تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | رسائل الأمن الوطني بين بنهاشم والحموشي

خطة "تسديد التبليغ" تسجل حضورها في الذكرى السبعين

شهدت الطريق الساحلية مساء يوم الأحد الماضي، حركية كبيرة للسيارات، كان أغلبها قادما من مدن خارج الرباط رغم أن الحديث عن موسم الصيف لا زال مبكرا، والحق يقال، أن الرباط شهدت تطورا معماريا مذهلا خلال السنوات الأخيرة، رغم إجراءات الهدم المرافقة(..)، ولا شك أن انطلاقة أيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني لعبت دورا كبيرا في هذه الدينامية غير المعتادة، إذ هذه هي المرة الأولى التي يختار فيها منظمو هذه الاحتفالات العاصمة الرباط كوجهة لهم، بعد نسخ سابقة في مدن أخرى، آخرها بمدينة الجديدة السنة الماضية..

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

داخل مكان العرض العملاق.. الذي بني بالمناسبة فوق أرض تم إخلاؤها استعدادا لمونديال 2030، كانت عيون الصحفيين الذين حضروا لعين المكان تترقب الوجوه التي يمكن أن تحضر هذا الحفل، رغم أن كثيرا من ضيوف الشرف كانوا قد حجزوا أماكنهم ضمن استقبال شرفي مصغر، خصص للضيوف الكبار، وكان من بينهم وزراء في الحكومة على رأسهم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، ووزير الميزانية فوزي القجع.. فضلا عن وجود المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، الفريق أول محمد بريظ، وقائد الدرك الملكي، الجنرال دوكور دارمي محمد حرمو، بالإضافة إلى شخصيات سامية مرموقة منهم ولاة وعمال، كوالي جهة فاس مكناس خالد أيت الطالب ووالي جهة أكادير سعيد أمزازي، والوالية رئيسة المجلس الأعلى للحسابات زينب العدوي..

تتمة المقال تحت الإعلان

كل هذا الحضور.. ولم تكتمل الصورة إلا بحضور المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف الحموشي، وضيوفه الكبار ومنهم رئيس المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الأنتربول) فيليب لوكاس، والأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، محمد بن علي كومان، ورئيس جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، عبد المجيد بن عبد الله البنيان، وشخصيات قضائية ومدنية وعسكرية من عدة بلدان، كان من بينهم طبعا رئيس المجلس الأعلى للقضاء محمد عبد النباوي، ووسيط المملكة حسن طارق، وآخرون.. منهم الظاهر والخفي، كما جرت العادة في المناسبات الأمنية بمختلف البلدان، وطبعا لا يمكن إغفال حضور قطب المخابرات الخارجية “لادجيد”، ياسين المنصوري، وشخصيات محسوبة على الجيش، أغلبهم كانوا يرتدون زيا مدنيا، بمن فيهم المفتش العام محمد بريظ.

تتمة المقال تحت الإعلان

طيلة المساء، وحتى حوالي الساعة الثامنة عندما انطلق الحفل، كان المدعوون يحجزون أماكنهم المرتبة سلفا، بنظام وانتظام، دون مشاكل في التنظيم.. فقد أصبحت للمؤسسة الأمنية أعراف تنظيمية وعادات خاصة بهذا الحفل، وتجربة سنوات انطلقت منذ سنة 2016، عمادها نساء ورجال من أسرة الأمن الوطني.. “برافو” (..).

الحفل انطلق بآيات من الذكر الحكيم، والآيات كانت لها دلالاتها، ولكل شيء مدبر حكيم(..)، تقول الآيات ومنها آيات من سورة الأنعام: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.. كما قرأ المقرئ قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (سورة النحل).. والملاحظ أن هذه الآيات جاءت لتؤكد دعوة الحق في مواجهة المشركين (..).

استحضار الآيات القرآنية، والتربية الروحية لأسرة الأمن الوطني، كان ملحوظا أيضا في اليوم الموالي خلال تدشين المقر الفخم للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، حيث أن الآيات القرآنية هي أول ما يثير الانتباه عند مدخل البناية بعد البوابة الرئيسية، ومنها قوله تعالي: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَات﴾، ولا يمكن الحديث عن هذا المقر دون الحديث عن المسجد الفخم الذي يوجد بداخله، وهو المكون من مدينة كاملة تتضمن مقرات العمل بالإضافة إلى خدمات فندقية ومتحف، ومؤسسات للتكوين.. هذا ما يسمونه في بلدان أخرى “مدينة أمنية”، ولكن في المغرب تم الاكتفاء بتسميتها “مقرا للأمن”.

فاستحضار الآيات القرآنية والجانب الروحي عند البوليس المغربي، لا بد أن يبعث في النفوس رسالتين: أولهما ارتباط هذا البلد بإمارة المؤمنين، بقيادة الملك محمد السادس، ولأن المناسبة شرط، فإن الحديث عن الجانب الروحي في ارتباط بالأمن الوطني سيصب حتما في اتجاه تذكر خطة “تسديد التبليغ”، التي تهدف في أساسها إلى محاربة كافة أشكال التطرف الديني، ولا غرابة أن يكون صاحب أكبر دراسة في هذا الشأن هو أحد عناصر أسرة الأمن الوطني المشهود له بحسن التواصل والسيرة والسلوك والهدوء.. ويتعلق الأمر بالناطق الرسمي باسم المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بوبكر سابيك، وهو صاحب أكبر دراسة بهذا الخصوص، وهي التي قال فيها ذات يوم أمام أقطاب الدولة، بتكليف من المدير العام عبد اللطيف الحموشي: ((لا سبيل لتحقيق التنمية بدون أمن، فبدون احترام مرتكزات النظام العام والتقيد بضوابط الأمن، والالتزام بإملاءات القانون، تصير التنمية فوضى وعنوانا للاضطراب المجتمعي.. في المقابل، لا مندوحة للأمن من أوراش التنمية، لأن الفقر والهشاشة والانحراف هي مجالب للخوف والجنوح، وليست مفرزا للأمن والاستقرار، فالأمن هو الذي يوفر البيئة الحاضنة للتنمية، لأن الرساميل لا تستثمر إلا في الفضاءات الآمنة، وكذلك هي الاستثمارات الأجنبية، لا تتدفق إلا إذا كانت مقرونة بتحقق شرط توفر الأمن.. بل إن مطلب الأمن صار يشغل الحيز الأكبر في دفتر التحملات الذي تقدمه مختلف الدول لاحتضان أرقى وأسمى التظاهرات والملتقيات الدولية.. وفي المحصلة، فنحن أمام علاقة تلازمية تتحقق بتوافر الشرطين: “الأمن” و”التنمية”، وتنتفي بغياب أحدهما أو كليهما، لكن تحقيق مقاصد التنمية التي نرنو جميعا إلى تحقيقها في ظل الأمن، تستدعي مرتكزا ثالثا، وهو الوازع الأخلاقي، ذلكم الضابط المعنوي الذي ينعكس على السلوك المادي للأفراد، ليسدد معاملاتهم، ويصحح علاقتهم بالأغيار، ويقوّم الانحرافات المحتملة، ويهدي إلى أقوم الأفعال وخير الأقوال، وهو ما يشكل جوهر وازع القرآن، أي القدرة على التأثير والإقناع من خلال التبليغ، والذي يضطلع به العلماء وتنهض به خطة “تسديد التبليغ”، التي يعمل عليها المجلس العلمي الأعلى، وأصحاب الفضيلة العلماء والوعاظ والمرشدات والمرشدين الدينيين.. فهذه العلاقة الثلاثية المتلازمة تتجسد في قوله تعالى: “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” (سورة قريش)، وتكرسها أيضا الآية الكريمة: “الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون” (سورة الأنعام)، بل إن الدعاء بالأمن جاء مسبوقا حتى على التضرع والابتهال بالتنمية في قوله تعالى: “وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات” (سورة البقرة))) (المصدر: كلمة المراقب العام بوبكر سابيك/ انظروا إلى التشابه في استعمال الآيات بين الافتتاح وفي المقر).

ولأن المناسبة شرط، فإن انطلاق أيام الأبواب المفتوحة، التي تتزامن مع الذكرى 70 لتأسيس الأمن الوطني، لم تكن لتمر دون الحديث عن هذه المحطة، وقد كانت الكلمة للعميد الإقليمي النشيط (كما جرت العادة في هذه المناسبة).

وبهذه المناسبة، أكد العميد الإقليمي رضى اشبوح، الذي أكد باسم المديرية العامة أن الأبواب المفتوحة تأتي لتعزيز مكتسبات ونجاحات الدورات السابقة، لا سيما في مجال تعزيز مؤشر الثقة بين المواطنات والمواطنين ومؤسستهم الأمنية من جهة، والرفع من منسوب الإحساس بالأمن عند الجميع من جهة ثانية.. والبرقية مفهومة(..) لا سيما بعد تقديم لوحات استعراضية متنوعة لكوكبة الدراجين وشرطة الخيالة، وتقنيات الدفاع الذاتي، والشرطة السينوتقنية، والعرض الميداني للقوات الخاصة التابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.. والذي استعملت فيه مفرقعات صوتية قوية، تبعتها احتفالات صاخبة بالشهب الاصطناعية (..).

الجديد في حفل الأبواب المفتوحة، هو توزيع أوسمة ملكية على عدد من موظفي الأمن الوطني، ولكن الأكثر إثارة للانتباه، هو تكريم المدراء العامين السابقين للأمن الوطني، ويتعلق الأمر بكل من بوشعيب أرميل، والشرقي الضريس، وحفيظ بنهاشم، ومحمد الظريف، وأحمد الميداوي.

تكريم المدراء العامين للأمن الوطني هو تكريم لأمجاد المؤسسة؛ فهذه المديرية هي نفسها التي تعاقب على حكمها كبار أقطاب الأمن والمخابرات والجيش.. فقبل الوصول إلى الأسماء سالفة الذكر، كان هناك الجنرال أوفقير، وبعده الدليمي، وعبد الرحمان الربيع، ومولاي سليمان العلوي، والبخاري وعبد الحق القادري ومحمد الظريف وعزيز الوزاني، ثم أحمد الميداوي، الذي أصبح وزيرا للداخلية في الفترة التي كان فيها فؤاد عالي الهمة وزيرا منتدبا في الداخلية، قبل أن يصل إلى المهمة حميدو العنيكري، ومن رجال الثقة الملكية في عهدين، لا بد من ذكر القطب الأمني حفيظ بنهاشم، ابن مدينة بوفكران، وطبعا ستمتد المسيرة وصولا إلى الأسماء التي تم تكريمها يوم الأحد الماضي..

بين الماضي والحاضر.. يبقى الحديث عن الأمن الوطني حديثا ذو شجون، وذو سجون (..)، ولكن التكريمات فضلا عن كونها ساهمت في عودة كل من بوشعيب أرميل، والشرقي الضريس، وحفيظ بنهاشم، ومحمد الظريف، وأحمد الميداوي.. إلى دائرة الأضواء من باب الحموشي، الذي كسب تعاطفا شعبيا كبيرا بسبب تواضعه(..)، فإن الأمر لا يخلو من رسائل، أهمها ربط الماضي بالحاضر؛ فالحموشي هو أحد رجال العهد الجديد، بينما حفيظ بنهاشم – على سبيل المثال – محسوب على رجال ثقة الحسن الثاني وبعده الملك محمد السادس، ولكن الأقدار شاءت أن يضحي بمنصبه من أجل الدولة في زمن عصيب(..)، وذلك ليس غريبا عن رجال الدولة، ورجال الثقة، كما هو حال الحموشي اليوم(..).

تصوروا أن رجل دولة مثل حفيظ بنهاشم، نشر هذه الأيام مذكراته تحت عنوان: “مذكرات رجل دولة”، وقد عاد بالزمن إلى بدايته في قرية شرفاء بوفكران(..)، وكان قدر الشرفاء هو التضحية من أجل الوطن، إذ أن قليلا من الناس يعرفون أن والد بنهاشم أدى ثمن مقاومة الاستعمار بترحيله ومنعه حتى من الدفن بقريته.. وقد قال حفيظ بنهاشم في مذكرته، والفاهم يفهم: ((قصبة شرفاء بوفكران مسقط رأسي، تحولت، بعد السطو الذي تعرضت له من طرف المعمرين الأجانب، إلى قرية أوروبية، دون اعتبار لسكانها الأصليين الذين وجدوا أنفسهم غرباء عن مسقط رأسهم، بل إن الأمر تجاوز حدود الاستيلاء على هذه الأراضي الخصبة من طرف المستوطنين الأجانب، إلى الترامي عليها من طرف المحظوظين المغاربة من أصحاب النفوذ، بعد حصول المغرب على استقلاله.. ولم تنفع جهود استرجاع أراضي الشرفاء بالرغم من عرائض الاحتجاج ومساطر التظلم التي وجهت للجهات المسؤولة من طرف أصحابها الأصليين من الشرفاء وذرياتهم. باءت جميع محاولات استرجاع الأراضي المسلوبة بالفشل، وقوبلت مطالب الحصول على تعويض عن الضرر الذي لحق هؤلاء الشرفاء بالتسويف تارة، وبآذان صماء من السلطات العمومية تارة أخرى، رغم نسب أصحاب الحقوق الذي يمتد إلى مولاي علي الشريف مؤسس الدولة العلوية، والذين جاؤوا إلى مكناس قادمين من قصور كاوز المتواجدة ما بين الراشيدية وواحات أوفوس، واستقروا في مرحلة أولى بحي “وجه عروس” في العاصمة الإسماعيلية، قبل الانتقال إلى بوفكران، حيث تعاطوا للفلاحة والرعي)) (المصدر: موقع الأخبار).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى