المنبر الحر | الأحزاب المغربية.. من الديماغوجية إلى الشعبوية


عرفت الظاهرة الحزبية بالمغرب عدة تطورات، عندما انطلقت بتأسيس تيارات سرية وأخرى علنية لمناهضة الاستعمار الإسباني والفرنسي.. وهكذا تأسست فأصدرت جرائدها وصحفها، ونظمت جماهيرها معتمدة على آليات سياسية وعرائض احتجاجية؛ فقد ظهرت كتلة العمل الوطني، وحزب الاستقلال، وحزب الشورى والاستقلال، كبوادر أولى لترفع سقف نضالها إلى توقيع وثيقة المطالبة بالاستقلال عام 1944، وتوطيد العلاقة بين العرش والشعب لتأطير المواطنين وتوعيتهم بالمطالب الإصلاحية وحثهم على النهوض بالأوضاع السيئة للبلاد. هذه التيارات والأحزاب، وإن بدت ظاهريا أنها تقود فجرا جديدا.. إلا أن استعمالها لأساليب اتسمت بالديماغوجية عن طريق استغلال الشعب باللعب على مشاعره، الغاية منه الاستيلاء على السلطة عن طريق خوض أولى الانتخابات مقدمة نفسها على أنها تمثل الأمة وأنها من عامة الشعب، فتغلغلت من خلال الأعمال الإنسانية والخيرية والثقافية والتوعوية وتأسيس المدارس الحرة.. مفوضة فوق العادة، فاستهدفت الطبقات الهشة والفقيرة بالشعارات لكسب الدعم والمساندة باستعمال الأفكار والإيديولوجيات الثورية والتحريضية التي تحمل معاني الديمقراطية، مما أدى إلى تشكيل تيارات وتنظيمات أخرى بعد الاستقلال.
نشطت الديماغوجية وسط ظروف اقتصادية وسياسية وثقافية هشة.. باستغلال الناس والعزف على أوتار وفراغات أملتها بنية الدولة المغربية حديثة العهد بالاستقلال عوض تقديم سياسات واضحة، وأحيانا أخرى بالعزف على الأوتار الدينية والهوياتية، وأصبحت القضايا الخارجية أولوية ضمن برامجها وأهدافها المسطرة، ومع تعاقب الحكومات، انتقلت هذه الأحزاب، بحكم التعددية السياسية التي اعتمدها الدستور المغربي، وبعد تجربتي حكومة التناوب الأولى والثانية ونظرا لتطور المجتمع ثقافيا وتعليميا وتمتعه بنوع من الحرية ومطالبته بالمزيد من الديمقراطية الفعلية، انتقلت هذه الأحزاب إلى اعتماد الشعبوية كأسلوب موجه نحو الشعب، الذي أصبح ينتقد المؤسسات، لتحظى بالتأييد متلاعبة بعواطف الناس وأفكارهم محرضة إياهم على العصيان والغضب والفوضى أحيانا أخرى. هذه الإيديولوجية السياسية الجديدة أصبحت تتبنى خطابات تقول إنها تدافع عن مصالح المواطنين ضد ما يسمى بالنخبة الفاسدة، لاستقطابهم على حساب تيارات أخرى، من أجل استمالة أصواتهم في كل استحقاقات قادمة، داعية إلى التغيير إسوة بحركات أخرى.. ولعل الربيع العربي خير دليل على هذا التحول الذي تفجر كبديل ضدا على احتكار شرعية التمثيل لإقصاء الاخرين، ومع كل انتخابات، تقدم هذه الأحزاب أشخاصا مؤثرين ومهيمنين اقتصاديا وإعلاميا وثقافيا لصنع القرار السياسي الذي تطمح إليه، مما ولد ديمقراطية معاقة.. لتبقى التفاوتات المجالية وارتفاع معدلات البطالة والفساد والزبونية والفقر والمحسوبية والجهل والأمية وفقدان الثقة في المؤسسات.. السمة التي توارثتها الحكومات المتعاقبة.
وترى الشعبوية الحزبية نفسها أنها تمتلك استراتيجية بعيدة المدى لتطهير الحكم من المفسدين، الذين ينهبون ثروات الشعب، بمقترحات وحلول لكل المشاكل، كالدفاع عن القيم والأخلاق، والدين، والهوية، فاعتمدت كل الوسائل الإعلامية والحكواتية لإثارة مشاعر الجماهير، بغية تحقيق مكاسب سياسية بالتحايل والكذب والمكر والخديعة وخلق التفرقة والعداوة ضدا على كل اتفاق تعاقدي سياسي واضح المعالم يروم مصلحة الدولة وشعبها.. وهكذا أصبحت الشعبوية الحزبية تشكل تهديدا على الاستقرار وبناء الديمقراطية، ولعل خلود الزعامات السياسية على رأس الأحزاب لخير دليل، مما يؤدي إلى تهميش دور البرلمان وينمي خطابات الكراهية، ويشكك في العمل السياسي ككل، ويضعف الاقتصاد ويوسع الهوة بين طبقات المجتمع ويورث الضغينة والحقد والاستبداد ويعرض كرامة المواطن للاضطهاد ويقوض حقوق الإنسان ويزيد من العزوف عن المشاركة السياسية وانخراط المجتمع فيها. هذا الخطاب الشعبوي الذي أصبح ينتشر عبر منصات الإعلام والتواصل، يدعونا إلى التساؤل: إلى متى يبقى هذا المد الشعبوي في ظل هذه الأوضاع التي تزداد تعقيدا في كل مجالات الحياة ؟



