الأطلسية المنفتحة على دول الساحل والصحراء، وهي استراتيجية الهدف منها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية بالساحل الإفريقي وتمكين دول مالي والنيجر وبوركينافاسو من الوصول إلى المحيط الأطلسي، إلى جانب الطريق السيار تزنيت-الداخلة الذي يعتبر مشروعا في تجاه العمق الإفريقي ومسارا تجاريا واقتصاديا يخدم الاقتصاد الوطني.
الرؤية الملكية شملت أيضا المجال العسكري بهدف تعزيز قدرات القوات المسلحة في مجال تصنيع الأسلحة ومعدات الدفاع، مع منح تراخيص تسمح بتصنيع الأسلحة والمعدات العسكرية والأمنية المستخدمة من قبل القوات المسلحة وقوات الأمن، وتعزيز التعاون العسكري مع الولايات المتحدة عبر خارطة طريق لتطوير الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والتكامل العملياتي، وتعزيز الطيران الجوي والبري، وولوج المجال الصناعي العسكري عبر إحداث منطقتين صناعيتين عسكريتين، في خطوة جديدة ترمي إلى تعزيز مسار توطين الصناعة العسكرية، إلى جانب مشاركته في قوات حفظ السلام الدولية ضمن بعثات السلام.
كما شمل الإصلاح الذي عرفه المغرب، تأهيل الحقل الديني عبر عدة برامج ومبادرات ساهمت في تعديل الخطاب نحو الاعتدال والوسطية ومحاربة التطرف، والعمل على النهوض بالمؤسسات الدينية، مثل المجلس العلمي الأعلى، والرابطة المحمدية للعلماء، والمجالس العلمية المحلية، والتعليم العتيق، والإرشاد الديني، وتأسيس مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، وتكوين الأئمة والخطباء والمرشدين.
فمنذ بداية القرن 21 نهج المغرب سياسة الأوراش الكبرى، عبر مشاريع ذات طابع استراتيجي تم تنفيذها لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهذه المشاريع تعكس رؤية الملك محمد السادس لجعل المغرب مركزا اقتصاديا مهما في شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، ونسج علاقات مع مختلف الدول الكبرى والحفاظ على المصالح العليا للوطن.



