ملف الأسبوع | بين هجوم جبهة البوليساريو على أم دريكة والاعتداء على السمارة

في ظل الحديث عن جولة جديدة من المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية بين أطراف النزاع حول الصحراء، وبعدما أخذ الملف طريقا جديا نحو الحل أكثر من أي وقت مضى، وفي ظل إعلان كافة الأطراف عزمها على ضرورة إيجاد حل سلمي لهذا الملف الذي عمر طويلا.. وقع ما لم يكن في الحسبان، هجوم جبهة البوليساريو قبل أيام على مدينة السمارة بثلاثة قذائف، ورغم أنها لم تسبب خسائر، إلا أنها حملت رسائل عديدة. والحال أنه في تاريخ الصراع حول الصحراء، وقعت عدة أحداث مشابهة، يسعى هذا الملف لمقارنة دلالة هجوم جبهة البوليساريو الجديد على مدينة السمارة مع هجومها على منطقة أم دريكة سنة 1988، في سياق مشابه لليوم إلى حد بعيد.
أعد الملف: سعد الحمري
تشابه في السياق بين هجوم أم دريكة 16 شتنبر 1988 وهجوم السمارة..
يشبه ما يحدث الآن من دينامية على مستوى العلاقات المغربية الجزائرية وملف الصحراء ما كان يحدث سنة 1988؛ فاليوم هناك وساطة أمريكية حقيقية أكثر من أي وقت مضى، بينما في سنة 1988، شجعت أمريكا وباركت الوساطة السعودية بين المغرب والجزائر من أجل إعادة العلاقات بين البلدين، والتي انقطعت منذ سنة 1976، كما أن هناك حديثا اليوم عن مفاوضات غير مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو من أجل مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي، وفي سنة 1988، دخل المغرب وجبهة البوليساريو في سلسلة مفاوضات سرية.
من هذا المنطلق، وجب استعراض ما وقع سنة 1988؛ فقد ظهرت قضية الصحراء سنة 1973.. ودخلت العلاقات المغربية الجزائرية مرحلة قطيعة منذ 7 مارس 1976، على خلفية إعلان الجزائر قيام “الجمهورية الصحراوية” فوق أراضيها، وقد كانت هناك عدة محاولات للصلح بين البلدين، منها تلك التي قامت بها مالي، كما دار الحديث، وخاصة خلال سنة 1978، عن وساطة أمريكية ثم فرنسية، إلا أن الجزائر كانت ترفض هذه الوساطات على اعتبار أن الأمر بين البوليساريو والمغرب، وليس للجزائر دخل في الموضوع.
وبذلك استمرت القطيعة إلى سنة 1988، عندما بدأت الوساطات العربية من أجل إعادة العلاقات المغربية الجزائرية إلى طبيعتها، وتحت هذا الضغط، بدأت الجزائر تحاول القيام بمحاولات خجولة تقابل بها المبادرات المغربية في هذا الباب، وأطلقت الجارة الشرقية دعاية لدى الدول العربية، مفادها أن العلاقات بينها وبين المغرب غير مقطوعة، وأن هناك اتصالات بين الدولتين، لكن الملك الحسن الثاني، خرج مباشرة في بداية سنة 1988، ليكذب هذه الادعاءات في حوار أجراه مع مجلة “المصور” وجريدة “الجمهورية” المصريتين، يوم 18 فبراير 1988، فعندما طرح عليه سؤال حول التحالفات في شمال إفريقيا الجديدة وكان كالتالي: “جلالة الملك، الملاحظ أن هناك تبادلا في التحالفات على الأقل بالنسبة لليبيا؛ فليبيا كانت تربطها بالمغرب معاهدة اتحاد، وهي الآن تتحرك في اتجاه آخر، فحينما كانت مرتبطة بالمغرب أعلنت عن وحدة التراب المغربي وأوقفت تعاملها مع البوليساريو، واليوم نقرأ عن اجتماع بين القذافي ومحمد عبد العزيز، واجتماع ثلاثي ضم القذافي وبنجديد ومحمد عبد العزيز.. هل في نظركم يعتبر هذا عودة إلى العنف من جديد، وعودة لوضع المنطقة على فوهة بركان مرة أخرى، أم ماذا؟”، قسم الملك جوابه إلى قسمين: الأول خصصه لليبيا وكان كالتالي: ((بالنسبة لليبيا، الحق يقال، إننا لم نر منها لحد الآن أي تغير رغم الخصومة التي وقعت بيننا بعد أن قررنا فسخ الاتحاد بكيفية انفرادية، فليبيا، حسب معلوماتنا، وحسب ما نلاحظ في الواقع، ما زالت على الحياد في هذا الباب، أما بالنسبة لما جرى في الاجتماع الثلاثي الذي انعقد، فالله أعلم، هل الأخبار التي تسربت صحيحة أم غير صحيحة، لا يمكنني أن أحكم على الأمور بناء على أقوال الصحف في هذا الباب، وإن كنت أكن كل احترام للصحافة))، أما القسم الثاني من الجواب، فخصصه لتطور العلاقات المغربية الجزائرية، حيث كشف أن الأمور ليست على ما يرام عندما قال: ((.. ثم إن الشيء الذي يجب أن يلفت النظر إليه – والمسألة هنا مهمة جدا – هو أن إخواننا الجزائريين يوهمون إخواننا العرب، وبالأخص منهم الذين قاموا بوساطة محمودة يشكرون عليها، بأن المذاكرات ما زالت جارية بيننا وبينهم وما زال الاتصال قائما… إلخ، والواقع أن شيئا من هذا لم يكن، فالمذاكرة والاتصالات جامدة الآن بيننا، ولا نجد لدى الجانب الجزائري أي جواب ولا أي بادرة إيجابية، ولكن دبلوماسيتهم – وأقول دبلوماسيتهم – توهم وتحاول أن توهم الدول العربية والإسلامية، وبالأخص القائمين بالوساطة المحمودة، بأن المذاكرات ما زالت جارية بيننا وبينهم، وبأن الأمور على أحسن ما يرام، وهذا مخالف للواقع)).
هجوم أم دريكة وقع يوم المصالحة المغربية الجزائرية
كان التصريح الملكي المذكور بمثابة الدفعة القوية للعلاقات المغربية الجزائرية، إلى أن نجحت الوساطة السعودية في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتطورت الأحداث بسرعة خلال سنة 1988، حيث أعلن عن قيام اتحاد المغرب العربي، وفتحت الحدود البرية بين المغرب والجزائر، ووقع البلدان عدة اتفاقيات اقتصادية بينهما لعل أهمها توقيع اتفاق مغربي جزائري يوم 16 شتنبر 1988، من أجل تنفيذ أنابيب الغاز الذي أطلق عليه اسم “المغرب العربي-أوروبا”.
وبالموازاة مع ذلك، كان المغرب يرسم طريقا لإيجاد الحل مع جبهة البوليساريو، حيث طرح الأمين العام السابق للأمم المتحدة خافيير ديكويلار، في صيف 1988، على المغرب والبوليساريو خطة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء، وسيقود هذا التصور في حالة إجراء الاستفتاء إلى أحد الخيارين: إما الانضمام إلى المغرب أو الاستقلال عنه، ولقيت خطة ديكويلار نجاحا في البداية تمثل في قبول الخطة من قبل المغرب والبوليساريو في 30 غشت 1988، أي الموافقة على وقف إطلاق النار، وإنشاء بعثة الأمم المتحدة المكلفة بالاستفتاء في الصحراء “المينورسو”.
وفي ظل هذا الزخم الدبلوماسي، وفي نفس يوم هذا الاتفاق التاريخي، وبعدما توقفت الهجومات التي تنفذها جبهة البوليساريو ضد المغرب مدة طويلة، أبت الجزائر والبوليساريو إلا أن تقدما للمغرب هدية ثمينة كعربون عن الاحتفال بهذا اليوم التاريخي، حيث قامت وحدات من جبهة البوليساريو، وعلى حين غرة، بهجوم على الجدار الأمني بقطاع أم دريكة، وبهذا الخصوص، صدر بلاغ عن القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية في نفس اليوم جاء فيه: ((في يوم 16 شتنبر 1988، قامت البوليساريو بهجوم على الجدار الأمني بقطاع أم دريكة، وقد كانت قوات العدو تتألف من كتيبتين محمولتين، وكتيبة مجهزة مدعمة بسلاح المدفعية، وبعد معارك ضارية دامت أزيد من ساعتين، أي من الساعة الخامسة و50 دقيقة إلى غاية الساعة الثامنة، تم دحر قوات العدو وملاحقتها، وكانت حصيلة المواجهات في كلا الجانبين كالتالي: فيما يخص خسائر العدو: 124 قتيلا وجريحا وأربعة أسرى، غنيمة من عتاد مهم متحرك ومن المدرعات من بينه قاذفة صواريخ مضادة للدبابات “سبيع 9” موازية للصواريخ الفرنسية المضادة للدبابات “ميلان”، والتي ظهرت لأول مرة في ساحة العمليات، وفيما يخص خسائر القوات المسلحة الملكية: 51 شهيدا و95 جريحا)).
وقد تمت قراءة هذا الهجوم على عدة مستويات، فهناك من رأى أن الجزائر أرادت أن تبعث رسالة إلى المغرب مفادها أن المصالحة بين المغرب والجزائر تمت وأن العلاقة بين البلدين أخذت مسارها، غير أن مشكل المغرب مع البوليساريو لا دخل للجزائر فيه، ومن جانب آخر هناك من رأى أن هجوم البوليساريو تم دون التنسيق مع الجزائر وإنما قامت به الجبهة بمفردها دون الرجوع للجزائر، حيث تسربت أخبار تقول بأنه كانت هناك خلافات بين قيادات في الجبهة ومسؤولين جزائريين حول المصالحة مع المغرب، ما جعل جبهة البوليساريو تنفذ ذلك الهجوم، وهناك من رأى أن الهجوم تم بدعم من تيار بالجيش الجزائري كان رافضا للمصالحة بين المغرب والجزائر، كما كان هناك رأي آخر يقول أن المغرب كان على خلاف مع الجبهة حول تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، ولذلك التجأت الجبهة للقيام بهذا الهجوم من أجل الضغط عليه.
لكن ما يهم من كل هذا، هو ما آلت إليه الأمور بعد هذا الهجوم؛ فبعد ثلاثة أشهر فقط، وفي مفاجأة غير متوقعة، أعلن الملك الحسن الثاني في نفس الشهر، أي دجنبر 1988، في مقابلة مع مجلة “لوبوان” الفرنسية، عن استعداده للقاء عناصر من البوليساريو كـ”مغاربة” استمعوا لنداء “إن الوطن غفور رحيم” وليس كوفد لـ”دولة”، ثم حصل اللقاء في مراكش ما بين 4 و5 يناير 1989، حيث استقبل الملك وفدا من البوليساريو من أبرز أعضائه البشير مصطفى السيد، ومحفوظ علي بيبا وإبراهيم غالي، وكان اللقاء محاولة من المغرب لتهدئة التوتر وفتح حوار مباشر لحل النزاع، كما أصر المغرب على أن اللقاء هو “استماع” وليس “مفاوضات” رسمية بين طرفين متكافئين، معتبرا إياهم “أبناء المغرب المغرر بهم”، وقد كان هذا أول لقاء مباشر بين الطرفين، وقد مهد هذا اللقاء الطريق لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 6 شتنبر 1991، مما أسهم في تخفيف التوتر، وبذلك استمر وقف إطلاق النار إلى سنة 2021، عندما ظهرت أزمة “الكركرات”.
هل تكون نتيجة اليوم مثل نتيجة الأمس ؟
ما يهم من استعراض هذه الواقعة وما ترتب عنها، هو مقارنة نتائج الأمس بما قد يحصل اليوم، حيث الآن هناك دينامية أمريكية حقيقية من أجل إنهاء هذا الملف وإيجاد حل نهائي له؛ فمؤخرا تحدث أمور في الكواليس ما زالت غير واضحة، منها إشارات الرئيس الجزائري – في حوار متلفز – إلى أن الجزائر تقبل قرارات مجلس الأمن في قضية الصحراء، ومعناه قبول الجزائر ضمنيا بخطة الحكم الذاتي، فما الذي حصل حتى قامت الجبهة بهذا الهجوم المباغت على السمارة، خاصة وأن هناك تحركات في الكونغريس الأمريكي من أجل تصنيف جبهة البوليساريو كحركة إرهابية؟ وهل هناك ضغوطا تمارسها الجبهة على المغرب وعلى المجتمع الدولي، أم أن الحبل أصبح يضيق حولها، خاصة بعد شعورها بتخلي الجزائر عنها ؟
لا شك أن هناك أمور واتصالات تجري في الكواليس اليوم، ويقول الساسة أن الحرب استمرار للسياسة، فهل معنى هذا أن البوليساريو، بهجومها الأخير على السمارة، تحاول الضغط على باقي الأطراف من أجل القبول ببعض شروطها، أم أن هناك حسابات أخرى من ضمنها وجود أطراف في الجزائر دفعت الجبهة للقيام بهذا الهجوم من أجل مصالحها وبعث رسائل مشفرة إلى المعنيين بالأمر ؟
على أي، فهجوم 16 شتنبر 1988 يختلف عن الهجوم الأخير على السمارة، في كون الأول لم يلق تضامنا يذكر مع المغرب، في حين أن الهجوم الأخير أدانته عدة دول وأعلنت تضامنها مع المغرب، لكن يبقى السؤال المطروح: هل نشهد ما بعد الهجوم تطورات كما حصل بعد هجوم 1988، وكان أهمها استقبال الحسن الثاني لأعضاء الجبهة كمغاربة وبعد الاتفاق على وقف إطلاق النار الذي استمر لمدة 30 سنة ؟





