تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | هل تتدخل أمريكا للاعتراف بمغربية سبتة ومليلية ؟

عاد نقاش قديم جديد مؤخرا حول مسألة حيوية تهم العلاقات المغربية الإسبانية، ويتعلق الأمر بملف سبتة ومليلية المحتلتين، وهذه المرة ليس بسبب توتر العلاقات بين البلدين وعودة المغرب للمطالبة بهما، أو زيارة مسؤول إسباني للثغرين المحتلين أغضبت المغرب، بل بسبب الولايات المتحدة الأمريكية، التي دخلت مؤخرا في صراع مع إسبانيا وأصبحت تلوح بإمكانية اعترافها بمغربية الثغرين المحتلين كورقة ضغط على الجارة الشمالية. يحاول هذا الملف قراءة الموقف الأمريكي عبر التاريخ من هذه المسألة الحساسة.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

من سنة 1956 إلى 1976.. موقف أمريكي داعم لإسبانيا

تتمة المقال تحت الإعلان

من خلال قراءة عدة وثائق أمريكية تهم الفترة ما بين سنة 1956 إلى 1976، يتبين أن الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن لها موقف قوي تجاه مسألة سبتة ومليلية المحتلتين، ويعود السبب في ذلك إلى أنه في هذه المرحلة بالضبط، كان المغرب يطالب بعدة أراضي اقتطعها منه الاستعمار الفرنسي، كالصحراء الشرقية في الجزائر وموريتانيا، والصحراء التي كانت تحتلها إسبانيا، وعلى هذا الأساس، كانت أمريكا ترى أنه عندما يطالب الملك الحسن الثاني بأي قطعة أرضية مسلوبة، فإن ذلك سيسبب المشاكل له ولها وللمنطقة بأكملها، لأن الوجود السوفياتي كان يترصد المنطقة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فكثيرا ما وجدنا عدة وثائق في سنوات الستينات والسبعينات، يطالب من خلالها الإسبان أمريكا بمطالبة الملك الحسن الثاني بضرورة التوقف عن إثارة قضايا الحدود، كما كانوا يطالبونهم بكبح جماحه، لأن مطالبته بعدة مناطق – حسب تصريحات المسؤولين الإسبان – ستجعل الملك الحسن الثاني معزولا دوليا، كما حدث خلال حرب “الرمال”، وكذا مطالبته بموريتانيا.

وحتى عندما وقع المنعطف الكبير في إسبانيا سنة 1975، عندما تحول نظام الحكم في إسبانيا من جمهوري إلى ملكي، ووقف الجيش في وجه السياسيين مطالبا بإدراج سبتة ومليلية دستوريا ضمن الأراضي الإسبانية، لم تحرك أمريكا ساكنا وظلت تراقب الوضع فقط، وقتها رد المغرب على هذه الخطوة برفع مذكرة إلى لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، طالب من خلالها بإدراج مدينتي سبتة ومليلية ضمن قائمة الأراضي التي يجب تصفية الاستعمار منها.

وبالموازاة مع ذلك، تقدمت إسبانيا بمذكرة شرحت من خلالها موقفها الذي أسمته “التاريخي والقانوني” بشأن هذه القضية، ولم تحرك أمريكا ساكنا، بل تركت لمجلس الأمن حرية التصرف؛ هذا الأخير طالب الدولتين المعنيتين بتطبيق المادة 82 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تدعو إلى تسوية الخلافات الثنائية عن طريق الحوار.

بيدرو سانشيز
بيدرو سانشيز عند مشاركته في اللقاء رفيع المستوى بالرباط سنة 2023

طرح الإعلام الأمريكي قضية سبتة ومليلية سنة 1978.. لإحراج من ؟

كان هذا الأمر إيذانا بأن يلجأ المغرب إلى استراتيجية جديدة في التعامل مع هذه المسألة، وهو ربط مستقبل سبتة ومليلية بمستقبل جبل طارق، الذي كانت إسبانيا تحاصره وتضغط بشدة لاسترجاعه من الحكومة البريطانية؛ فقد كانت أول مناسبة عبر خلالها المغرب عن نهجه لهذه الاستراتيجية، خلال ندوة صحفية عقدها الملك الحسن الثاني بالرباط يوم 25 نونبر 1975، وعندما سأله أحد الصحفيين عن آخر التطورات بخصوص قضية سبتة ومليلية، أكد الملك أنه خلال المؤتمر الدولي الأخير لقانون البحار، الذي انعقد خلال نفس السنة، طرح مشكل جبل طارق، وأشار إلى أنه لم يكن في المستطاع طرح المشكل لولا التعاون المباشر بين المغرب وإسبانيا، بما في ذلك مشاكل جبل طارق وسبتة ومليلية.

وأبدى الملك الحسن الثاني لأول مرة النهج الجديد الذي ستتبعه الحكومة المغربية في هذا الصدد، حيث صرح بالتالي: ((نحن نتصور أنه في اليوم الذي تسترجع فيه إسبانيا جبل طارق يسترجع المغرب حتما سبتة ومليلية، فليست هناك قوى تستطيع أن تسمح لإسبانيا بامتلاك واجهتي مضيق واحد. إذن، كما قلت للإسبانيين، فالمشكل ليس قضية إسبانية ولا هو قضية مغربية، بل إن جبل طارق وسبتة ومليلية يجب أن تكون قضية إسبانية مغربية، وأعتقد أنه في هذا الإطار، يجب أن ينظر الآن إلى هذه القضية، لأنه إذا ما استرجعوا قريبا جبل طارق فنحن نسترجع مباشرة وأتوماتيكيا سبتة ومليلية، ومن هنا ترون أن الحواجز ستختفي والطريق سيتضح، وسنتجه في طريق السلام والطمأنينة)).

قيل كثير من الكلام في الأوساط السياسية خلال تلك المرحلة عن تفاهم مغربي إسباني حول جبل طارق، وكثرت الإشاعات عن قيام المغرب بالضغط على الحكومة البريطانية بطرق مختلفة من أجل التنازل عن السيادة على جبل طارق لمصلحة إسبانيا، وكانت هذه الأحاديث موضوع سؤال وجهه أحد الصحفيين للملك خلال نفس الندوة الصحفية، حيث طلب منه توضيح ما إذا كان المغرب وإسبانيا قد توصلا إلى تفاهم حول موضوع جبل طارق؟ وما إذا كان المغرب يمارس ضغطا مباشرا أو غير مباشر على الحكومة البريطانية بهذا الخصوص؟ فنفى الحسن الثاني هذه الأخبار وأكد أنه لا توجد مباحثات بين المغرب وإسبانيا حول جبل طارق وسبتة ومليلية، وأنكر وجود مفاوضات أو ضغوط سياسية مغربية على بريطانيا، كما أكد أن السياسة المغربية ليست قائمة على الضغوط، بل على الحوار والصراحة.

وبرر الراحل الحسن الثاني خلال جوابه عن السبب الذي جعل المغرب يؤيد إسبانيا بالأمم المتحدة في قضية جبل طارق، بالتالي: ((سنرجع إلى قضية سبتة ومليلية لأنهما جزء من الأراضي المغربية، وإني آسف على أصدقائي الإنجليز، لأنه في الأخير وبصورة منطقية، لا بد أن يعود جبل طارق إلى الإسبانيين باعتباره جزء من التراب الإسباني، وكان ذلك موقفنا في الأمم المتحدة، إننا لا نستطيع المطالبة بسبتة ومليلية دون تأييد إسبانيا في مطالبتها بجبل طارق، إن عمالنا هم الذين يشتغلون في جبل طارق ونحن الذين نزوده بالماء والخضر والفواكه وكل ما يلزم، وسوف نستمر في ذلك لأننا لا نريد أن نكدر صفو البحر الأبيض المتوسط)).

وبعد عام كامل على طرح المغرب هذه المعادلة لحل قضية سبتة ومليلية، تحسنت العلاقات بين الرباط ومدريد، وبدأ العمل على التعاون الاقتصادي بين البلدين، وظهر مشروع اقتصادي جديد سمي بـ”محور باريس – مدريد – الرباط”، ورغم هذا التقارب، ظل المغرب متشبثا بحل مشكلة سبتة ومليلية عن طريق إدخال جبل طارق في المعادلة؛ فخلال ندوة صحفية عقدها الملك يوم 25 نونبر 1976، سئل عن التعاون المغربي – الفرنسي – الإسباني، وعن مدى إمكانية نجاح مشروع “محور باريس – مدريد – الرباط”، رغم مشكل سبتة ومليلية؟ فأجاب الحسن الثاني هذه المرة بأن ((مشكلة سبتة ومليلية بالنسبة للمغرب وله هو شخصيا، منتهية))، وأوضح: ((أنا لا أدري سببا يدفعني إلى تعكير صفو العلاقات الإسبانية المغربية في الوقت الذي خرجت فيه من مرحلة صعبة، ذلك أن مشكلة سبتة ومليلية ستحل إن آجلا أو عاجلا؛ ففي الوقت الذي ستسترجع فيه إسبانيا جبل طارق لن تسمح أي قوة في العالم لإسبانيا بأن تراقب بابي المضيق، ومن المنطقي أن تعيد إلينا إسبانيا آنذاك سبتة ومليلية. إذن، فهذه قضية رابحة، وليس من المجدي تضييع أوقاتنا أو تعكير علاقاتنا مع إسبانيا بعد أن تحسنت أخيرا)).

رغم تأكيد الملك سنة 1976 على حل المشاكل مع إسبانيا، إلا أن الصحافة الأمريكية كان لها رأي آخر؛ فقد أكد الملك خلال سنتي 1977 و1978، على ضرورة الحفاظ على حسن الجوار مع إسبانيا، إلا أن الصحافة الأمريكية، رغم أن هذا الموضوع لا يعنيها، أبت إلا أن تحرجه بالسؤال من جديد؛ فخلال ندوة صحفية قام بها الحسن الثاني في النادي الأمريكي للصحافة، يوم 15 نونبر 1978، خلال زيارته إلى أمريكا، طرح أحد الصحفيين على الملك سؤالا يتمحور حول تأكيد أو نفي الأخبار القائلة أن المغرب يطالب بسبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا، فأجابه الملك: ((ما إن انتهينا من تحقيق السلم مع إسبانيا حتى أردتم أن تشعلوا النار من جديد، لكن من الواجب علي أن أقول بصفتي ملكا للمغرب وضامن وحدته الترابية، أن سبتة ومليلية جزء من بلادي ومن الواجب علي أن أتفاوض بشأنهما مع إسبانيا في إطار السلم والتفاهم وحسن الجوار والصداقة))، الأمر الذي جعل كل القاعة المستقبلة للندوة الصحفية تنفجر بالتصفيق على الملك، ومعه انتهت الندوة الصحفية.

صحيفة لاراثون سبتة ومليلية
مقتطف من مقال بصحيفة «لاراثون» الإسبانية يتناول قضية سبتة ومليلية السليبتين

1980-1981.. بداية تحول الموقف الأمريكي

لقد خلق موقف المغرب الداعم لإسبانيا في مطالبتها بجبل طارق، نوعا من الفتور بين المغرب وبريطانيا، وتجلى ذلك من خلال الإعلام البريطاني الذي بدأ يهاجم المغرب، وهو الأمر الذي طرح علامات استفهام حول العلاقات المغربية البريطانية، وقد أجرى الملك الحسن الثاني مقابلة صحفية مع مبعوث جريدة “النهار” اللبنانية، جلال كشك، يوم 20 يناير 1978، تطرق الصحفي إلى عدة مواضيع تهم القضايا الوطنية والإقليمية والدولية، وعندما سأل الحسن الثاني عن وضعية العلاقات المغربية البريطانية، أجابه الملك بأنها جيدة من الناحية التجارية، وأن بريطانيا زبون مهم للمغرب، وأشار إلى وجود احترام متبادل بين الحكومتين، كما أكد الحسن الثاني أن الحادثة الوحيدة التي عكرت صفو العلاقات بين البلدين، هي تشويش إذاعة BBC على المغرب، وهو ما أفقد الإذاعة البريطانية الاحترام والموضوعية اللذين كانت تتميز بهما في العالم العربي.

وفي الوقت الذي شهدت فيه العلاقات المغربية البريطانية بعض الفتور، دخلت العلاقات المغربية الإسبانية في نفق ضيق، وشهدت أزمة خطيرة، وعندما سأل أحد الصحفيين الملك الراحل الحسن الثاني عن سبب تدهور وتوتر العلاقات بين البلدين، خلال ندوة صحفية عقدها بإفران يوم 21 شتنبر 1980، أجابه بالقول: ((إن العلاقات الإسبانية وحتى في فترات تألقها، لا تستقر على حال منذ القديم، فإذا كانت تمة خارطة تحكي في مبناها ومعناها خارطة أحوال الجو، لكانت هي خارطة العلاقات المغربية الإسبانية، وذلك من يوم توجه طارق بن زياد إلى فتح الجبل الذي أصبح يحمل اسمه، وتلك الحال بين مد وجزر إلى يومنا هذا، فلم يا ترى؟ إنه التطابق في الطباع والود المتين، ثم ربما هناك نوع من مثلث مشؤوم يحيط بنا ويدفعنا إلى أن نتنازع لأتفه الأسباب، وكنت أعتقد أن إسبانيا والمغرب بعد توقيعهما على “اتفاق مدريد”، سيدخلان مرحلة تعاون أخوي موضوعي، مرحلة مشاركة بناءة، إلا أن هذا الاتفاق الأمثل لم يكن مسترسلا كما كنت أتمناه، وكما كان يتمنى الملك خوان كارلوس نفسه، وكأنما هناك جهات لا همّ لها إلا عوق الاتفاق بيننا)).

إلا أنه رغم توتر العلاقات بين البلدين، فإن موقف المغرب من قضية سبتة ومليلية لم يتغير؛ فقد خص الملك رجال الصحافة العربية بحديث يوم 28 أبريل 1980، وسأله أحد الصحفيين: “هل في نية المغرب إثارة موضوع سبتة ومليلية، مع العلم أن المغرب يربط في هذه القضية بين مفاوضات بريطانيا وإسبانيا على جبل طارق؟”، فجدد الراحل الحسن الثاني التأكيد على أن ((الربط منطقي، لأنه إذا استرجعت إسبانيا جبل طارق، فلا يمكن لأحد أن يسمح لدولة واحدة أن تكون سيدة الضفتين، على اعتبار أن ذلك مستحيل للتوازن الدولي، ومستحيل كذلك لضمان الملاحة بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط))، وأوضح أنه ((كلما طالبت إسبانيا بجبل طارق، فهي تصطاد لمصلحة المغرب)).

كان هذا الجانب الظاهر من الأزمة، وفي هذا الإطار زار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر إسبانيا خلال شهر يونيو 1980، والتقى برئيس الوزراء الإسباني، علما أن أمريكا كانت قد باعت للمغرب أسلحة للدفاع بها عن نفسه في حرب الصحراء. يومها صرح أحد المسؤولين الإسبان بأن بلاده تقدر الدعم الأمريكي للمغرب من أجل الدفاع عن نفسه لكن دون أن يستعمل هذا السلاح في الهجوم على سبتة ومليلية، وفي خضم هذه التطورات، صرح رئيس الوزراء الإسباني للرئيس الأمريكي، بأن بلاده لديها انطباع بأن المغرب مستعد للضغط على سبتة ومليلية لمحاولة إجبار إسبانيا على التنازل في المفاوضات، وأضاف أنه إذا فعل المغرب ذلك، فإنه سيؤكد للرئيس الأمريكي أن إسبانيا سترد بقوة، وبذلك أدركت إسبانيا صعوبة الدفاع عن هاتين المنطقتين الصغيرتين، لذلك ستضطر إلى اتخاذ إجراء هجومي، فالخطط كانت جاهزة لمثل هذا الإجراء، لكنه دعا ألا يضطر إلى تنفيذها، وقال الرئيس الأمريكي لنظيره الإسباني “إن ذلك يعني الحرب”، فأجابه: “بالضبط”.

لا نعلم هل تغير الموقف الأمريكي في هذه اللحظة، أم ما الذي حصل؟ وهل أصبح داعما للمغرب منذ هذه اللحظة؟ وإنما كل ما نملكه هو محضر لقاء جمع نائب الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والأمين العام لحلف “الناتو” سنة 1981، حول شروط دخول إسبانيا إلى حلف شمال الأطلسي، حيث جاء في هذه الوثيقة أن الأمين العام لحلف “الناتو” أبلغ نائب الرئيس الأمريكي أنهم دائما يخبرون الإسبان بعدم جواز وضع أي شروط على عضويتهم، وذكر أن من أهم شروط الإسبان هو إدخال مدينتي سبتة ومليلية ضمن حدود الناتو التي من الواجب عليه الدفاع عنها، وأكد الأمين العام للحلف، أن “الناتو” لن يوافق على الدفاع عن “جيبي مليلية وسبتة المغربيتين” هكذا.. فهل معنى هذا أن حلف “الناتو” كان يؤمن بأن إسبانيا تستعمر هذه المنطقة؟ وهل كان هذا هو موقف أمريكا من سبتة ومليلية خلال هذه المرحلة أم قبلها ؟

المهم اليوم، أن أمريكا تدفع نحو اعترافها الصريح بمغربية سبتة ومليلية في وثائقها الرسمية، فكيف سيتعامل المسؤولون المغاربة مع هذا المستجد ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى