
صوت حزب الاستقلال منذ أيام، عبر ممثليه في مجلس المستشارين، بالرفض على مقترحي قانونين يخصان تسقيف أسعار المحروقات وتأميم شركة “لاسامير”.. وقد جاء ذلك في ظرفية حساسة، حيث أن الحزب التاريخي بدأ حملته الانتخابية المبكرة بالدعوة إلى تسقيف أسعار المحروقات، كما تعرض أمينه العام نزار البركة، وزير التجهيز والماء، لحملات هجوم وتسريبات رقمية من قبل حسابات مجهولة، بالإضافة إلى انتقادات سياسية وإعلامية ركزت على ملفات تدبيرية، حيث تراوحت طبيعة هذه الحملات بين الاستهداف الشخصي والتشهير، والانتقاد السياسي لخطاباته وتدبيره الحكومي.
لم يترك الحزب الأمور تمر مرور الكرام؛ فقد برر موقفه من التصويت بمجلس المستشارين على رفض مشروعي القانونين من خلال الاعتبارات التالية: دعا الحزب إلى تسقيف هوامش ربح الشركات، لفرض أخلاقيات السوق بدل التسقيف الكلي للأسعار الذي قد يخلق أزمات؛ رفض الحزب العودة لنظام دعم المحروقات (صندوق المقاصة) باعتبار أن الميسورين هم من يستفيدون منه، مفضلا الاستهداف المباشر عبر برامج الدعم الاجتماعي، وأشار الحزب إلى أن العودة لدعم المحروقات سيهدد تمويل الأوراش الملكية والحماية الاجتماعية.
والحال أن هذه ليست هي المرة الأولى التي يقف فيها حزب الاستقلال مدافعا عن بعض القضايا من خلال حملاته الإعلامية، وعندما تعرض أمام إحدى غرف البرلمان، يصطف ضمن المصوتين ضدها. سيعرض هذا الملف أهم القضايا التي كان “الميزان” من أول المدافعين عنها، لكنه لم يتمكن من تمريرها على شكل قوانين.
تتمة المقال تحت الإعلان
أعد الملف: سعد الحمري
عندما دعا علال الفاسي إلى تحريم تعدد الزوجات في كتاباته ولم يستطع تطبيقها في مدونة الأحوال الشخصية التي ترأس لجنتها
إن لحزب الاستقلال تاريخ وطني حافل، سواء في مرحلة الحماية أو الاستقلال، كما أن له منظرين ومفكرين كبار، أبدوا آراءهم في عدة قضايا وطنية، ولعل أهم منظري الحزب، الزعيم التاريخي علال الفاسي، الذي له إسهامات فكرية عديدة، دون أن ترى النور على أرض الواقع، كما أنه لم يتمكن من تطبيقها عندما كان على رأس المسؤولية، ومن ضمنها مسألة تعدد الزوجات التي خلقت نقاشا عموميا في الماضي والحاضر.
فقد خصص علال الفاسي لهذه المسألة حيزا هاما ضمن كتابه الشهير “النقد الذاتي”، وخصوصا الباب الرابع الموسوم بـ”الفكر الاجتماعي”، حيث تطرق خلاله إلى جملة من القضايا التي تهم المجتمع المغربي، وفي مبحثه السابع حول “تعدد الزوجات”، الذي ختمه بحسم رأيه بـ”منع التعدد مطلقا”، الذي لم تصل إليه مدونة الأسرة حتى اليوم، حيث انطلق علال الفاسي في حديثه حول هذه القضية التي ذكر أنها “تظهر لكثير من الناس معقدة”، حول ما لاحظه من وجود الظاهرة في المناطق الإفريقية (وهو العائد من منفاه بالغابون)، وفي العالم الإسلامي (كان في مصر خلال فترة تأليف الكتاب الصادر في سنة 1952)، وأكد أن ((الأحكام صريحة الدلالة ويجمع عليها من طرف المذاهب الإسلامية كلها، وهي منع التعدد مطلقا عند الخوف من الظلم، وإباحته حتى الأربعة عند تيقن العدل، لكن الذي مضى عليه عمل المسلمين، هو ترك هذا الأمر لوجدان الرجل الذي يحكم على نفسه هل يقرر أن يعدل أو لا، وذلك هو الأصل في تطبيق الشرائع كلها، لأن الدين يتوجه قبل كل شيء للأفراد وضمائرهم)).
وبعد أن سرد العديد من الحجج، ختم العلامة المتنور علال الفاسي هذا المبحث بقوله: ((إنني أقرر الرأي بكامل الاطمئنان النفسي الذي يمليه علي إيماني بأن شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، ورجائي أن يكون في هذه الاعتبارات التي أبديتها، ما يحقق تطبيق مبدأ الإصلاح الإسلامي بمنع التعدد مطلقا في هذا العصر، إقامة للعدل، وتقديرا للمرأة، وحماية للإسلام)).
لم يعرف المغرب في عهد الحماية ولا قبلها قوانين مكتوبة مصوغة في شكل قوانين عصرية في مجال الأحوال الشخصية؛ فقد كان المغاربة المسلمون يخضعون في ما يخص تنظيم علاقاتهم الأسرية، إلى الأحكام المدونة في كتب الفقه المالكي، وبعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، تولت لجنة ملكية سنة 1957، برئاسة علال الفاسي، النظر في مشروع مدونة الأحوال الشخصية المحال من وزارة العدل، وتكونت هذه اللجنة من علماء خريجي جامعة القرويين، وتحيل ديباجة الظهير المؤسس للجنة الملكية على الإطار المرجعي والحيثيات الواجب استحضارها أثناء الإعداد.
المثير للاهتمام، أن النسخة النهائية لمدونة الأحوال الشخصية، تراجعت عن فكرة تحريم تعدد الزوجات، خاصة وأن علال الفاسي، رئيس اللجنة، كان له رأي واضح في المسألة، في حين اكتفت أول مدونة للأسرة في المغرب بتقنين الفقه المالكي التقليدي، الذي لم يمنع التعدد ولم يقيده بالصرامة التي دعا إليها، وقد أضفي على المدونة طابع القدسية، حيث استمر العمل بها على الوجه الذي خرجت عليه لمدة 36 سنة، وباءت كل محاولات الإصلاح بالفشل، حيث عملت الدولة بكافة الجهات الحكومية على حماية المدونة بغية مواجهة كل تجديد أو تعديل، وبذلك يكون أول اختبار تعرض له حزب الاستقلال هو مسألة منع تعدد الزوجات التي ظلت إلى اليوم غامضة.
التعريب ولغة التدريس.. تهمة حزب الاستقلال بتخريب المدرسة العمومية
دافع حزب الاستقلال منذ نشأته عن ضرورة تعريب الإدارة والمدرسة العمومية، وقد قاد الحزب حملات مكثفة لتعريب الإدارة والتعليم، معتبرا أن تعريب المواد العلمية والأدبية خطوة ضرورية لتحقيق التنمية والقضاء على التبعية للمستعمر. وقد لقيت هذه الحملات آذانا صاغية من الدولة، حيث شرع في تعريب التعليم خلال مرحلة السبعينات والثمانينات، واعتبر الحزب في البداية أن تعريب الإدارة والتعليم إنجاز يحسب له، وظل ينتشي بما تم تحقيقه، على اعتبار أن المغرب تحرر ثقافيا من فرنسا، إلا أن النتائج على المستوى المتوسط، بينت أن سياسة التعريب كانت بحق جريمة في حق أبناء الشعب، وبذلك ألصقت بحزب الاستقلال التهمة بأنه خرب المدرسة المغربية، عندما قام بتعريب التعليم لأبناء الشعب في الوقت الذي كان يسجل قياديوه أبناءهم في القطاع الخاص ومدارس البعثات.
وفي سنة 2019، اندلعت أزمة سياسية جديدة داخل الأغلبية الحكومية بالمغرب، بسبب موقف حزب العدالة والتنمية، الذي كان يقود الحكومة، من القانون الإطار 51.17 المتعلق بإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، منذ إحالته على لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، بتاريخ 12 شتنبر 2018، حيث لم تستطع الغرفة الأولى للبرلمان الوصول إلى توافق نهائي بشأنه، واستطاع رؤساء الفرق في اجتماعاتهم مع رئيس مجلس النواب، حسم الخلاف بشأن أغلب مواد مشروع القانون الإطار باستثناء المادة 31 المتعلقة بالهندسة اللغوية، والتي نصت على “إعمال مبدأ التناوب اللغوي، من خلال تدريس بعض المواد، لا سيما العلمية والتقنية منها، أو بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد بلغة أو لغات أجنبية”، في إشارة إلى اللغة الفرنسية، والتي اعترض عليها الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية، خاصة بعد دعوة رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق للحزب، نواب حزبه إلى التصويت ضد القانون ولو أدى ذلك إلى إسقاط الحكومة التي يقودها سعد الدين العثماني، معتبرا أن التصويت لصالح القانون الإطار “خيانة” للدستور وللمبادئ التي قام عليها الحزب.
امتناع حزب الاستقلال عن التصويت على القانون الإطار 51.17 فُهم بأنه تزكية غير مباشرة وتخلي الحزب عن مبادئه
انضم حزب الاستقلال لحزب العدالة والتنمية، عندما صرح أمينه العام نزار البركة بأن فرنسة التعليم تعد جريمة، بعدها خرج أعضاء من الحزب يدافعون عن تصريح الأمين العام قائلين أن تصريحه فهم بشكل خاطئ، معتبرين أنه تحدث عن ضعف تكوين الأساتذة في اللغة الفرنسية، ومع ذلك يتم إرغامهم على نقل الأفكار إلى التلاميذ بها، نفس المصادر أشارت إلى ((ضرورة تمكين الأساتذة من الفرنسية قبل التدريس بها، لافتة إلى أن حزب الاستقلال لا يتبنى التعريب، ومن يقول العكس فهو غير دقيق، فالحزب يدافع عن الرؤية الاستراتيجية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، وهو ليس ضد اللغات الأجنبية، معتبرة أن ربط حزب الاستقلال بالتعريب نقاش مغلوط..)).
وهكذا وجد حزبا العدالة والتنمية والاستقلال نفسيهما معزولين في موضوع لغة تدريس المواد العلمية، بعد أن اتجهت كل الأحزاب الأخرى نحو دعم خيار الفرنسية، وهو ما تداركه “البيجيدي” في اجتماع أمانته العامة، حيث بات يسير نحو الموافقة على تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية إسوة بحلفائه التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري.
ثم ما لبث أن أعلن حزب الاستقلال انسحابه من التّوافق الوطني حول مشروع القانون الإطار، بعدما كان قد قاطع الاجتماع الذي كان مبرمجا في أبريل 2019 بين رؤساء الفرق البرلمانية حول الموضوع، كما أن انسحابه جاء في خضمّ دعوة حزب علال الفاسي، رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، إلى تفعيل مقتضيات الفصل 103 من الدستور، من خلال ربط طلب الموافقة على مشروع القانون الإطار المذكور، لدى مجلس النواب، بتصويت منح الثقة للحكومة.
وظل الاستقلاليون يرفضون تدريس العلوم بالفرنسية لأن ذلك ((يمثل تطاولا غير مقبول في حق الدستور المغربي، ومقامرة خاسرة بمستقبل الأجيال القادمة، ورهانا بيداغوجيا غير منتج، لأن التلميذ المستهدف حاليا لا يمتلك الكفايات اللغوية الأساسية التي ستمكنه من الفهم والاستيعاب بهذه اللغة الأجنبية)).
وفي هذا السياق، قال عمر عباسي، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال: ((عبّرنا في حزب الاستقلال خلال اجتماع لجنة التعليم، أننا لم نعد معنيين بأي توافق، وذلك بسبب فشل الأغلبية الحكومية في تدبير هذا الموضوع، وبسبب الارتباك الذي وسمَ تعاطيها مع قضية مجتمعية بالغة الأهمية)).
وأضاف عباسي في تصريح لموقع “هسبريس”: ((لقد دافعنا في الحزب منذ البداية على ضرورة احترام الثوابت الدستورية المنصوص عليها في الفصل الخامس، وفي مقدمتها اعتبار اللغة العربية أساسية في التدريس، وهو الأمر الذي تضمنته المادة 31 من مشروع القانون الإطار، بيد أن فشل مكونات الأغلبية في التوافق حول هذا الموضوع، حال دون ذلك الإجماع الوطني الذي نعتبر أن نجاح ورش إصلاح منظومة التربية والتعليم رهين به)).
وفي يوليوز 2019، عرض مشروع القانون على التصويت، وصادقت عليه لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب وسط انقسام في صفوف الأغلبية بخصوص لغة التدريس، وصادق على المشروع 25 نائبا ينتمون لفرق الأغلبية وحزب الأصالة والمعاصرة، مقابل معارضة نائبين من حزب العدالة والتنمية هما المقرئ أبوزيد الإدريسي ومحمد العثماني، فيما امتنع 3 نواب من حزب الاستقلال عن التصويت، ومن جهة أخرى، امتنع فريق العدالة والتنمية عن التصويت على المادة 2 من مشروع القانون التي تفتح الباب لتدريس المواد العلمية والتقنية باللغة الفرنسية، كما صوت نائبان منه ضد المشروع، هما المقرئ أبوزيد الإدريسي، ومحمد العثماني.
واختار الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية التصويت بالامتناع عن المادة 2، فيما صوتت عليها باقي فرق الأغلبية والمعارضة بالإيجاب، وقد حظيت المادة المذكورة بموافقة 12 نائبا مقابل امتناع 16 نائبا ومعارضة اثنين، وقد فُهم في بعض الأوساط السياسية أن امتناع الحزب عن التصويت عوض التصويت بالرفض، يعتبر تزكية غير مباشرة لاعتماد الفرنسية كلغة تدريس في المغرب.





