المنبر الحر

المنبر الحر | رحيل نبيل لحلو وأسئلة الفن المسرحي الفردي بالمغرب

عبده حقي
بقلم: عبده حقي

 كنت أشعر دائما أن أسماء قليلة فقط استطاعت أن تترك ندوبا جميلة في ذاكرة المسرح المغربي، وكان اسم الفنان المسرحي نبيل لحلو واحدا من تلك الأسماء التي يصعب أن تمر مرور العابرين، وحين بلغني خبر وفاته صباح الخميس 7 ماي 2026، أحسستُ أن جزء من ذلك الزمن الثقافي المتمرد، انطفأ بصمت، وأن خشبة المسرح فقدت واحدا من أكثر أصواتها اختلافا وجرأة. لقد رحل الرجل بعد معاناة مع المرض، لكنه ترك وراءه إرثا فنيا وفكريا سيظل شاهدا على مرحلة كاملة من تاريخ الإبداع المغربي.

لم يكن نبيل لحلو بالنسبة لي مجرد مخرج مسرحي وسينمائي، بل كان حالة فنية وفكرية خاصة؛ كنت أرى فيه ذلك الفنان الذي لا يهادن السائد، ولا يخاف من الأسئلة المحرجة، ولا يبحث عن التصفيق السهل، كان يؤمن بأن المسرح ليس مجرد تسلية عابرة، بل مساحة لمواجهة الذات والمجتمع والسلطة، والخيبات أيضا.

تتمة المقال تحت الإعلان

منذ بداياته الأولى، بدا واضحا أن الرجل اختار طريقا صعبا؛ فقد تلقى تكوينه الفني بفرنسا داخل مدرسة شارل دولان، التابعة لجامعة مسرح الشعوب، وهناك تشكل وعيه الجمالي والفكري قبل أن يعود إلى المغرب حاملا معه حلم تأسيس مسرح مغربي مختلف، لا يقلد التجارب الأجنبية بشكل أعمى، ولا يستنسخ القوالب الجاهزة.

تتمة المقال تحت الإعلان

كنت كلما تابعت أعماله أشعر أنني أمام فنان يحاول باستمرار تفكيك الواقع المغربي وإعادة تركيبه فوق الخشبة بلغة رمزية وساخرة، ومقلقة في الوقت نفسه، لذلك لم يكن غريبا أن تثير أعماله الجدل أحيانا، وأن تبدو لبعض الناس غامضة، بينما كان النقاد يرون فيها محاولة حقيقية لبناء مسرح حداثي مغربي يمتلك لغته الخاصة.

تتمة المقال تحت الإعلان

في الثمانينات، تحول اسم نبيل لحلو إلى علامة بارزة داخل المشهد الثقافي المغربي؛ فلم يكن يبحث عن الشعبية السريعة، بل عن أثر أعمق، ولهذا جاءت أعماله ممتلئة بالفلسفة والأسئلة الوجودية والقلق السياسي والاجتماعي، وكنت أشعر وأنا أقرأ عنه أو أشاهد بعض أعماله، أن الرجل يعيش داخل صراع دائم بين الحلم الفني والواقع الثقافي الصعب.

ولأن طموحه كان أكبر من حدود المسرح، فقد اتجه أيضا إلى السينما، لكنه لم يختر الطريق التجاري السهل، بل اختار ما يسمى “سينما المؤلف”، أي السينما التي تحمل رؤية صاحبها الفكرية والجمالية الخاصة، ومن بين أعماله السينمائية التي رسخت اسمه في الذاكرة المغربية: فيلم “القنفوذي”، “الحاكم العام”، “إبراهيم ياش”، و”سنوات المنفى”، وغيرها من الأعمال التي حملت بصمته الواضحة من حيث الجرأة والأسلوب والتجريب.

قوة نبيل لحلو لم تكن فقط في موهبته الفنية، بل أيضا في شخصيته الثقافية المشاكسة؛ فقد ظل طوال حياته يرفض الرداءة والاستسهال، وينتقد تراجع الذوق الفني وهيمنة التفاهة على جزء من المشهد الثقافي والإعلامي، كان يتحدث بحرقة المثقف الذي يشعر بأن الفن الحقيقي أصبح محاصرا بمنطق السوق والاستهلاك السريع، وحتى في سنوات المرض والتعب، وفي الأشهر الأخيرة من حياته، عاد إلى المسرح بمسرحية جديدة بعنوان: “ماشا مشمشة تريد دورا في فيلم محاكمة سقراط”، وكأنه كان يعلن من خلالها أن الفنان الحقيقي لا يتقاعد أبدا عن الحلم.

اليوم، وأنا أستعيد سيرة نبيل لحلو، أشعر أن المغرب لم يفقد مجرد مخرج أو ممثل، بل فقد جزء من ذاكرته الثقافية الحديثة، فقد كان الراحل ينتمي لجيل آمن بأن الثقافة ليست زينة اجتماعية، بل معركة وعي وتحرر وجمال أيضا.

لقد غادر نبيل لحلو هذه الحياة، لكن صوته سيظل يتردد طويلا داخل ذاكرة المسرح المغربي، مثل صدى بعيد لفنان كان يؤمن بأن الخشبة ليست مجرد مكان للعرض، بل مرآة كبيرة لقلق الإنسان وأسئلته الوجودية العميقة، فبرحيله تنطفئ شمعة من شموع الثقافة المغربية الحديثة، لكن أعماله ستظل حية تقاوم النسيان، وتواصل طرح الأسئلة نفسها على الأجيال القادمة، لقد ترك لنا نبيل لحلو مسرحا مشبعا بالفلسفة والسخرية والألم والجمال، وترك لنا أيضا درسا نادرا في الوفاء للفن حتى اللحظة الأخيرة.

رحم الله نبيل لحلو، الفنان الذي عاش خارج الأقفاص الجاهزة، وغادر الدنيا تاركا خلفه خشبة أكثر حزنا، وذاكرة ثقافية أكثر وحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى