تحليل إخباري | السياسة والرياضة والشعب والملوك.. من محمد الخامس إلى محمد السادس
كيف تصنع الرياضة أصدقاء للملك
في عز الأجواء الرياضية، وبالنسبة لرجال السياسة والثقافة والمهتمين عموما من النخبة أو من خارجها، قد لا تبدو الأسئلة مرتبطة بتلك الرقعة الصغيرة التي تمثلها مساحة الملعب، بل إن السؤال يغدو مطروحا حول مكانة الرياضة في النظام المغربي، وكيفية تعامل الملوك المغاربة مع أحد أكبر الاهتمامات الشعبية، وهي الرياضة.
إعداد: سعيد الريحاني
يقول الدكتور منصف اليازغي، أحد أكبر المتخصصين الباحثين في المجال الرياضي: ((بالنظر إلى خصوصية النظام السياسي المغربي المرتبط ببنية مخزنية تعتمد على ملك ذو سلطات دينية وتاريخية وسياسية واسعة، تستند إلى نصوص دستورية صريحة وضمنية، فإن تحليل وتفكيك الخطب الملكية يظل أمرا ضروريا بحكم أن الخطاب لدى ملوك المغرب كان دائما الوسيلة المفضلة للتواصل مع الشعب، كما أن الخطب كانت دائما حبلى بالتوجيهات في العديد من المجالات، ومن بينها المجال الرياضي.. ولا يقتصر حضور المؤسسة الملكية، على مستوى التوجيه، في الخطب أو في إطار مؤسسات استشارية، بل يمتد هذا الحضور إلى التوجيه المباشر للقطاع الرياضي من خلال تدخل يتجاوز المؤسسات الدستورية والقانونية.. وفي ظل حكومة تنفذ التوجيهات الملكية الصادرة إما عبر خطب ملكية تلقى في افتتاح البرلمان أو بمناسبة عيد العرش أو عبر رسائل توجيهية للوزير الأول، فإن استحضار مضمون التصريحات الحكومية للوزراء الأولين والخطوط العريضة للمخططات الاقتصادية والاجتماعية وبرامج الوكالات والمؤسسات التابعة للوزير الأول، يظل أمرا مغريا للباحث، خصوصا وأن ذلك يكرس نظام ملكية تنفيذية على نحو كامل)) (المصدر: كتاب “السياسة الرياضية في المغرب”/ المؤلف الدكتور منصف اليازغي).
في إطار ما سبق، خصص الدكتور منصف اليازغي صفحات كثيرة من كتابه الجديد للحديث عن “الخطاب السياسي” للمؤسسة الملكية، مؤكدا أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ظلت مرتبطة بالحوار(..)، ((لقد تقوت مكانة الخطب استنادا للمكانة المتفردة للمؤسسة الملكية في النسيج الاجتماعي والسياسي المغربي، فالمؤسسة الملكية تستمد قوتها من كونها تقود الأمة من مرجعيتين: الأولى دينية، متمثلة في شخص أمير المؤمنين، والثانية سياسية، تتمثل في رئيس الدولة أو الملك. هذا المعطى جعل الملك وحده في النسق السياسي الذي له حق إجراء عملية التواصل السياسي مع الشعب ومع الأحزاب والحكومة، وبين الأحزاب والحكومة، وله كل شيء باسم إمارة المؤمنين، وعلى أساس ذلك، فإن الملك لا يتوانى في توظيف الخطب الموجهة إلى الشعب من أجل تمرير رسائل إلى أطراف معينة، أو الحسم في خلاف حاصل، أو توجيه الحكومة والبرلمان من أجل تبني سياسة معينة أو برنامج محدد)).
خصص الدكتور اليازغي جزءً كبيرا من كتابه الضخم للحديث عن علاقة الملوك بالرياضة، أمثال السلطان المولى عبد العزيز، الذي كان مولعا بـ”التنس والكريكيت والبولو ودراجته المصنوعة من الألمنيوم”، والسلطان المولى عبد الحفيظ، الذي “كان مغرما أيضا بلعبة الكريكيت التي لعبها بفاس خلال حكمه وبعد تنازله عن العرش، وكان بمدينة طنجة يحرص مباشرة بعد الانتهاء من اللعب، على تسجيل النقاط في مفكرة صغيرة واضعا نفسه في المركز الأول مستتبعا نفسه بأحد أصدقائه المقربين، وفي الصف الأخير يضع لاعبا آخر قد يكون هو الفائز فعليا”.

محمد الخامس.. الرياضة الأكثر شعبية
بين السياسة والرياضة، كتب منصف اليازغي عن مرحلة السلطان محمد الخامس، قائلا: ((ساعد انهيار نظام الحماية الفرنسية، نتيجة مفاوضات بين الحركة الوطنية والحكومة الفرنسية، في عودة الملك محمد الخامس مجددا سلطانا للمغرب، إذ أشرف على الجيش والإدارة المستحدثة كاسبا بذلك قوة لم يتمتع بها أحد من أجداده، فتجمعت بذلك كل الوسائل لدى السلطان ليكون إما أميرا عادلا وإما مستبدا جائرا، مع العلم أن المقيمين العامين الفرنسيين كانوا حكاما مستبدين لكن تحت سلطة قانون الجمهورية الفرنسية، وساهم في تجمع السلطات بين يدي السلطان غياب دستور بإمكانه نظريا الحد من سلطاته)).
نفس الكاتب قال: ((مباشرة بعد الاستقلال، بات حزب الاستقلال في مواجهة محمد الخامس وحلفائه المكونين من المخزن الاستعماري، واستعان حزب الاستقلال في صراعه بورقة جيش التحرير المغربي وبتعاظم المنخرطين في صفوفه، فلم يجد محمد الخامس بدّا من منح رئاسة الحكومة لأحمد بلافريج في ماي 1958، وهي الحكومة، التي وإن تميزت بغلبة الاستقلاليين بداخلها، فإنها في حقيقة الأمر كانت مختلة التوازن بالنظر إلى غلبة الجناح الملكي والمحافظ داخل الحزب، ورغم إسناد الحكومة في دجنبر 1958 لعبد الله إبراهيم، الذي بادر إلى إقرار مجموعة من الإصلاحات، فإن مقاومة عنيفة أبداها القصر لعدم تحمسه للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المعلن عنها من خلال الإضراب عن الختم، وحينها كان محمد الخامس بصدد الاستماتة في الدفاع عن صلاحياته ومصالح العرش العلوي)) (المصدر: كتاب “السياسة الرياضية في المغرب”/ المؤلف الدكتور منصف اليازغي).
هذا فيما يتعلق بالسياسة، أما في المجال الرياضي، فقد قال منصف اليازغي في فقرات من الكتاب، الذي تقدم “الأسبوع” جزء منه للقراء دون زيادة أو نقصان، للتعريف بالمؤلف وصاحبه: ((على الصعيد الرياضي، يتأكد الارتباط المبدئي بين محمد الخامس والرياضة من خلال الممارسة؛ فقد كرس الراحل نمطا فريدا في تاريخ سلاطين المغرب من خلال مواظبته على ممارسة التنس والسباحة والتزلج على الجليد والكرة الحديدية التي مارسها طيلة حياته وكان يعتبرها الرياضة الأكثر ديمقراطية وشعبية. وجاءت ممارسة هذه الأنواع الرياضية موازاة مع أساليب الحياة الجديدة التي أدخلها الاستعمار الفرنسي إلى المغرب منذ سنة 1912، إذ كان القصر الملكي بالدار البيضاء يتوفر على ملعب للتنس خاص بمحمد الخامس، وهو الملعب الذي شهد زيارة تاريخية للمندوب العام الفرنسي في التعليم والرياضة، دون بوروترا، يوم 18 أبريل 1941، بحضور المقيم العام الفرنسي شارل نوغيس ومحمد الخامس، كما تتضح علاقة محمد الخامس برياضة التنس من خلال ما نقله عنه الحسن الثاني في مذكراته؛ فقد كان دائم الممارسة حتى في اللحظات العصيبة التي شهدها المغرب، ويظل التفصيل الأهم في علاقة محمد الخامس بالرياضة، هو ما نقله عنه طبيبه الخاص، هنري ديبوا روكيبير، إذ أشار إلى أن الراحل كان رياضيا، واختار ضمن مرافقيه في فترات اللعب بعض الفرنسيين غير المنتمين لأطر الإدارة الفرنسية بالمغرب، بل ينتمون إلى الطبقة المتوسطة ومكنهم من حظوة كبيرة)) (نفس المصدر).
من حق الملك ممارسة الرياضة، ومن حقه أن يكون له أصدقاء، لكن منصف اليازغي ينبه إلى ملاحظة مهمة في هذا السياق: “إذا كان بعض أفراد الشعب قد تقبلوا ممارسة محمد الخامس للرياضة بالنظر إلى الحماس الذي ولدته بينهم، فإنهم تابعوا بنوع من الريبة اقتحام أصدقاء محمد الخامس الفرنسيين لحميمية السلطان ولبعض الخصوصيات المرتبطة بالقصر، بما أن التقاليد المتعارف عليها في المحيط الشعبي تحصر حق ولوج القصر على أقرباء السلطان وعلى الشخصيات التي تتحمل مسؤولية إدارة الدولة، وإذا كان محمد الخامس حريصا على الدفع بوريث العرش، الحسن الثاني، إلى الممارسة الرياضية، سواء من خلال إشراكه في المخيمات الصيفية بشواطئ الرباط والدار البيضاء التي مارس بها كرة القدم، أو موافقته على رئاسته الشرفية لفريق الوداد الرياضي البيضاوي، الذي كان يعد مفخرة الشعب المغربي خلال فترة الاستعمار الفرنسي بما يحمله من أبعاد نضالية ووطنية، فإنه مقابل ذلك، كان يرى أن الرياضة قد تلهي الإنسان عن مهامه الأساسية، إذ لم يجد بدّا من تخيير الحسن الثاني بين مهمته كولي للعهد وبين أن يبقى بعيدا عن أي التزام، وكان من شروط محمد الخامس في حالة قبول الخيار الأول، التخلي عن ممارسة الرياضة على الأقل بحدة كبيرة، ويقول الحسن الثاني عن هذا الحادث: “ذهبنا معا (هو محمد الخامس) إلى الغرفة التي كنت أعيش فيها في المعهد الملكي، وفي لمحة عين رأيت اختفاء بندقدية الصيد وسيف التدريب ومضارب التنس وعدة صيد السمك وركوب الخيل وكتب الرياضة ومجلاتها المصورة وجهاز الراديو وجهاز لعب الأسطوانات، ونظر إلي والدي بعدها وقال: أظن الآن أنه سيمكنك أن تعمل”)) (نفس المصدر).

الحسن الثاني.. بداية الصراع مع الأحزاب وعشق كرة القدم والسلة والطائرة والمضرب والطاولة والغولف
((على إثر وفاة محمد الخامس، تمت عملية انتقال السلطة إلى الملك الجديد بشكل سريع اتقاء للفتنة؛ فالسلطة الجديدة كانت على وعي بضعف ركائز المؤسسة الملكية في بداية الستينيات، وبعد جلوسه على العرش بتاريخ 3 مارس 1961، بادر الحسن الثاني إلى تشكيل فريق لإعداد أول دستور للمغرب المستقل رافضا بشكل قطعي طلبات الأحزاب السياسية بتشكيل جمعية تأسيسية، ليواجه في بداية حكمه إشكالات داخلية وخارجية أبرزها محاكمة أعضاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بعد الاجتماع الأخير يوم 16 يوليوز 1963 لإعلان مقاطعته الانتخابات البلدية والقروية والمهنية، بتهمة التآمر على الملك والمس بالنظام العام، ودخول المغرب والجزائر غمار حرب “الرمال” بسبب نزاع حدودي خلال نفس السنة. وتخلل هذين الحدثين الإعلان عن تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية برئاسة رضى اكديرة، قبل انطلاق أول انتخابات تشريعية في تاريخ المغرب، ليستتبع ذلك الإعلان عن أول وآخر حالة استثناء في تاريخ المغرب شهر يونيو 1965، ما مكن الحسن الثاني من تجميع السلطتين التشريعية والتنفيذية بين يديه.
وشهد المغرب في عهد الحسن الثاني محاولتين انقلابيتين سنتي 1971 و1972، وتنظيم المسيرة الخضراء التي وحدت صف كل الفاعلين السياسيين، قبل أن ينطلق صراع القصر مع المعارضة على الخصوص، إثر منح رئاسة الحكومة للمعطي بوعبيد من الاتحاد الدستوري سنة 1983، واستمر المد والجزر بين الاثنين إلى غاية إقرار التناوب التوافقي سنة 1998، والذي اعتلت بموجبه المعارضة سدة الحكومة بقيادة عبد الرحمان اليوسفي…)).
هذا بالنسبة للسياسة، أما في الرياضة، فقد تناول كتاب “السياسة الرياضية بالمغرب” لمؤلفه الدكتور منصف اليازغي، تلك المرحلة قائلا: “أما على المستوى الرياضي، فقد احتلت الرياضة مكانة شاسعة في فكر الحسن الثاني، وساهم في ذلك بالدرجة الأولى والده محمد الخامس، الذي لم يكتف في سنواته الأولى بتلقينه المواد العلمية فحسب، وإنما أخضعه أيضا للتداريب الرياضية انطلاقا من أن البنية الجسمية القوية لها أثر كبير في تيسير استيعاب العلوم وتحمل المسؤوليات؛ فقد مارس الحسن الثاني السباحة والرماية والمسايفة ومختلف أنواع الكرة (كرة القدم والسلة والطائرة والمضرب والطاولة والغولف) والتزحلق على الجليد، وتمكن، وسنه لا يتجاوز السادسة، من الفوز بسباق 100 متر في السباحة من تنظيم الجمعية الفرنسية للسباحة والإسعافية تحت إشراف الكولونيل كاهيزاك، الذي قدم من فرنسا لذلك الغرض، علما أن هذا النوع من السباقات لا يفوز به عادة سوى الأطفال ذوي 13 سنة، كما كان مفتونا بلعبة الكروكي (لعبة بالكرات الخشبية) وركوب الدراجة، قبل أن يشارك في أول سباق للخيل سنة 1946.. وكان الراحل يحرص على ترؤس التظاهرات الرياضية قبل وبعد الاستقلال في مختلف المدن المغربية، أي أن حضوره في المجال الرياضي لم يكن انطلاقا من وظيفته في أعلى هرم السلطة، وإنما نتيجة حبه للرياضة التي ظل يمارسها حتى آخر أيام عمره، ومن جهة ثانية، بالنظر للمكاسب السياسية التي تحققها داخليا وخارجيا.. وانطلاقا من كون كرة القدم هي الرياضة الشعبية الأولى في المغرب والعالم، وتمارسها فئة عريضة من الشباب، كان من الصعب تفويت الفرصة دون إدماجها في الصيرورة العامة للبلاد، خاصة وأن النموذج الإسباني كان حاضرا بقوة آنذاك، والذي انبنى على رعاية مباشرة من الجنرال فرانكو للفرق الإسبانية أملا في تلهية الشعب عن هموم أكبر شهدتها إسبانيا بعد خروجها من حرب أهلية مدمرة، واحتلت الرياضة مكانة أكبر على مستوى الخطاب في تفكير الحسن الثاني منذ سنة 1970، إثر الوجه المشرف الذي ظهر به المغرب في أول مشاركة إفريقية وعربية بكأس العالم، قبل أن يزداد حضورها بمناسبة فوز سعيد عويطة ونوال المتوكل بميداليتين ذهبيتين بالألعاب الأولمبية لسنة 1984 بلوس أنجلوس، ثم بمناسبة تحقيق المغرب للتأهل إلى الدور الثاني من كأس العالم بالمكسيك سنة 1986، إذ اتضح للراحل أنه بالرياضة وليس بالسياسة، يمكن تسجيل حضور المغرب في أكبر المنتديات العالمية إلى جوار أكبر الدول الصناعية، وأنه بالرياضة أمكن تقديم المغرب في صورة البلد المعافى القادر على إنجاب الأبطال، وأنه بالرياضة يمكن شغل مساحة هامة من اهتمامات الشباب المغربي الذي ظل مشتتا في مرحلة معينة من تاريخ المغرب بين إيديولوجيات دخلت في صراع متجدد ومتوال مع القصر، وبين الإكراهات الاجتماعية لمغرب ما بعد الاستقلال)) (المصدر: كتاب “السياسة الرياضية بالمغرب”).

محمد السادس
بدأ الملك محمد السادس مسيرته على العرش بعزل رموز العهد السابق، وقد كان مختلفا عن والده حتى في المجال الرياضي، إذ يقول الدكتور منصف اليازغي: ((فضل محمد السادس التوجه إلى رياضة غير شعبية بالمغرب كما هو الحال بالنسبة لكرة القدم، وهي رياضة “الجيت سكي” التي مارسها عندما كان وليا للعهد أمام الملأ بوادي أبي رقراق، الفاصل بين الرباط وسلا، وكان لحب الملك محمد السادس لهذا النوع الرياضي تأثير واضح على عدة جوانب؛ فجامعة “الجيت سكي” لم يكن لها أي وجود قبل 10 سنوات من الآن، كان هناك فقط نادي الأوداية لرياضة ركوب الأمواج، الذي ترأسه الملك محمد السادس منذ سنة 1999، في حين أنها تضم حاليا أزيد من ستة أندية وأزيد من 40 منخرطا، إلى درجة أن صفة الرياضة النخبوية بدأت تزول عن رياضة “الجيت سكي”، فأغلب المدن الساحلية تتوفر على نادي لـ”الجيت سكي”، سواء مسجلا ضمن الجامعة أو يمارس في إطار سياحي أو محلي كما هو الأمر بالنسبة لمدن بوزنيقة وبنسليمان وسطات وأكادير.. بل إن مدنا غير ساحلية تقترح ضمن برامجها السياحية منافسات في الجيت سكي، فمراكش مثلا اختارت حوض اللوكوس ليكون ميدانا لممارسي هذا النوع الرياضي)) (مقتطفات من كتاب “السياسة الرياضية بالمغرب”).



