ملف الأسبوع | العلاقات المغربية-الفرنسية.. من مولاي يوسف إلى محمد السادس
قبل أيام من الآن.. وعندما كان المغاربة منشغلون بعيد الأضحى، أعلن وزير الخارجية، ناصر بوريطة، عن زيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا، وأكد أنه سيتم خلالها توقيع معاهدة ثنائية غير مسبوقة تعد الأولى لباريس مع دولة خارج الاتحاد الأوروبي، لتتوج مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية والزخم الإيجابي بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية، وكما هو معلوم، فإن العلاقات بين البلدين قديمة وضاربة في عمق التاريخ، إذ كانت العلاقات في بعض المراحل متكافئة بين البلدين، ثم مالت الكفة لصاح بلاد الأنوار، حيث تم خلال بداية القرن العشرين فرض الحماية على المملكة.. ثم حصل المغرب على استقلاله، ومع ذلك تميزت المرحلة اللاحقة بقوة العلاقات بين البلدين، ويمكن القول أنه طيلة قرن وربع القرن الأخير، قام عدة سلاطين وملوك مغاربة بزيارة إلى فرنسا، غير أن هناك زيارات مميزة وكان لها طبع خاص، وهو ما سيتناوله هذا الملف.
أعد الملف: سعد الحمري
مولاي يوسف.. أول ملوك الدولة العلوية يزور فرنسا
تعود قصة أول زيارة قام بها سلطان أو ملك للمغرب إلى فرنسا، إلى سنة 1926، لكن الزيارة جاءت في ظروف مختلفة عن اليوم؛ فقد فرضت فرنسا حمايتها على المغرب سنة 1912، ولم يكن ذلك نهاية المشاكل، بل بدايتها، حيث عينت فرنسا سلطانا جديدا على المغرب مباشرة بعد فرض حمايتها على البلاد، وهو السلطان مولاي يوسف، الذي كانت تأمل أن يكون أداة طيّعة في يدها، لكن كان لا بد أن يوقع السلطان على أي ظهير حتى يمر إلى مرحلة التنفيذ. وهكذا كان مولاي يوسف يعلم نوايا فرنسا من البداية، ورفض في كثير من الأحيان توقيع ظهائر كانت تخدم المصالح الفرنسية، بينما حاولت فرنسا في كثير من الأحيان التقرب منه بشتى الوسائل، غير أنها فشلت على مدى 14 سنة، أي من توليه العرش سنة 1912 إلى سنة 1926.
وهكذا اهتدت الإقامة العامة الفرنسية بالمغرب والحكومة الفرنسية في باريس، إلى حل كان من شأنه أن يقرب المسافات بين السلطان مولاي يوسف وفرنسا؛ فقد تم توجيه دعوة رسمية لهذا الأخير من أجل زيارة فرنسا وأن يكون ضيف شرف لتدشين مسجد باريس، الذي ساهم في بنائه من ماله الخاص، وقد انتهجت فرنسا هذه الخطة ضمن ما يعرف بسياسة المقيم العام ليوطي الإسلامية، حيث سعت من خلالها إلى إيهام السلطان بأن فرنسا تعمل على نشر الإسلام حتى في فرنسا، وأن ليس لها أي نية لمحاربة الإسلام في المغرب، ورغم كل هذه المحاولات، إلا أن مولاي يوسف كان على حذر؛ فعندما ذهب إلى باريس في يوليوز 1926 من أجل تدشين مسجد باريس، تصرف بنضج كبير، مع أن حدث وصوله قد استأثر باهتمام الصحافة، إذ كان المصورون يلاحقون موكبه إلى كل الأماكن التي حل بها، أثناء لقائه بأعضاء الحكومة الفرنسية، ثم عندما اتجه لأداء صلاة الجمعة في مسجد باريس، الذي يعد إلى اليوم معلمة معمارية إسلامية في قلب عاصمة فرنسا وإحدى أهم مدن أوروبا، فلم تتجاوز تصريحاته لجحافل الصحافيين الفرنسيين الملاحقين لسيارته، بضع مجاملات وابتسامة مقتضبة، كما أن مواقفه كانت واضحة وصريحة، من خلال الاجتماعات المغلقة التي عقدها مع وزير خارجية فرنسا وموظفي الإقامة العامة، عسكريين ومدنيين.. هؤلاء جميعا كانوا يسربون لصحف بلادهم معلومات مفادها أن السلطان مولاي يوسف “صعب المراس”، واعتبروه مصدر عرقلة لمشاريع فرنسا في المغرب.

السلطان محمد الخامس.. زيارات تاريخية في سياق متوتر
بعد سنة واحدة على هذه الزيارة، توفي السلطان مولاي يوسف وخلفه على العرش ابنه محمد الخامس. هذا الأخير مكث عقدا كاملا ليقوم بأول زيارة إلى فرنسا، وذلك في سنة 1937، وهي الزيارة التي اعتبرت بمثابة محاولة لتعزيز الروابط بين البلدين وإبراز دور السلطان الجديد، غير أن الزيارة الثانية جاءت في سياق مغاير؛ فقد كانت في سنة 1945، بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، بعد أن جرت مياه كثيرة بين البلدين وتغير الحال؛ فالملك الشاب الذي أرادت فرنسا جعله أداة لتنفيذ خططها، تحالف مع الحركة الوطنية وأصبح أول المطالبين باستقلال بلاده. في هذا الإطار، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، رفعت الحركة الوطنية مطلب الاستقلال إلى فرنسا، التي رفضته رفضا باتّا، فما كان من السلطان إلا أن أعلن عن دعمه الصريح لهذه المطالب، وفي خضم هذه الأحداث، طلب الرئيس الفرنسي الجديد، أحد أبطال الحرب العالمية الثانية الجنرال ديغول، من محمد الخامس القيام بزيارة رسمية إلى باريس، قصد المشاركة في الاحتفال العسكري بمناسبة نهاية الحرب العالمية الثانية، وقبل السلطان بالدعوة وزار باريس في يونيو 1945، حيث وشح بوسام رفيق التحرير الفرنسي تقديرا لمساهمة الجنود المغاربة إلى جانب الحلفاء في الحرب، وقد جدد الملك بهذه المناسبة المطالبة باستقلال بلاده.
زيارة أخرى قام بها الملك محمد الخامس إلى فرنسا، تعتبر من أهم زياراته على الإطلاق، وهي التي جرت سنة 1950، عندما بلغ التوتر بين البلدين أعلى درجاته بسبب ضغط فرنسا على الملك من أجل توقيع ظهائر تمحي السيادة المغربية وتمنحها لفرنسا، وفي ظل رفضه، قام هذا السلطان بزيارة إلى فرنسا كانت تحمل طابعا سياسيا بامتياز، وقام بتقديم مذكرة سياسية للحكومة الفرنسية مطالبا من خلالها ببدء المفاوضات من أجل الاستقلال دون تأخير، وكانت تلك الزيارة بداية مرحلة جديدة، وهي إقدام فرنسا على نفي محمد الخامس إلى مدغشقر، ثم عاد إلى المغرب ومعه نهاية الاستعمار الفرنسي، وقام بزيارة أخرى إلى فرنسا في 15 فبراير 1956، توجت بالتصريح المشترك وتوقيع اتفاقية 2 مارس 1956، القاضية باستقلال البلاد وبداية مرحلة تاريخية جديدة بين البلدين.
الملك الحسن الثاني.. بين زيارات متوترة وأخرى مغايرة
شهدت مرحلة حكم الملك الحسن الثاني زيارات هامة قام بها إلى فرنسا، كانت مفصلية في غالبيتها؛ فقد تولى هذا الأخير الحكم سنة 1961، وقام بأول زيارة رسمية إلى فرنسا سنة 1963، حيث التقى بالرئيس الفرنسي الجنرال ديغول، وقد تمحور اللقاء حول مساعدة ديغول للملك الجديد في عدة قضايا من أجل تسهيل مهمته في بدايتها، غير أن العلاقات بين البلدين عرفت فتورا كبيرا بسبب اغتيال الزعيم الاتحاد المهدي بنبركة فوق الأراضي الفرنسية، ما أدخل العلاقات بين البلدين في أزمة غير مسبوقة، توقف خلالها الملك عن أي زيارة إلى فرنسا إلى حدود سنة 1972، بعد وفاة ديغول وتولي الحكم من طرف جورج بومبيدو. خلال هذه الزيارة عادت العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها وتم إصدار عفو من طرف فرنسا على الجنرال أوفقير، الذي كانت تطالب بمحاكمته، غير أن هذه الزيارة كان لها طعم خاص وستظل راسخة في الذاكرة السياسية المغربية؛ فخلال مقام الحسن الثاني في فرنسا أبلغته الأجهزة الفرنسية بتحركات مشبوهة في الجيش المغربي، وأنه ربما يجري الإعداد لانقلاب على الملكية من طرف بعض الضباط، فعاد الملك على عجل إلى المغرب، وفي طريقه فوق السماء، أثبتت الأجهزة الفرنسية قوة توقعاتها، حيث تعرضت الطائرة الملكية لهجوم من طرف ضباط في الجيش ونجت بأعجوبة، وهي المحاولة الانقلابية الثانية التي قادها الجنرال أوفقير وضباط في سلاح الجو المغربي في غشت 1972، وانتهت بالفشل.
بعد ذلك، ظهرت مشكلة الصحراء، وصعد في فرنسا إلى سدة الحكم رئيس جديد، هو فاليري جيسكار ديستان، الذي في عهدته قام الملك بعدة زيارات رسمية مميزة، أبرزها سنة 1976، حيث أدلى بتصريحات للتلفزيون الرسمي الفرنسي، تلتها زيارة لباريس سنة 1980.
غير أن المشاكل بدأت تظهر بعد صعود فرانسوا ميتران إلى الحكم سنة 1981، حيث فضل الجزائر على المغرب وقام بزيارة إلى الجارة الشرقية كأول وجهة لرئيس فرنسا الجديد، ما أدخل العلاقات بين البلدين في أزمة خانقة، خاصة وأن المغرب كان يعيش على وقع أزمة الصحراء، إلى جانب أزمة داخلية، تجلت بفعل اعتقال زعماء حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وعلى رأسهم الكاتب العام للحزب عبد الرحيم بوعبيد؛ في ظل هذه الأوضاع، خرج الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي ينتمي إليه فرانسوا ميتران، ببيان أدان من خلاله اعتقال الزعماء المغاربة، بطريقة مهينة للنظام المغربي، عندما أمر الحزب الفرنسي الملك الحسن الثاني بضرورة إطلاق سراحهم.. يومها ردت الحكومة المغربية على هذا البيان واعتبرته في غير محله وتدخلا في الشؤون الداخلية للغير.
وأمام تعمق الأزمة، أعلن الملك الحسن الثاني أنه سيقوم بزيارة رسمية إلى فرنسا، وأكد أنه لن ينتظر الرئيس الفرنسي ليقوم بزيارة للمغرب، بل هو من سيذهب إليه، كما روج الملك بأن المشكلة بينه وبين الحزب الاشتراكي الفرنسي وليس مع الحكومة.
قام الحسن الثاني بزيارة إلى فرنسا يوم 26 يناير 1982، وفور وصوله إلى قصر الإليزيه، عقد لقاء مع الرئيس الفرنسي استمر خمسين دقيقة، وبعد ذلك، أدلى بتصريح لرجال الصحافة، وكان من بين أهم ما جاء فيه: ((أتحدى أيا كان أن يعثر على مثقال ذرة من الغيوم بين ملك المغرب ورئيس الجمهورية الفرنسية السيد فرانسوا ميتران، منذ انتخابه على رأس أعلى سلطة تشريعية))، وأضاف الملك أنه لم يسبق أن غيمت السحب سماء العلاقات بين رئيسي الدولتين، كما أوضح أنه تباحث مع الرئيس الفرنسي في إمكانية وجود أي نزاع بين البلدين، غير أنه لم يعثر على شيء، ثم صرح بأن ((قضية الصحراء المغربية من المقرر مناقشتها مساء)).
وعند نهاية رحلة الحسن الثاني لفرنسا يوم 29 يناير 1982، عقد مؤتمرا صحفيا بمدينة باريس، لتقديم أهم ما خرجت به تلك الزيارة، وكان من بين الأسئلة التي طرحت على الملك، هو ما إذا كانت قضية عبد الرحيم بوعبيد قد سممت العلاقات المغربية-الفرنسية في بداية عهدة الرئيس فرانسوا ميتران؟ فأجاب الحسن الثاني مؤكدا أنه ((في ما يخص الرئيس الفرنسي، وبالنسبة لي أنا شخصيا، لم يتم التعرض لقضية بوعبيد، إن الرئيس بوصفه رئيسا للدولة ورجل دولة، يعرف بشكل دقيق الفرق بين ما هو أساسي وما هو ثانوي، إنني لا أرفض التعرض لأي مشكل ولو كانت المشاكل خاصة على أساس أن يكون ذلك على نفس المستوى، وأظن أن المشاكل الخاصة، المغربية أو الفرنسية، يجب معالجتها بين ملك المغرب ورئيس الجمهورية فقط، لكن في قالب لا علاقة له باستعمال مفردات، كأريد أو أريد بإلحاح أو أرفض، وهي مفردات أجهلها كما يجهلها السيد الرئيس، لهذا فنحن لم نجتمع للتحادث حول السيد بوعبيد، ولو حدث ذلك فعلا، لكان الحديث عن السيد بوعبيد حقيقة حديثا محدودا)).
كما طرح على الملك سؤال حول الأسباب التي جعلته ابتداء من 10 ماي 1981 ينتقد الحزب الاشتراكي الفرنسي، فقال: ((ليست عندي في الحقيقة مآخذ على الحزب الاشتراكي ولا على الصحف الاشتراكية.. إننا من اليوم الذي فتحنا فيه أعيننا على السياسة النشيطة، أي منذ سنة 1958، واليمين يأخذ بزمام الحكم، كنا والحالة هذه معتادين على نوع ما من تصريف الأمور، أما اليسار، فليست لديه ممارسة في المشكلات الدولية، لذا فعليه أن يتعلم – ولا أقول حتى أحرج شعور أحد – من رؤساء الدول، ولكن من الشعوب نفسها، فيتعين علينا، في رأيي، أن نترك للحزب الاشتراكي وللصحف الاشتراكية الوقت حتى يمارسوا الشؤون السياسية ويتفهموا العلاقات الإنسانية بين الأقطار وبين الأحزاب السياسية، وإذا لم يحدث التناوب، فذلك ليس راجعا إليه، بل مرده إلى الفرنسيين أو إلى الحزب الاشتراكي، وعلى أية حال، كان التعاقب على الحكم سيحصل كل سبع سنوات، وكان سيكون ذلك خيرا للفرنسيين ولأصدقائهم)).
ورغم هذه الزيارة، استمرت أجواء التوتر بين المغرب وفرنسا، ولم تنقشع الغيوم إلا مع انتخاب رئيس جديد سنة 1995، هو جاك شيراك، ويوم 7 ماي 1996، تلقى الملك دعوة من أجل زيارة رسمية إلى باريس، حيث طلب منه أن يلقي خطابا في الجمعية الوطنية الفرنسية، وفعلا، قام بإلقاء خطاب وصف بالتاريخي. وتميزت فترة الرئيس جاك شيراك بكون فرنسا كانت آخر بلد يزوره الحسن الثاني أياما قليلة قبل وفاته، حيث قام بالزيارة ما بين 12 و15 يوليوز 1999 للمشاركة في اليوم الوطني لفرنسا كضيف شرف، وبعد عودته بأسبوعين كانت وفاته.




