تحقيقات أسبوعية

تحت الأضواء | وزارة الصحة في مواجهة شبهة تسريب مباراة

رسالة إلى النيابة العامة.. نزاهة تبدأ من شفافية الامتحانات

الرباط – الأسبوع

عادت مباريات الولوج إلى كليات الطب وعلوم الصحة لتتصدر واجهة النقاش العمومي، بعد تداول مقطع فيديو أثار موجة واسعة من التساؤلات والقلق، حيث يظهر شخص يزعم، بكل ثقة وافتخار، أنه كان وراء نجاح مجموعة من المترشحين في مباراة الطب التي جرت يوم مؤخرا، عبر وسائل غش منظمة، مع الإشارة إلى إنشاء مجموعات للتواصل وتنسيق الإجابات، وهي مزاعم، إن ثبتت صحتها، فإنها تكشف عن مؤشرات بالغة الخطورة تستوجب تحركا مؤسساتيا عاجلا، حفاظا على مصداقية المباريات وصونا لمستقبل قطاع يعد من أكثر القطاعات ارتباطا بحياة المواطنين وسلامتهم.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولا شك أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بقيادة الوزير أمين التهراوي، تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية مضاعفة، ذلك أن الرهان لم يعد مرتبطا فقط بتنظيم مباراة للولوج إلى مسار أكاديمي، وإنما بحماية المنظومة الصحية برمتها من أي اختراق قد يسمح بوصول أشخاص غير مؤهلين إلى مهنة تتعلق بأرواح البشر، وتستوجب أعلى درجات الكفاءة والاستحقاق والنزاهة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالمثير في هذا الملف لا يقتصر على مضمون الفيديو المتداول، وإنما يمتد إلى ما يظهر فيه من معطيات يمكن أن تشكل، في حال التأكد من صحتها، بداية لخيط بحث جدي، إذ تبدو مجموعة من أرقام الهواتف ظاهرة بشكل واضح، وهو ما قد ييسر على الجهات المختصة تتبع مسارات التواصل، والتحقق من طبيعة المجموعات التي أنشئت، والأشخاص الذين شاركوا فيها، والغاية التي كانت وراء تأسيسها، وما إذا كانت قد استعملت فعلا كوسيلة لتسهيل الغش أو تمرير الأجوبة خلال المباراة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن الثابت أن مجرد تداول مثل هذه الادعاءات، دون تمحيص أو تحقيق، ينعكس سلبا على ثقة المجتمع في منظومة الانتقاء والاستحقاق، كما يضع آلاف المترشحين الذين اجتازوا المباراة بجد واجتهاد في دائرة الشك رغم أنهم بذلوا سنوات طويلة من التحصيل العلمي والتضحية أملا في تحقيق حلم دراسة الطب وفق مبدأ تكافؤ الفرص.

لذلك، فإن فتح تحقيق إداري وقضائي في هذه الواقعة أصبح ضرورة أكثر منه خيارا، لأن الهدف لا يتمثل في إدانة أحد مسبقا، وإنما في الوصول إلى الحقيقة، وترتيب الأثار القانونية على ضوء ما ستكشف عنه الأبحاث التقنية والقضائية. فسيادة القانون تقتضي التعامل مع كل الادعاءات التي تمس نزاهة المباريات الوطنية بمنتهى الجدية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمباراة تفرز أطباء المستقبل.

وعلاوة على ذلك، فإن المغرب استثمر خلال السنوات الأخيرة إمكانات مالية وبشرية كبيرة لتأهيل القطاع الصحي، وإصلاح المنظومة الاستشفائية، وتوسيع العرض الصحي، وتعميم الحماية الاجتماعية، وهي أوراش استراتيجية كبرى تقوم أساسا على تكوين موارد بشرية ذات كفاءة عالية، ومن ثم، فإن أي اختراق لمساطر الولوج إلى كليات الطب يمثل تهديدا مباشرا لهذه الإصلاحات، ويقوض الجهود المبذولة لبناء منظومة صحية قوية وعادلة.

إن الطبيب لا يحمل مجرد شهادة جامعية، وإنما يحمل مسؤولية علاج الإنسان، واتخاذ قرارات قد تفصل بين الحياة والموت، لذلك فإن أي نجاح يتم عبر الغش أو الاحتيال أو التلاعب.. يفتح الباب أمام مخاطر يصعب تقدير أثارها مستقبلا. فالمجتمع يثق في الطبيب لأنه يفترض أنه بلغ هذه المكانة بعلمه واجتهاده، لا عبر شبكات الوساطة أو أساليب التدليس أو تقنيات الغش الإلكتروني.

ومن هنا، فإن الرسالة تتجه أيضا إلى رئاسة النيابة العامة، باعتبارها الجهة الدستورية المختصة بالسهر على تطبيق القانون وحماية النظام العام، من أجل التعامل بحزم مع كل الوقائع التي قد تشكل أفعالا إجرامية تمس نزاهة المباريات والامتحانات، متى توفرت مؤشرات جدية تستدعي البحث والتحري؛ فالتساهل مع مثل هذه الممارسات يمنح شبكات الغش شعورا بالإفلات من المساءلة، بينما يؤدي التطبيق الصارم للقانون إلى تعزيز الردع العام وصيانة مبدأ تكافؤ الفرص.

ومن المؤكد أن التحقيق ينبغي أن يشمل مختلف الجوانب التقنية والرقمية، بما فيها تحليل الفيديو المتداول، والتحقق من مصدره، والتثبت من هوية صاحبه، وفحص أرقام الهواتف الظاهرة، وتتبع الحسابات الإلكترونية المستعملة، والاستماع لكل من له صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذه المزاعم، مع الاستعانة بالخبرات الرقمية اللازمة، ضمانا للوصول إلى نتائج دقيقة بعيدا عن الانطباعات أو الأحكام المسبقة.

وفي المقابل، يبقى من الضروري التأكيد على مبدأ قانوني أصيل، وهو أن صحة الادعاءات لا يمكن الجزم بها إلا بعد استكمال الأبحاث التي تباشرها الجهات المختصة، إذ أن قرينة البراءة تظل مكفولة للجميع إلى أن تثبت مسؤولية أي شخص وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، غير أن احترام هذه القرينة لا يمنع إطلاقا من فتح تحقيق كلما ظهرت معطيات تستوجب ذلك.

كما أن هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة ضرورة مراجعة آليات تأمين المباريات ذات الحساسية العالية، عبر تعزيز المراقبة الرقمية، وتطوير وسائل التشويش على وسائل الاتصال غير المشروعة، واعتماد بروتوكولات تقنية أكثر صرامة، إلى جانب تفعيل آليات الرصد الاستباقي للشبكات التي تعرض خدمات الغش مقابل مبالغ مالية، وهي ظاهرة أخذت أبعادا مقلقة مع تطور وسائل التواصل الفوري.

إن حماية نزاهة مباريات الطب ليست دفاعا عن مؤسسة تعليمية فحسب، وإنما هي دفاع عن صحة المجتمع، وعن حق كل مريض في أن يعالجه طبيب وصل إلى مهنته بالاستحقاق والكفاءة، كما أنها دفاع عن آلاف الطلبة المجتهدين الذين يقضون سنوات طويلة في التحصيل، ويرفضون كل أشكال التحايل، ويؤمنون بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالعلم والعمل.

وأمام خطورة المزاعم المتداولة، فإن الرأي العام ينتظر من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ومن مختلف السلطات المختصة، تفاعلا سريعا وشفافا يضع حدا لكل الشكوك، ويكشف الحقيقة كاملة للرأي العام، لأن الصمت في مثل هذه الملفات قد يفسح المجال للإشاعات، بينما يشكل التحقيق الجاد والشفاف السبيل الأمثل لترسيخ الثقة في المؤسسات.

وفي النهاية، فإن نزاهة مباريات الطب ليست قضية تخص المترشحين وحدهم، وإنما تمثل قضية أمن صحي وطني، لأن الطبيب الذي يدخل الكلية عبر الغش قد يصبح مستقبلا مسؤولا عن أرواح المواطنين، ومن ثم، فإن أي شبهة تستوجب البحث والتحقيق بكل صرامة، حماية لهيبة القانون، وصونًا لمبدأ تكافؤ الفرص، وحفاظًا على مستقبل المنظومة الصحية المغربية، التي تستحق أن تُبنى على الكفاءة والاستحقاق والنزاهة، لا على التدليس والالتفاف على القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى