تحت الأضواء | سياسة الحال.. بين “الشلاهبية” و”السحارة” و”المخلوضين” و”المجوعفين”
خاص بمناسبة صدور الجزء الثاني من كتاب "الحقيقة الضائعة"
الرباط – الأسبوع
رغم أنه رحل إلى دار البقاء.. لا يوجد شاهد على العصر أكثر، من الناحية الصحفية والتاريخية، أكثر وفاء للمعلومات من القيدوم مصطفى العلوي، مؤسس جريدة “الأسبوع”، ولا زال صدى مقالات “الحقيقة الضائعة” يفرض نفسه رغم تغير الأزمنة والأمكنة، ما دام الوطن واحدا والشعب واحدا (…).
اليوم، تغيرت أشياء كثيرة في الحياة السياسية والرياضية، لكن ذلك لا يمنع من فتح نافذة على مغرب الأمس، لا سيما عما كان يجري في الانتخابات وفي مجال كرة القدم..
في المجال الانتخابي، لا يمكن المرور على بعض المحطات الانتخابية مرور الكرام، ومنها انتخابات 1992، وهي محطة انتخابية تسجل حضورها بالمناسبة في الجزء الثاني من كتاب “الحقيقة الضائعة” الذي صدر هذه الأيام، ويعرف طريقه للانتشار بكافة أرجاء المملكة، وسيجري تقديمه في حفل كبير بفندق حسان في الرباط مساء يوم السبت. هذه الانتخابات وصفها الراحل مصطفى العلوي ب
ما يلي: ((لعلها – وباعتراف الجميع – أول انتخابات من نوعها في المغرب، وإن كانت انتخابات كثيرة سبقتها، فإنها – بدون شك – ستكون سابقة فريدة من نوعها. وأقرب تشبيه للانتخابات التي تجري يوم 16 أكتوبر، هو أنها تحولت بحكم الاتفاق المسبق إلى سوق كتلك الأسواق الأسبوعية التي تقام هنا في “سوق السبت”، أو هناك في “سوق الأحد”.. أو من قبل في “سوق الخميس”، أو اليوم في “سوق الجمعة”.. ولا شك أن كل واحد دخل سوقا في حياته، ليشتري شيئا، بصرف النظر على أنه لا شك أن كل واحد في هذا البلد، عمليا ومنطقيا، داخل “سوق راسه” باستمرار.. وتلك حالة المصوتين الذين سيصوتون مثلهم مثل الذي يدخل السوق الأسبوعي لقضاء حاجة ما.. مثلما هناك الذين يدخلون السوق ولا يشترون شيئا، فهم مثل أولئك الذين سيصوتون ببطاقات ملغاة (حتى على واحد)، أما الذين سيبقون في بيوتهم، فمثلهم مثل أولئك الذين يعرفون عن سابق تجربة، أنهم لا يجلبون من السوق إلا الغبار في أحذيتهم..
وسوق الانتخابات اليوم، مثل “سوق الجمعة” ومثل سوق “جمعة سحيم”.. كبير واسع.. سترابض القوات المساعدة حول مكاتب التصويت، مثلما ترابض عادة حول أي سوق، وسيفتح صباحا ويغلق مساء مثل أي سوق، وسيخرج منه الرابح وسيخرج منه الخاسر.. مثل أي سوق… وسط السوق يقتعد القايد “السي إدريس” في خيمته، منتظرا أن يأتيه المخازنية بمن يخرق القانون، والذي لم يقبل أن يفهم أن “التدويرة” هي الوحيدة القادرة على إفلاته من قبضتهم.. فقد يبعثه القايد للتسويط، إذا كان من ذوي “الراس السخون”، أو سيخرجه من الباب الخلفي للخيمة، بعد أن يصيح في وجهه “بلاتي عليك”.. ويغمزه من خلف إذا كان من النوع “الداسر بالمخزن”.. وقبل افتتاح السوق، دخله أصحاب “الشكارة العامرة”، ودخله السماسرة، ودخله “الشلاهبية”، ودخله “السحارة”.. والذين يوزعون القضبان والمشوي، ودخله أصحاب السلع المريضة، والبهائم “المجوعفة”، ودخله الحلايقية – وما أكثرهم – ممن يبرعون في تلهية أصحاب العقول الفارغة والجيوب العامرة، مثلما دخله باعة الأدوية المستعجلة، للأمراض المزمنة: هذا “شيح الاستقلال”، وهذه “مريوت الاشتراكية”، وهذا “الداد الدستوري”، وهذا “مخ الضبع الحركي”، وهذا “لسان الطير العملي”، وهذا “جغديد الوطني”، وهذا “زغب الفار اليتيم الشوري”، وهذه “النار الزرقة الحرة”.. ولقد نقل الراوي حكايات من قبيل الكلام الخاوي.. إن السوق هذه المرة جاءته أفواج من “السبايبية”.. الغير معروفين.. هناك من يقول إنهم جاؤوا متفرجين، وهناك من يقول بأنهم جاؤوا متنزهين، ولكن كثرتهم أثارت غبار الشك في عقول أصحاب السوق التقليديين، فانحازوا لبعضهم تحسبا من هؤلاء “البرغازة” المتسلطين، و”البراهشية” الذين اتفق الزبناء التقليديون المتعارفون، على تسميتهم بـ”المخلوضين”.. وعند الساعة العاشرة سيكون السوق عامرا.. و”البيع والشرا” على ما يرام.. وعندما يصيح “البراح” بأن “مول السوق باع وراح”.. سينكب “أصحاب المُكس” على حساب الأوراق.
أكيد أن جيل اليوم الذي اعتاد على “السوبير مارشي” و”مرجان”، سيقف أمام “سوق الجمعة” هذا مشدوها متأففا، لأنه ما إن يقف ببابه حتى يسأل نفسه ما إذا كان في السوق “ما يتعمل”.. ولكن هذا الجيل مطالب بأن يعرف خبايا بلاده، ولا يبقى في معزل عن سوق كبير فيه ناس كثر.. ليبقى هو من زبناء “السوبير مارشي” السياسي، يأكل من معلبات “تي ڤي سانك”، ويشرب كل يوم ماء “لوموند”، ولا يعرف أنه يعيش هكذا غريبا عن بني جلدته، أهله وأقاربه، وهم يتواجدون في السوق.. فلا يمنع أي شيء أحدا أن يدخل للسوق بفكرة “اللي ما شرا يتنزه”، ويضع يده على جيبه وحافظته حتى لا يسرق منه أي “شلاهبي” ولا “سمسار” أوراقه ولا بطاقة هويته، ويحتاط من “المخلوضين” ومن أولئك “المزاليط”، الذين يوزعون الوعود، والذين صفت الكلمات الشعبية العتيقة حساباتهم مرة واحدة، حينما قال الأجداد: “يلا شفتي المزلوط غادي زربان.. عرف مول فلوس سخرو”، ويبحث عن سلعة نقية.. واللبيب “عينو ميزانو”، فلا يمكن لمواطن يعيش عصر الأرقام الاصطناعية والبارابول، أن يثق في “مخلوض” معروف، أو يرهف قلبه عطفا على صاحب نظارات ماسك بعصا ويدعي أنه أعمى، ولا يحاول شراء قرد من “قرايدي” وهو يعرف أنه “يبيع القرد ويضحك على من اشتراه”، ولا مرقص أفاعي تخدر “غيطته الأفعى والمتفرج عليها)) (عن الأسبوع الصحفي والسياسي، عدد 243 / بتاريخ 16 أكتوبر 1992).
هكذا تحدث مصطفى العلوي عن “السحرة” و”المخلوضين” و”الشلاهبية”.. الذين يوجدون في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كافة الأنشطة، حيث يمتد نشاطهم إلى كرة القدم، ولكن الساحر لا يفلح حيث أتى، وقد كتب العلوي بتاريخ 23 مارس 1990، في ركن “الحقيقة الضائعة” الذي يعاد نشره في الكتاب الجديد عن السحرة وكرة القدم، والعبرة لمن يعتبر: ((يسود المغرب هذه الأيام من أقصاه إلى أقصاه، إرهاص أشبه ما يكون بالحرارة التي تدير الدماغ، حول قضية الجن والسحر ودورهما في الحياة العامة.. فجاءت الأخبار من السنغال، بينما تحدث الجزائريون عن ازدواجية مباريات كأس إفريقيا للأمم مع مباريات السحرة الأفارقة، الذين كانوا يرافقون بعض الفرق الإفريقية.. وكان بودي ألا أخوض في مجال الجن ـ ولم أوف بعد الإنس حقه ـ لولا ضغط الشائعات، وما يقال ويروج حول تأثير السحر، في هذه الأيام، على الكثير من الأحداث. وكمواطن مسلم، مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فإن يقيني في ما أورده القرآن الكريم بوضوح، في آيته الكريمة: “وما خلقنا الجن والإنس إلا ليعبدون”، إنما يعطي لما يقال ويشاع كثيرا من المصداقية.. غير كاذبين إذن، أولئك الذين يقولون إن السحر يلعب أدوارا مصيرية في توجيه دفة تسيير الأمور، حيث أن لكل واحد “فقيهه”، وأن منطقة سوس سجلت قصب السبق في إعطاء بعض الفقهاء، وأن كثيرا من الفقهاء يجمدون الماء، ولهم باع طويل في الرجم والتشويش، فكيف لا يكون لبعضهم نصيب في تجميد المناصب، ورجم المعارضين، والتشويش على الراغبين في الإصلاح ؟
فغير صحيح أيضا، أن سوس هي المتخصصة في عطاءات “رجال الله”، الذين يجسدون الأشباح، ويكلمون الأرواح، وإنما هناك في مختلف أقاليم المغرب من يبرعون في الوساطة “الكيسينجيرية” بين الجن والإنس، فترى أبواب بيوتهم كعبة لأصحاب السيارات “المرسيديسية” الزرقاء، أو تراهم يحضرون للرباط تحت جنح الظلام، في سيارات رسمية لقضاء الحاجات (…). وبيني وبينكم.. فإني أقف إجلالا لإنجازات هؤلاء الفقهاء، لأنهم نجحوا إلى مدى بعيد، فجعلوا من بين أيديهم (…) سدا ومن خلفهم سدا “فأغشيناهم فهم لا يبصرون”.. وبين قوسين، فإن هدم الأضرحة يلعب دورا مصيريا في بعض المصاعب السحرية، التي لا يقوى البشر على التحكم فيها، ليس هدم الأضرحة وحده، وإنما إزالة بعض المآثر القديمة.. هل نسينا الشجرة الواقعة في الرباط بجانب إمبراطورية “بلاس بيتري”، والتي سالت دما عندما أرادوا اقتلاعها، أم نسينا أنه بعدما أزيح قبر ليوطي وأرادت وزارة الداخلية بناء مركزيتها في ذلك المحل، وجدوا في الحديقة محلا لم يستطع أي بستاني أن يغرس فيه فأسه، لأن البستاني الأول قال إن هذا المحل “مسكون”، ولكن رئيسه أمره بالحفر، فضرب بالفأس وسقط فوقه هامدا كذلك ؟ نعود إلى المراقب الفرنسي برونيل في وجدة، فإنه عندما أمر بهدم ضريح سيدي أحمد الدرويش وذهب إلى بيته، عاد في الصباح الباكر إلى مكتبه، وأمر بألا يهدم الضريح، وأن يبقى بجانب البلدية، وأن تبنى عليه قبة أفخم.. ودهش الناس، وكتب المراقب برونيل تقريرا يقول فيه: “إن الولي سيدي أحمد الدرويش وقف عليه في منامه وهدده بالموت إذا هو هدم ضريحه”..
لم يبق المراقب الفرنسي برونيل وحده مؤمنا بخطورة المساس بهذا الضريح، بل إن جميع عمال إقليم وجدة آمنوا بمنام المراقب برونيل، ولا زال ضريح سيدي أحمد الدرويش جاثما ملتصقا بالعمالة.. محاطا بالنباتات الخضراء، تقصده النساء خصوصا، لمعالجة الأولاد الصغار المصابين بآفة البكاء.. فهو يكفكف البكاء عن الباكين، فليزره كل من يبكي بكثرة..
ويحكي أحد الوزراء الدائمين، أنه أمسك يوما بذراع وزير آخر صدفة، في إحدى المناسبات، فلمست أصابعه تحت كم كسوة “سمالطو”، حرزا معقودا بارز المعالم مشحونا بالتفاسيخ، فسأله ما هذا؟ فقال إنه عقد عملته لحدوث انفصال في أعصاب كتفي.. و”كان الحرز معلقا باليد اليمنى”)).



