تحقيقات أسبوعية

تقرير | اختلالات برامج التنمية المندمجة بين غياب التخطيط والتنسيق وتأخر الدراسات والآجال

من المسؤول.. هل القطاعات الحكومية أم سلطة الوصاية ؟

رغم الأهمية والميزانيات المالية المهمة التي تصرف على برامج التنمية المندمجة، التي تعتمد عليها الدولة من أجل تسريع التنمية الترابية وتقليص الفوارق الاجتماعية وترسيخ مبادئ العدالة المجالية، لا سيما بعد التوجيهات الملكية في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش يوم 29 يوليوز 2025، والداعية إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يتسم بقدر أعلى من النجاعة والاستدامة والأثر الملموس على المواطن.. إلا أن هناك صعوبات وتعثرات كثيرة تواجه هذه البرامج التي تظل في أغلب الأحيان حبرا على ورق، أو تبقى رهينة مرحلة الدراسات والبحث، أو متوقفة بسبب غياب التمويل وقلة الموارد المالية.

الرباط – الأسبوع

تتمة المقال تحت الإعلان

كشف تقرير للمجلس الأعلى للحسابات، أن تعثر استغلال عدد من المشاريع المنجزة يعزى إلى غياب تصور مسبق لتدبيرها بعد الإنجاز وعدم تحديد الجهة المسؤولة عن التشغيل والصيانة، وتأخر تسليم المنشآت وإبرام الاتفاقيات الخاصة بها، مضيفا أن إغفال الشروط المالية المرتبطة بالاستدامة ضمن عقود البرامج والاتفاقيات، تتسبب في عجز بعض الأطراف عن تغطية نفقات التشغيل والصيانة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وسجل المجلس، الذي توجد على رأسه زينب العدوي، محدودية أداء المشاريع المندرجة ضمن عقود البرامج بين الدولة والجهات، إذ لم يتجاوز معدل المشاريع مكتملة الإنجاز 9 في المائة إلى غاية متم شهر أبريل 2024، مقابل نحو 80 في المائة من المشاريع التي لا تزال في طور التنفيذ، مما يعكس ضعف البرمجة الواقعية وغياب تخطيط يستند إلى قدرات إنجاز فعلية، لذلك دعا المجلس إلى تحري الواقعية في إعداد البرامج، عبر تحديد أهداف ومشاريع قابلة للتنفيذ ضمن الأطر الزمنية والمالية المتاحة، بما يعزز مصداقية الالتزامات العمومية وموثوقية التخطيط الترابي.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأكد تقرير المجلس، أن المقاربة المتعلقة بالإعداد الأولي والتخطيط، تواجه عدة إكراهات بنيوية، تتجلى أساسا في تعدد قواعد المعطيات بين المتدخلين الترابيين، ومدى صدقية المعلومات الجغرافية، ومحدودية استعمال المنصات الرقمية التشاركية، مما يؤثر على فعالية التخطيط ويحد من دقة الاستهداف، مؤكدا على ضرورة إعداد تشخيص مجالي وقطاعي دقيق، يستند إلى نظام معلومات ترابي محين ومتكامل، مع تحديد أهداف قابلة للقياس تواكبها مشاركة فعالة للأطراف ذات الصلة، مضيفا أن هناك بطئا في تنزيل الميثاق الوطني للاتمركز الإداري كعامل مؤثر في كفاءة التدبير الترابي، حيث لم تتجاوز نسبة تنفيذ خارطة الطريق الخاصة به 36 في المائة إلى غاية نهاية سنة 2024، وهو ما يضعف التنسيق العمودي والأفقي ويؤخر نقل الاختصاصات التقريرية إلى المستوى الترابي.

وشدد التقرير على ضرورة بلورة سياسة مندمجة لتأهيل الموارد البشرية وتثمينها، تقوم على مبدأ التكامل الوظيفي والمؤسساتي بين مختلف المستويات، سواء على المستوى المركزي أو اللاممركز، وذلك لأن غياب رؤية مندمجة لتدبير الكفاءات المتاحة على المستوى الترابي، يحد من القدرة على استعمالها الأمثل لتجاوز ضعف القدرات التدبيرية لدى بعض الفاعلين لبلوغ الأهداف المسطرة، بحيث أن البرمجة والتمويل تقتضي اعتماد عقود برامج متعددة السنوات تربط التمويل بالنتائج، وتراعي مختلف مراحل تنفيذ المشاريع والاستثمار والاستغلال والصيانة، مع تنويع مصادر التمويل وضمان توافقها مع القدرات المالية للمتعاقدين.

ولاحظ التقرير ضعف آليات التنسيق والالتقائية بين الفاعلين بخصوص البرامج الترابية المندمجة وتحقيق أثرها التنموي، إذ سجل ضعفا في اتساق برامج التنمية الجهوية مع الاستراتيجيات القطاعية على المستوى الترابي، مما ينعكس سلبا على فعالية الإنجاز واستدامة الأثر، مشددا على أهمية وضوح الأداء وتحديد المسؤوليات بين المصالح اللاممركزة للدولة والجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث، إضافية إلى المؤسسات العمومية الترابية، بما يضمن الانسجام في اتخاذ القرار والتقائية السياسات والبرامج، ويقتضي تحقيق هذا الانسجام كذلك تفعيل آليات التنسيق العملي عبر إعمال اللجان المشتركة والبيت قطاعية المحدثة لتضطلع بمهام القيادة والتوجيه، وتأمين انتظام اجتماعاتها وتنفيذ توصياتها وقرارتها، بما يعزز التكامل بين مختلف المتدخلين ويضمن استمرارية التنسيق خلال مختلف مراحل إعداد وتنفيذ المشاريع، داعيا إلى تبسيط المساطر الإدارية ورقمنة مسارات اتخاذ القرار والتتبع، بما يسهم في تعزيز الشفافية وتسريع وتيرة الإنجاز.

وتطرق تقرير المجلس الأعلى للحسابات لعدة عوامل تحد من تحقيق الأهداف المبرمجة داخل الآجال المحددة، منها ضعف التنسيق المسبق، وتأخر إعداد الدراسات التقنية، وعدم تعبئة الوعاء العقاري في الوقت المناسب، إلى جانب تفاوت القدرات التدبيرية بين الفاعلين الترابيين.. كلها شكلت أبرز العوامل التي حدّت من الوصول إلى الأهداف، حيث لاحظ المجلس – خلال مهمته الرقابية – أن من بين 78 اتفاقية موقعة أمام أنظار الملك، لم يستكمل تنفيذ الأشغال إلا في 32 برنامجا، أي ما يعادل 41 في المائة، رغم أن الفترات التوقعية لتنفيذها كانت تمتد بين سنة 2010 و2019، كما أظهر تقييم 158 برنامجا للتنمية الترابية المندمجة، أن نسبة البرامج التي اكتملت مشاريعها لا يتجاوز 41 برنامجا، أي ما يعادل 26 في المائة.

وحسب مجلس الحسابات، فإن هذا الوضع في حاجة إلى مقاربة تنفيذ أكثر تكاملا تعزز التنسيق المسبق بين المتدخلين، وتضمن الربط الفعلي بين التمويل والنتائج، بما يسهم في تسريع وتيرة الإنجاز وتثمين الأثر التنموي للاستثمار العمومي، معتبرا أن إدارة البرامج واتفاقيات التنمية ما تزال تعاني من نقائص تنظيمية وهيكلية تحد من فعاليتها، أبرزها غياب تحديد واضح للمسؤوليات والأدوار داخل أجهزة الإشراف والتتبع، وعدم تعيين مسؤول إداري مكلف بالإشراف الشامل على تنفيذ البرامج وتنسيق تدخلات الشركاء، بما يضمن وحدة القيادة والمسؤولية، كما سجل التقرير غياب منظومة متكاملة لتجميع المعطيات وتتبع الأداء ترتكز على لوحات قيادة دورية ومؤشرات كمية ونوعية للنجاعة والفعالية والأثر، مما يضعف قدرة هيئات الحكامة على اتخاذ قرارات مستنيرة وإدارة المخاطر والافتحاص الداخلي المرتبط بتنزيل البرامج.

ومن أجل الوصول إلى أهداف برامج التنمية الترابية، أوصى المجلس الأعلى للحسابات باعتماد إطار وطني موحد للتصميم، مع إلزامية بلورة مؤشرات للأثر لكل برنامج، وإرساء معايير رسمية وواضحة لتصنيف المجالات الترابية بصفة تشاركية بين القطاعات والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، لضمان استهداف أمثل للمجالات الهشة والجبلية، وتعميم الميزانية المبنية على النتائج وربط التمويل بعقود برامج تراجع دوريا على ضوء مؤشرات النجاعة والفعالية والأثر، فضلا عن إرساء نظام معلومات ترابي مندمج بيانات مجالية ولوحات قيادة، وتفعيل المنصات التشاركية في جميع الجهات، كما دعا إلى مأسسة التقييم القبلي والمواكب والبعدي، وربط توصياته بقرارات مراجعة التصميم وتحيينه وإعادة البرمجة، مقترحا تعزيز الحكامة الجهوية عبر لجان قيادة دائمة برئاسة الولاة وتفعيل فعلي للاتمركز الإداري، وإدراج شروط الصيانة والاستغلال وتمويلهما في كل اتفاقية، مع تحيين دفاتر التحملات ذات الصلة لضمان الجودة واحترام الآجال، واعتماد مقاربة ترتكز على نجاعة الأداء في تدبير البرامج الترابية، عبر تعبئة الكفاءات البشرية المتاحة مركزيا وجهويا، وترسيخ ثقافة النتائج والعمل الجماعي بين الفاعلين المؤسساتيين.

وقد اقترح مجلس الحسابات مجموعة من التوصيات تتعلق ببرامج واتفاقيات التنمية الترابية المندمجة، وورش الجهوية المتقدمة، وبرنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، والوظيفة العمومية الترابية، وعقود الإطار بين الدولة والجهات، والأوراش ذات الصلة بتحسين الحكامة الترابية ورفع مردودية الاستثمار العمومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى