تحليل إخباري | هفوات حكومة أخنوش تبعث قصة “الحمار الذي أكل الدستور”
الحكومة تتهرب من اجتياز الاختبارات القانونية

أكبر خطر يهدد الدستور هو أن يأكله الحمار(..)، وقد حدث ذلك فعلا في مسرحية فنية تعود لسنة 1976، أدى دور البطولة فيها الفنان السوري دريد لحام، ورغم أن قصة المسرحية طويت.. إلا أن النقاشات الدستورية في بعض البلدان غالبا ما تستدعي مثل هذا الكلام، في إشارة إلى إمكانية “خرق” الدساتير(..).
إعداد: سعيد الريحاني
في المغرب، ومنذ سنة 2011 عندما كانت عدة بلدان تغلي فوق فوهة “الاحتجاجات”، التي سميت بـ”الربيع العربي” بينما كانت خريفا قاسيا وامتحانا عسيرا لجل الأنظمة(..)، اختار المشرع التفاعل بطريقته مع الاحتجاجات بتوجيه ملكي، ركز على ضرورة إحداث تغييرات دستورية لضمان الحقوق والحريات، فكان أحد المنافذ هو الانتقال من نموذج المجلس الدستوري إلى المحكمة الدستورية، بعد تاريخ طويل من التغييرات بدأت مع “تقزيم” الرقابة على دستورية القوانين في مجرد “غرفة”(..)، والمهم أن المحكمة الدستورية صارت عنوانا عريضا للديمقراطية في المغرب، لكن التفاعل مع هذه الآلية ظل محدودا رغم الإرادة الشعبية والإرادة السامية، وقد كان أولل المتهربين من “الاختبارات الدستورية” هو الحكومات المتعاقبة.. وصولا إلى حكومة أخنوش، التي حطمت الرقم القياسي في عدد القوانين الساقطة بمقتضى تدخل المحكمة الدستورية، رغم أنها ظلت دائما تتهرب من هذا الامتحان(..).
آخر ضربة دستورية تلقتها حكومة أخنوش تمثلت في قرارها الأخير، حيث قضت يوم الإثنين الماضي بـ”عدم دستورية عدد من المقتضيات الجوهرية الواردة في القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، معتبرة أن بعضها يشوبه غموض تشريعي يمس بمبدأ الأمن القانوني، فيما كشفت مواد أخرى عن إغفال تشريعي يمس استمرارية المؤسسات المهنية وضمانات ممارسة المهنة.. وجاء القرار، الذي يحمل رقم 263/26 م.د، عقب إحالة تقدم بها 93 عضوا بمجلس النواب، حيث أخضعت المحكمة النص لرقابة دقيقة لم تقتصر على الدفوع المثارة من قبل النواب، بل امتدت إلى إثارة عدد من الملاحظات تلقائيا، بالنظر إلى ما اعتبرته مساسا بمقتضيات دستورية أساسية.. وأبرز ما انتهى إليه القرار، إسقاط البند الأول من المادة 67 والمتعلق بشهادة اللفيف، بعدما اعتبرت المحكمة أن عبارة “ذكورا وإناثا” تفتقر إلى الدقة التشريعية ولا توفر معيارا واضحا لتحديد نصاب الشهود من الجنسين، وهو ما قد يؤدي إلى تأويلات متباينة وتطبيقات غير موحدة.
وأوضحت المحكمة أن حذف العبارة وحدها سيؤدي إلى نتيجة مخالفة لنية المشرع، تتمثل في حصر الشهادة في الذكور، لذلك قضت بعدم دستورية البند بأكمله، كما قضت المحكمة بعدم دستورية الفقرتين الأولى والثانية من المادة 53، الخاصة بتلقي العقود من الأشخاص في وضعية إعاقة سمعية أو كلامية، معتبرة أن جعل الاستعانة بمترجم محلف أو خبير في لغة الإشارة أمرا اختياريا يخضع لتقدير العدلين، لا يوفر الحماية القانونية الكافية لهذه الفئة، ولا ينسجم مع مبدأ المساواة الفعلية الذي يكفله الدستور..

وفي جانب آخر من القرار، أثارت المحكمة تلقائيا عدم دستورية المادة الثامنة، المتعلقة بحالات التنافي المهني، مسجلة أن المشرع أغفل التنصيص على أجل يسمح للعدول بتسوية وضعياتهم القائمة، كما لم يحدد مسطرة واضحة للتصريح بحالة التنافي، وهو ما اعتبرته المحكمة نقصا تشريعيا مؤثرا في سلامة النص (المصدر: موقع الأحداث أنفو).
هذا فيما يخص العدول، وقد سبق للمحكمة الدستورية أن وجهت ضربات أخرى للحكومة، بعد إسقاط عشرات المواد من قانون المسطرة المدنية، والأكيد أن هذا التقصير التشريعي من طرف حكومة أخنوش ناتج عن التراخي في تفعيل الدستور، بعد الانتقال من سياق ساخن إلى سياق بارد نسبيا، في غياب الضغط الشعبي، وفي هذا السياق، ((سبق للحكومة أن أصدرت قرارا يقضي بعدم دستورية عدد كبير من مواد القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، وقد أطاح القرار بأكثر من 30 مادة ومقتضى قانوني.. وخلصت المحكمة، في قرارها، إلى أن المواد الملغاة تخل بمبادئ دستورية جوهرية، كالأمن القضائي، وحق الدفاع، واستقلالية السلطة القضائية.. ومن أبرز المواد التي تم إسقاطها، الفقرة الأولى من المادة 17، والتي كانت تمنح النيابة العامة صلاحية إبطال أي مقرر قضائي مخالف للنظام العام، حتى وإن أصبح نهائيا، كما اعتبرت المحكمة أن مقطعا من المادة 84 المتعلق بتبليغ الاستدعاءات، غير دستوري، لأنه يؤدي إلى الشك والتخمين بدلا من اليقين.. كما قضى القرار بعدم دستورية مواد أخرى، منها الفقرة الأخيرة من المادة 90 المتعلقة بحضور الأطراف عن بُعد، والفقرتان الأخيرتان من المادتين 107 و364، اللتان تحرمان الأطراف من التعقيب على مستنتجات المفوض الملكي، مما يعد قيدا غير مبرر على حق الدفاع..
ومن أبرز ما قضت به المحكمة هو عدم دستورية الفقرتين الأوليين من المادتين 408 و410، اللتين كانتا تمنحان وزير العدل صلاحية تقديم طلب الإحالة، وذلك لمخالفتهما مبدأ استقلال السلطة القضائية، كما أكدت المحكمة أن المادة 624 (الفقرة الثانية) والمادة 628 (الفقرتان الثالثة والأخيرة)، والتي كانت تخول السلطة الحكومية تدبير النظام المعلوماتي لتوزيع القضايا وتعيين القضاة، تتعارض مع مبدأ فصل السلطات.
الكم الهائل من المواد التي تم إسقاطها دفعة واحدة، يضع علامة استفهام كبيرة حول أداء الحكومة والبرلمان.. فكيف يمكن لقانون بهذا الحجم والأهمية، والذي مر بمراحل الإعداد والمناقشة داخل لجنة التشريع ثم المصادقة عليه داخل البرلمان، أن يتضمن كل هذا العدد من المخالفات الدستورية؟ هذا التساؤل يذهب أعمق من مجرد خطأ تقني، ليلامس أزمة كفاءة تشريعية)) (المصدر: تغطية خاصة لموقع أشكاين).
سقوط الحكومة في الامتحانات الدستورية، فضلا عن التهرب من مناقشة مشاريع قوانين مكافحة الفساد والاغتناء غير المشروع وتضارب المصالح، كان علامة بارزة في كل نتائجها البادية للعيان، ولم تسلم من ذلك حتى مشاريع قوانين الصحافة، التي رجعت هي الأخرى من المحكمة الدستورية، فـ((في قرار ذي حمولة دستورية وسياسية لافتة، حسمت المحكمة الدستورية في الطعن المقدم من طرف 96 عضوا بمجلس النواب بخصوص القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وقضت بعدم دستورية عدد من مواده الأساسية، مقابل تأكيد مطابقة مواد أخرى للدستور.. الملف المعروض على أنظار المحكمة انطلق برسالة إحالة تم تسجيلها بالأمانة العامة للمحكمة الدستورية بتاريخ 7 يناير 2026، استنادا إلى الفصل 132 من الدستور، حيث التمس البرلمانيون المحيلون البت في مدى مطابقة تسعة مواد من القانون للدستور، قبل إصدار الأمر بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية، وركزت المحكمة الدستورية على عدد من المواد، من بينها المواد 5 و9 و10 و13 و23 و44 و45 و55 و93، حيث قامت بفحص هذه المقتضيات في ضوء الدستور، مع استحضار خصوصية المجلس الوطني للصحافة باعتباره آلية للتنظيم الذاتي المستقلة للقطاع.. وفي هذا السياق، اعتبرت المحكمة أن البند “ب” من المادة الخامسة غير مطابق للدستور، بعدما تبين لها أن التركيبة العددية للمجلس تخل بمبدأ التوازن بين مكوناته، إذ يمنح القانون تسعة مقاعد لفئة الناشرين مقابل سبعة فقط لفئة الصحافيين المهنيين المنتخبين، دون تعليل موضوعي أو مبرر دستوري.. ورأت المحكمة أن هذا الاختلال يتعارض مع الفصل 28 من الدستور، الذي يؤطر التنظيم الذاتي للصحافة على أساس التوازن والتساوي بين مكونات المهنة.
وبالاستناد إلى المنطق نفسه، صرحت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة، التي أسندت حصريا مهمة الإشراف على إعداد التقرير السنوي للمجلس لعضوين من فئة “الناشرين الحكماء”، معتبرة أن هذا المقتضى يقصي باقي أعضاء المجلس، ولا سيما ممثلي الصحافيين، بما يخل بمبدأ المشاركة المتكافئة داخل هيئة التنظيم الذاتي، كما توقفت المحكمة عند المادة 49، التي تخول للمنظمة المهنية الأكثر تمثيلية في فئة الناشرين، الاستحواذ على جميع المقاعد المخصصة لهذه الفئة داخل المجلس)) (المصدر: موقع الجريدة 24).
إن سقوط الحكومة، بالدرجة الأولى باعتبارها المشرع الأول في السياق المغربي، أمام الامتحانات الدستورية، لا يسيء لسمعتها فقط، بل يمس سمعة البلاد ككل، خاصة في مجال الديمقراطية، فالمشكلة أن المحكمة الدستورية نفسها انتبهت – على لسان رئيسها – إلى هذا الخلل الكبير في التعامل مع المحكمة الدستورية، التي تضطر للتدخل بصفة “بعدية” لإسقاط القوانين، والحال أنه يمكن اللجوء إليها قبل المس بالدستور، وفي هذا الصدد، يمكن الاستماع لكلام محمد أمين بنعبد الله، رئيس المحكمة الدستورية، الذي يدافع عن “حقوق” المحكمة الدستورية في كل مرة، حيث يقول: ((عندما يوجد هناك قانون يثير الكثير من الأطاريح، يجب أن يتم تطهيره من الناحية القانونية، على اعتبار أن اللجوء إلى القاضي الدستوري في هذا الصدد مهم ما دام أنه ليس ضد الآخر، وزاد: هناك مجموعة من القوانين التي تروج حاليا، بما فيها قانون المسطرة المدنية، والقانون الجنائي، وأعتقد أنه من الصواب أن تعرض على المحكمة الدستورية، إذ لا يعقل أن تكون هذه الأخيرة هي التي تنتظر من يلجأ إليها، ويوضح محمد أمين بنعبد الله: إن التوجه إلى القضاء الدستوري ليس ضد الآخر، في حين أن قلة التوجه نحوه تؤكد على ضرورة وضع الأصبع على الخلل من أجل المرور من الحسن إلى الأحسن، وأن نُقلص من هذه الوضعية، مشيرا إلى وجود 19 إحالة كلها ذات صبغة سياسية، وعندما تكون المعارضة على غير خلاف مع الحكومة، يكون هناك اتفاق على حساب المواطنين.. فأنا أعتقد أن هذه مؤامرة، فيما من يحس بمرارة القانون هم أولادُنا وأحفادنا إذا تسرّب إلى النفاذ..
المسؤول ذاته أورد أنه كان بإمكان قرارات وقوانين سابقة أن تحال على القضاء الدستوري، بما فيها الذي يخص الجمعيات، خصوصا في ما يتعلق بالوصل المؤقت والنهائي، إذ كان يجب أن نعرف مدى دستورية ذلك من عدمها، فضلا عن قانون آخر صدر في التسعينيات يتعلق بلائحة للأسماء الموجهة للاعتماد بالنسبة للأشخاص، وهو الأمر نفسه كذلك بالنسبة للقانون الذي يخص الأحزاب السياسية، إذ كان من الموجب أن يحال على القضاء الدستوري كذلك)) (المصدر: موقع هسبريس).
إن واجب احترام دستور 2011 يمليه “تعاقد اجتماعي” بناء على خطاب ملكي ضمن ضرورة احترام الحقوق والحريات.. ((هذه الحريات والحقوق التي ينص عليها الدستور، لا يمكن أن تصان إلا بالدفع بعدم دستورية القوانين، إذ أن هذه الإمكانية تبقى مهمة بالنظر إلى أن دستورنا هو من أكثر الدساتير المحتوية على فصول خاصة بالحقوق والحريات، وقد جاء بعد الخطاب التاريخي الملكي بتاريخ 09 مارس 2011)) يقول رئيس المحكمة الدستورية.




