الحقيقة الضائعة | هبّة قبائل الأطلس لنصرة قبائل الشاوية وبني مسكين
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 163"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

لم تكن فاس وحدها التي ثارت ضد عقد الحماية ولا ضد الاحتلال الفرنسي، وهكذا نرى مناطق أخرى كان فيها الجهاد متواصلا قبل عقد الحماية، وقبل مجازر فاس، وإنما كان المغاربة قاطبة يخوضون معارك الشرف ضد الاحتلال، دون مراعاة تاريخ معين ولا مواقع محددة.
فالذين قرأوا حلقات سابقة وتذكروا معارك الشاوية، وزعامة الفقيه البوعزاوي، لم يكن لهم أن يتصوروا أن المعارك توقفت في مديونة بمجرد احتلال الجيش الفرنسي للدار البيضاء، بل إن المعارك لم تتوقف سنوات طويلة وتوسعت خارج منطقة الشاوية، وبلغت قصبة تادلة.
وقد يستغرب القارئ إذا عرف أن المعارك استمرت من سنة 1908 إلى سنة 1936، حيث يشهد بذلك النصب الذي أقيم على الطريق بين الفقيه بن صالح وقصبة تادلة، والذي يخلد معركة 28 أكتوبر 1928، التي وجد فيها بين القتلى المراقب العام الفرنسي روني روزيي.
لقد هبت قبائل الأطلس لنصرة قبائل الشاوية وبني مسكين، وكانت المعارك تزداد كلما جاءت أخبار عن مرور موكب الشيخ ماء العينين، الذي سبق الحديث عن آخر رحلة له قبل موته، وكان الكومندان الفرنسي أوبير والقبطان تريبالي قد أقسما على اختطاف ماء العينين فلم يحالفهما ولا جيوشهما التوفيق؛ فقد انبرت لهما على الواجهتين اللتين تم اختيارهما عليها، قبائل بني عمير، التي خاضت معهما معارك يوم 21 جوان 1909، توسعت لغاية يوم 23 جوان إلى البروج، حيث كانت جيوش من الأطلس، تقدر بخمسة آلاف مقاتل، مجتمعة في سيدي صالح، وخسر الفرنسيون في محاولة اختراق الصفوف المغربية ثلاثة عشر قتيلا بينهم القبطان شونان والليوتنان ماري.
ولم يجتمع الضابطان اللذين توجها لاختطاف ماء العينين، بل غرقا في دوامة المعارك، خصوصا في منطقة وادي العبيد.
ولم يتنفس الفرنسيون الصعداء إلا مع مطلع عام 1911.. لولا أنهم سريعا ما هبوا لنصرة حامية مراكش، التي دخلت في حرب مع ابن ماء العينين، الهيبة، الذي جرهم جميعا إلى مشرع بن عبو، حيث جرت المعارك التي سبق وتطرقت لتفاصيلها في حلقات سابقة، ولكن قبائل بني مسكين لم تسمح للضباط الفرنسيين بالتوجه لمحاربة الهيبة في مشرع بن عبو، حيث اعترضت فيالق الثوار فرقا متعددة كان أهمها فرقة القبطان ديسنو، الذي اشتبك في وادي أم الربيع مع الثوار يوم 16 أكتوبر 1912، في معركة مات فيها القبطان نفسه مع خمسة من مساعديه، وعشرات من المرتزقة الذين لا تذكر الوثائق الفرنسية عدد قتلاهم.
وهب الجنرال ديسبيري لإنقاذ ما بقي من جنود القبطان المقتول على رأس جيوش معززة بالمدافع الثقيلة، وبالأموال لشراء الضمائر، ولمفاوضة قبائل بني كير، وبني موسى، التي كانت خاضعة للنفوذ الروحي لشرفاء بجعد، الذين كانوا يسالمون الفرنسيين، حسب ما ورد في الوثائق الفرنسية.
ولم تمنع هذه المناورات من استمرار الجهاد؛ ففي وادي زم، خاض الكولونيل مانجان، بعد عودته من مراكش يوم 15 مارس 1913، معركة كبرى في منطقة بير مزوي، خسر فيها خمسة عشر قتيلا، بينهم نائبه القبطان لوران وعددا كبيرا من الجنود السينغاليين، حتى اضطر الجنرال ليوطي لإرسال خمسة فيالق ضخمة لإنقاذ خليفته المدلل، الكولونيل مانجان، مع وصيته له بأن يمنع توسع المعارك ويتفادى إدراكها لتادلة، ولكن من أين له هذا.. فقد ظهرت في تلك الأثناء زعامة قائد مغربي يسمى الزياني، أصبح اسمه الشغل الشاغل للقيادة الفرنسية طوال المعارك التي استمرت إلى يوم 26 مارس 1913، وفي شهر أبريل، اضطر الكولونيل مانجان للهروب والرجوع إلى بجعد، وليعرف القارئ حقيقة المطلب الذي سقطت فيه القوات الفرنسية في تادلة وأطرافها إلى سنة 1935، فقد أخر مانجان مواجهة الزياني لفرصة أخرى.
وكانت المعارك التي خاضها الفرنسيون ضد الهيبة ابن ماء العينين، غصة لم يبتلعها التاريخ العسكري الفرنسي، خصوصا وأن الهيبة الفرنسية لم تكن من الهيبة ابن ماء العينين، وإنما من ماء العينين الأب، فإذا بالضباط والجنود الفرنسيين يخسرون المعارك ضد ماء العينين القادم من الصحراء وضد ابنه الهيبة الذي قال عنه ليوطي: “إنه الفيضان قادم من الصحراء”، ولجأوا طبعا إلى اتهام ماء العينين الهيبة بأنه أراد أن يعلن نفسه سلطانا حتى يثيروا عليه ضغينة السلطان الشرعي، ولكن هذا الزعيم الصحراوي القادم من السمارة، لم يضرب إلا الفرنسيين.
فقد ضربهم بعنف في معركة أربعاء الصخور، ما بين 16 و20 غشت 1912؛ وضربهم بعنف في معركة أوهام يوم 22 غشت 1912؛ وضربهم بعنف في معركة واد الفران يوم 23 غشت 1912؛ وضربهم بعنف في معركة سيدي بوعثمان يوم 6 شتنبر 1912؛ وضربهم بعنف في معركة سيدي إدريس يوم 27 نونبر 1912.
وكانت هذه المعارك كلها بعد أن احتل الهيبة مدينة مراكش يوم 18 غشت 1912، حيث هرب جميع الفرنسيين في اتجاه طريق أسفي، قاصدين البحر، للفرار نهائيا من المغرب، ولم يستطع الكولونيل مانجان الاقتراب من مراكش، وبقي في مشرع بن عبو، حيث جاء الجنرال ليوطي شخصيا للاجتماع به في المشرع، ولترتيب خطة الهجوم.
وبذلك بدأت محاولات الجيش الفرنسي لا لاحتلال مراكش، وإنما لإنقاذ الفرنسيين الذين بقوا بها، وهم قنصل فرنسا ورئيس الحامية العسكرية والطبيب كيشار.
واستمرت المعارك إلى يوم 7 شتنبر 1912، حيث دخل الفرنسيون بكل ثقلهم مدينة مراكش، بينما انسحب الهيبة في اتجاه سوس، حيث كان له أنصار كثيرون.
ولكن، هل هذا يعني أن الفرنسيين وجدوا طرق مراكش مفروشة بورود قلعة مكونة ؟
لقد تحولت منطقة مراكش حتى الصويرة في الساحل، وواد تلوات في طريق أيت أورير.. إلى منطقة حرب شاسعة للفرنسيين مع قبائل حاحة، والشياظمة، وكانت إحدى المعارك الكبرى – على سبيل المثال – في برج العايدي، خسرت فيها قوات الكولونيل كيدون دوديف، عشرين قتيلا يوم 7 يناير 1913، وخمسة وستين جريحا، ومعركة في اليوم الموالي، 8 يناير 1913، في مصقالة، قتل فيها سبعة جنود فرنسيين وجرح ثلاثون، وجاء الكولونيل برولارد يوم 20 يناير 1913، على رأس خمسة آلاف عسكري، حيث بدأ بهدم مركز أنفلوس عن آخره بالمدافع، ثم معركة زاوية الحسن يوم 24 يناير 1913، التي قتل فيها 8 فرنسيين وجرح خمسة وأربعون.
وأراد الفرنسيون دخول قصبة أنفلوس بعد أن هدموها، فاشتبكوا مع من بقي من سكانها، وكانت المعركة يوم 25 يناير 1913 رهيبة على أطلال أنفلوس التي أرادت قوات الكومندان هولبيك الحصول على شرف الدخول إليها، فلم يحصل هذا الشرف، إذ قتل الكومندان نفسه، وقتل الليوتنان بيسيد، وقتل الليوتنان ديفو، وقتل سبعة جنود.
وهكذا كانت فرنسا ترسل خيرة ضباطها، وكانت أرض المغرب تدفنهم وتقول هل من مزيد.. ؟
لقد تمنعت ناحية مراكش عن الخضوع للحكم الفرنسي، رغم أن أحد أقطابها المدني الكلاوي، وكان وزيرا في حكومة السلطان مولاي حفيظ، وجاهد معه، وفاء لعهد السلطان الحسن الأول، الذي زار تلوات، مقر العائلة الكلاوية، وأهداهم مدفعا حديثا ليتعلموا ضرب الفرنسيين، لكن المدني الكلاوي في سنة 1915 انحاز لجانب الفرنسيين وأخذ يخوض المعارك باسمهم وبجانبهم وبدعمهم ومالهم وسلاحهم، وأصبح الساعد الأيمن للكولونيل مانجان، الذي سبق له أن خاض المعارك ضد الهيبة ابن ماء العينين، ورغم أن الفرنسيين أحكموا قبضتهم على أزيلال، حلقة الوصل بين الأطلس الكبير والأطلس المتوسط، واستقروا بها في سنة 1917، فإن المعارك التي خاضتها ضدهم قبيلة انتيفة، لم يذع عنها الفرنسيون أي تفاصيل، كما لم تذع تفاصيل عن الحروب التي خاضتها قبيلة أيت امحمد، ولا عن الضربات التي وجهها الزعيم سيدي ماح الحنصالي، الذي كان قائدا وفيا للسلطان مولاي حفيظ، وانقلب ضد الفرنسيين سنة 1915، واستمر في محاربتهم وخاض معارك كبرى سنة 1918 بعدما جاءت قبائل أيت عطا من الصحراء الشرقية لنصرته، فاستولوا على دمنات وعلى ولطانا.
وقد تعرض المدني الكلاوي، وهو المسنود بالقوات الفرنسية، للضربات الموجعة من طرف القبائل، وخصوصا أيت امحمد، التي كبدته في معركة 30 يوليوز 1917 خسائر فادحة قتل فيها رئيس جيشه، ولده عبد المالك الكلاوي.
وقطعت قبائل إيداوتنان الطريق على الجيوش الفرنسية المتجهة نحو أكادير والصويرة، وانضمت قبائل أوريكة، وسكتانة، ورغايا، لتمديد الحرب ضد الفرنسيين إلى سنة 1922.
وكانت القيادة الفرنسية قد عززت قواتها في المنطقة باستحضار الجنرال دوغان، الذي أراد التخصص من هذه المنطقة، لكن سيدي ماح كان له بالمرصاد هو والكولونيل نوكيس.
واتخذت قبائل أيت امحمد من زاوية أحنصال معقل رفضها للاحتلال الفرنسي، حيث دارت معارك طاحنة سنة 1923، وتلوات التي أصبحت اليوم خرابا إلا من آثار قصبة الكلاوي، تحولت سنة 1925 إلى مركز نشيط للاستعلامات الفرنسية، ومقر لقيادة عسكرية كبرى ضد القبائل التي كانت تفرض نفوذها وهيبتها على الفرنسيين جنوب مراكش، وعلى الطريق بينها وبين ورزازات.
تلك الطرق التي تحولت كما سيأتي إلى مقابر للفرنسيين.
كذلك لم يجد الفرنسيون سبيلا لإغراء القبائل السوسية جنوب غرب مراكش، فاضطر الجنرال هوري إلى التدخل بقوات كبرى سنة 1927، محاولا الوصول إلى إيمنتانوت جاهلا أو متجاهلا عظمة سكساوة، ودمسيرة، وامتوكة، وجاهلا أو متجاهلا تاريخ هذه المنطقة التي كان العلم والفقه فلسفة رفضها للاحتلال الفرنسي.
وهكذا كانت أمزميز نقطة اشتباكات كبرى في سنة 1928، وهي الفترة التي أعلنت فيها قبائل إيجناتن، أغبار، إيداو مساتوغ، وإيداو قيس، استقلالها المطلق عن الحكم الفرنسي، ساعدها على ذلك صعوبة المناطق التي كانوا يتواجدون بها. هذه ناحية مراكش جنوبا وغربا حتى إلى أكادير، وقد حسب الفرنسيون أن معارك الهيبة وطرده منها ستكون نهاية الرفض وبداية الاستسلام، وقد أدرك بها الرفض ما بعد سنة 1928.



