بين السطور | من يكون هذا “القندوح” يا السي بن كيران ؟


على امتداد التاريخ السياسي للمغرب، برزت إلى جانب المؤسسة الملكية شخصيات نافذة لعبت أدواراً حاسمة في توجيه القرار وصياغة مسارات الحكم. وقد دخل هؤلاء، في فترات مختلفة، في تجاذبات مع النخب السياسية وأحياناً مع فئات من المجتمع، تبعاً لطبيعة المرحلة وتوازناتها.. ولم يكن لقبهم ثابتاً عبر العصور؛ فقد تغيّر بتغيّر البنية المخزنية، فظهر الحاجب الملكي في فترات مبكرة باعتباره وسيطاً بين السلطان ورجال الدولة، ثم برز مدير الديوان الملكي مع تطور الإدارة الحديثة، قبل أن يستقرّ الاصطلاح المعاصر على المستشار الملكي بوصفه أحد أعمدة صناعة القرار في الدولة المغربية. على كل حال.. سمعنا وأطعنا مختلف التسميات التي جاءنا بها الزمن، لكننا لأول مرّة نسمع بتسمية “القندوح”، التي جاءنا بها اليوم السي عبد الإله بن كيران..
لكن.. يرى المهتمون أن الأمر تعدّى حدود البعض (…) في حديثه عن المحيط الملكي، والاعتذار الذي جاء به السي بن كيران في بيان نشره الحزب عبر موقعه الرسمي، عن استعمال كلمة “قندوح”، في سياق حديثه عن عدم وجود سلطة تضاهي سلطة الملك، خلال لقاء تواصلي للحزب بالصويرة، لا يدلّ على شيء آخر سوى أن الهواتف رنّت (…)، أو قد ترن..
لم يكن مصطلح “قندوح” سوى حلقة أخرى (…) من سلسلة طويلة من التعابير التي اشتهر عبد الإله بن كيران بإطلاقها عبر مساره، وما إن نطق بها حتى تجاوزت حدود اللقاء الحزبي، لتتحول، كما جرت العادة مع عباراته السابقة، إلى حدث قائم بذاته: عنوان في المواقع الإلكترونية، وموضوع نقاش على منصات التواصل، ومادة تداول بين السياسيين والإعلاميين والمثقفين.. هكذا استمرّت لغة بن كيران، عبر الزمن، في إنتاج مفردات تخرج من لحظتها العابرة لتأخذ مكانها داخل الذاكرة السياسية المغربية، ونذكر منها طبعا العفاريت، والتماسيح، التي رغم أن السي عبد الإله يظن أنه هو الذي اكتشفها، وما هي في الواقع إلا تقاليد تكاد تشكل أغلالا وسلاسل في أقدام أي حكومة، حيث انشغل السياسيون المعقولون في بلادنا دائما بالتماسيح والعفاريت، مثلما انشغل قبلهم نواب شاه إيران بالأفاعي والثعالب..
على أي.. لم يكن استعمال مصطلح “القندوح” للحديث عن شخص معين في الدائرة الضيقة للمحيط الملكي، أمرا موفقا، خاصة وأن المستشارين الملكيين لا ينتمون للأحزاب السياسية، وقد حرصت المؤسسة الملكية نفسها على فرض هذه المسافة، لكن أن يسافر الأمين العام لحزب معين من الرباط إلى مدينة أخرى فقط من أجل إثارة القيل والقال بدل لعب الوساطة الحقيقية، فإن الأمر لم يكن مقبولا.. وقد اعترف بن كيران نفسه بأن عبارة “القندوح” لم تستعمل في سياق مناسب، ما جعله يسحبها في نهاية المطاف ويعتذر.. لكن أي اعتذار هذا؟ فالكلمة كما البصقة.. إذا خرجت من الفم لا تعود (…)، والحجر إذا رميته في البِرْكة لا يعود.. كما يقول المغاربة دائما.
أي منطق سياسي هذا، أليس حريا بالحزب السياسي أن يساهم في تأطير المواطنين والمساهمة في بناء البلاد عبر الانتخابات وفي الأوراش الكبرى؟ أي منطق هذا يجعل السياسيين يتهافتون على “البوز” الإعلامي بينما الدولة تحتاج لتقوية آليات الوساطة بدل تحريك معاول الهدم.. ؟



