تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | مفارقات الاتحاد الاشتراكي.. من الدفاع عن أخنوش إلى الدفاع عن الرأسمالية المتوحشة

إدريس لشكر وسياسة "كم حاجة قضيناها بتركها"

بخلاف جميع الأحزاب الاشتراكية في العالم، والتي تقوم على صراع الأفكار والمواقف، والأوراق النقدية، والمخططات الفكرية وصراع الأطروحات.. لم يعد يتوفر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في نسخته المغربية، سوى على “قانون أساسي” شبيه بالجمعيات السكنية، ولا يجيب عن الحد الأدنى من الأسئلة التي يفترض الإجابة عنها في “الدساتير الحزبية”، حيث تغدو الفصول مقلصة إلى أقل عدد من الكلمات، بينما يخصص جزء كبيرا من القانون للإنشاء، مع الإحالة على القوانين التنظيمية التي لا يعرفها أحد (..).

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

في حزب يدعي الاشتراكية، ويحمل رمز “الوردة”، والوردة تعني ذلك الرمز العالمي للحركة الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية، خاصة عندما يتم ربطها بقبضة اليد (..)، يفترض الحديث عن “المجتمع الاشتراكي” وعن الرفاه الجماعي، وعن قوة الدولة في تدبير الاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، كما يفترض الدفاع عن التأميم.. ومحاربة الخوصصة والرأسمالية المتوحشة، لكن ذلك لم يحصل أبدا مع الاتحاد الاشتراكي في نسخته المؤهلة للمشاركات الحكومية.

تتمة المقال تحت الإعلان

هل يمكن أن نتصور حزبا اشتراكيا يستعمل الامتناع كآلية للغموض في المواقف السياسية، خوفا من الذي سيحدث (..)؟ لكن ذلك حصل فعلا؛ فقد قرر حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي يقوده الكاتب الأول، الممدد له، إدريس لشكر، الامتناع عن التصويت على مقترحي قانون يتعلقان بتأميم شركة “لاسامير”، وتسقيف أسعار المحروقات.

تتمة المقال تحت الإعلان

بغض النظر عن الفرق بين تسقيف الأسعار في مجال المحروقات، والذي لا يعني في نهاية المطاف سوى ضمان الربح للشركات “المتغولة” من خزانة الدولة، فقد كان الأجدر الحديث عن نظام لتسقيف الأرباح أيضا، بحيث لا يجب أن يتجاوز الهامش حدود المعقول، كما يحصل دائما، في الحالة المغربية(..)، ويبقى السؤال الأوضح هو كيف يمكن لحزب اشتراكي أن يمتنع عن التصويت لمقترح يقضي بتأميم شركة وطنية هامة؟ أليس ذلك خدمة مباشرة للوبي المحروقات؟ وماذا لو كانت هناك اتفاقات تحت الطاولة، هل يمكن اعتبار ذلك مجرد موقف سياسي من حزب سياسي.. ؟

أقرب إلى الافتراض الأخير، يقول شقران أمام، وهو رئيس الفريق الاتحادي سابقا بمجلس النواب: ((أرى أن قرار الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين، والقاضي بالامتناع عن التصويت على مقترحي قانون يتعلقان بتأميم شركة “لاسامير”، وتسقيف أسعار المحروقات، قد جاء بناءً على قراءة خاصة للموقف الواجب اتخاذه، وهو ما أوضحه الحزب.. وبصرف النظر عن المآل بحكم ما يوصف بالتغول، أعتقد أنه كان من السليم التصويت لصالح المقترحين في ظرفية سياسية خاصة، وفي ظل تقدم الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين في الولاية التشريعية السابقة، بمقترح قانون يرمي إلى تحويل أصول شركة “لاسامير” لملكية الدولة المغربية)) (المصدر: جريدة “المشعل” / عدد 25 يونيو 2026).

كلام رئيس الفريق الاشتراكي السابق، لا يقف عند حدود معارضة الامتناع، بل إنه يكشف جزئية منسية، وهي أن الحزب سبق له التقدم عبر فريقه بمقترح لتأميم شركة “لاسامير”، وهو ما يطرح السؤال حول “جدية” المعارك التي يخوضها هذا الحزب في عهد القيادة الحالية.. كيف يمكن لحزب طالب بالتأميم أن يرفض التأميم عبر بوابة الامتناع؟ كما أن السؤال يغدو مطروحا حول هذا النوع من “المبادئ الاشتراكية” التي تتغير من ولاية لأخرى؟ أليس حريا أن تكون للحزب مبادئ معروفة يدافع عنها ؟

طبعا، وما دمنا في السياسة على الطريقة “الاتحادية” الراهنة، فإن كل شيء يبقى قابلا للتبرير، والتبرير الذي قدمه الاتحاد الاشتراكي لامتناعه عن التصويت لصالح مقترح يفترض الدفاع عنه من طرف حزب اشتراكي، كان عبر بيان معنون كالتالي: “الامتناع عن التصويت ليس تأييدا.. بل موقفا سياسيا في مواجهة التغول”.

إذن، بدل الحديث عن جوهر المشكل المتمثل في عدم دعم “التأميم”، والملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، كما تقول بذلك الأبجديات الاشتراكية، تم استعمال شماعة “التغول”(..)، أليس المفروض في حزب الاتحاد الاشتراكي أن يكون في طليعة المدافعين عن إعادة وسائل الإنتاج للدولة؟ ألا يفترض الحديث عن ورش الدولة الاجتماعية أن يكون الاتحاد الاشتراكي أكثر “اجتماعية” من الدولة نفسها؟ ولم لا تكون هذه فرصته التاريخية لصياغة برنامج حكومي ينقذه من الضلال الحكومي(..) ؟

شقران أمام

تقول القيادة الاتحادية، عبر الإعلام الحزبي، وهي تلوم كل منتقد: ((“أثار قرار الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية بالامتناع عن التصويت على مقترحي تأميم شركة لاسامير وتسقيف أسعار بعض المواد الأساسية، نقاشا واسعا، بل إن بعض الأطراف اختارت أن تجعل من هذا الامتناع محورا للنقاش برمته، متجاهلة عن قصد أو عن غير قصد حقيقة أكثر أهمية، وهي أن المقترحين قد سقطا أصلا بفعل التصويت الصريح للأغلبية الحكومية، التي تملك وحدها من الأصوات ما يكفي لرفض أي مبادرة تشريعية مهما كان مضمونها أو الجهة التي تقدمت بها، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن مواقف الاتحاد الاشتراكي هي ما يهم المغاربة وما يبحثون عنه، لأنهم يفترضون أنه الأقرب لحماية مصالحهم”..

و”لكن التركيز على موقف الامتناع وإغفال موقف الرافضين للمقترحين، يكشف كذلك قدرا كبيرا من الانتقائية في قراءة المشهد السياسي، لأن السؤال الحقيقي الذي كان ينبغي أن يطرح، هو من يكون هؤلاء الذين أسقطوا المقترحين؟ ومن الذي استعمل أغلبيته العددية لرفضهما ولمصلحة من؟ أما تحويل النقاش نحو من اختار الامتناع عن التصويت، فهو محاولة لصرف الأنظار عن جوهر القضية وعن المسؤولية السياسية الفعلية في اتخاذ القرار”..

“لقد كان واضحا منذ البداية أن النتيجة محسومة سلفا؛ فالأغلبية الحكومية الحالية لا تمتلك فقط أغلبية مريحة، بل تمتلك أغلبية كاسحة تجعل أي تصويت داخل المؤسسة التشريعية معروف النتائج قبل انطلاقه، وهو وضع سبق للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن نبه إليه منذ اللحظة الأولى لتشكيل هذه الحكومة، حين وصف ما يجري بحالة من التغول السياسي الناتج عن تجميع غير مسبوق لمراكز القوة والقرار على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية، كما حذر الاتحاد الاشتراكي مرارا من أن هذا التغول سيؤدي إلى إضعاف التعددية السياسية وإفراغ النقاش الديمقراطي من محتواه الحقيقي، لأن المؤسسات ستتحول تدريجيا إلى فضاءات لإضفاء الشرعية الشكلية على قرارات محسومة مسبقا، بدل أن تكون مجالا للتداول والتفاعل بين مختلف الرؤى والاقتراحات، وما وقع في ملفي لاسامير وتسقيف الأسعار، ليس سوى تجسيدا عمليا لهذا التخوف الذي عبر عنه الحزب منذ سنوات”.

لشكر
لشكر وحلفاء الأمس

“في مثل هذه الحالات، لا يمكن قراءة قرار الامتناع عن التصويت كموقف محايد أو موافقة ضمنية كما يحاول البعض تصويره، بل يصبح قرار الامتناع موقفا سياسيا قائما بذاته يعبر عن رفض المشاركة في إضفاء صورة تنافسية على عملية يعرف الجميع أن مخرجاتها مقررة سلفا بفعل اختلال موازين القوى العددية، وهو أيضا تعبير عن الاعتراض على منطق تدبير النقاش العمومي، وعلى الطريقة التي تستعمل بها الأغلبية العددية لإغلاق باب الحوار بدل فتحه، يصبح معه التصويت بـلا مجرد إجراء شكلي لا يغير شيئا في النتيجة، ولهذا قد تختار المعارضة الامتناع لتقول: نحن لا نوافق على هذا القرار، لكننا لا نريد أن نمنحه شرعية النقاش وكأنه محل تنافس حقيقي؛ فالامتناع، كما هو معلوم في كل الديمقراطيات، شكل من أشكال الاحتجاج السياسي”)) (المصدر: كل الفقرات سالفة الذكر مقتطفة ومنقولة من رسالة الاتحاد / 17 يونيو 2026).

خلاصة القول – تقول رسالة الاتحاد – “كم حاجة قضيناها بتركها”، لكن هل يجوز ذلك؟ أين المبادئ؟ أين النضال الشعبي؟ أين المعارضة؟ هل يعقل أن نصدق هكذا تصويت فقط لأن النتيجة معروفة سلفا.. ؟

لنفترض أن فريقا معينا يلعب ضد فريق آخر، هل يمكن أن نقبل امتناع أحد الفريقين عن المواجهة فقط لأنه يلعب بتشكيلة ناقصة في المباراة؟ أليس الأحرى تأكيد شرف المحاولة بدل تغيير الموضوع؟ ولنفترض أن الأمر يتعلق بالتغول، ألم يكن الاتحاد الاشتراكي جزءً من هذا التغول على مدى سنوات، منذ أن تقدم عزيز أخنوش لرئاسة الحكومة ؟

أليس الاتحاد الاشتراكي هو الذي قاد عملية “البلوكاج” الحكومي ضد بن كيران رفقة أخنوش، أليس إدريس لشكر هو الذي تحالف مع أخنوش ضد بن كيران، ضدا على نتائج الانتخابات؟ أليس التغول الاتحادي وغيره هو الذي أنتج حكومة سعد الدين العثماني، بعد التدخل الملكي بتعيين رئيس حكومة آخر من الحزب الفائز بالانتخابات؟ أليس التغول الاتحادي هو الذي أدى إلى تشكيل حكومة “لا طعم لها ولا لون” مكونة من أحزاب: العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاتحاد الدستوري، والتقدم والاشتراكية.. في وقت من الأوقات ؟

ألم يكن لشكر حليفا كبيرا لأخنوش على امتداد السنوات الأخيرة، لولا أن التبعية لأخنوش لم تشفع لحزب “الوردة” من أجل الدخول للحكومة الحالية في مرحلتين (قبل التعديل وبعد التعديل)؟ والآن، وبعد كل هذا.. تتحدث القيادة وقائدها عن التغول بدل الحديث عن أزمة القيم الاشتراكية في “القوات الشعبية”، وهي أزمة بدأت منذ “الخروج عن المنهجية الديمقراطية” وحتى قبلها.. ولكن القائد إدريس لشكر بالغ في المناورة قبل أن يصل إلى المناورات الأخيرة التي صبت كلها في اتجاه دعم أخنوش رغم ادعاء العكس، ومن يقول العكس سيكون بالتأكيد جاهلا لما حصل، عندما تم رفض دخول الاتحاد الاشتراكي لحكومة أخنوش في آخر دقيقة (..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى