الحقيقة الضائعة | كيف أحبط جهاد القبائل مؤامرة الاستعمار في الأطلس..
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 162"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

كان الجنرال لوستال حاكم المنطقة، والمتخصص في محاربة أيت حديدو على رأس قوات كثيفة في منطقة تيسوكات، حيث تسيطر قبائل أيت حديدو وقبائل أيت شخمان سيطرة مطلقة على المنطقة، سيطرة يترجمها هذا الواقع سنة 1932، عشرين سنة بعد إمضاء عقد الحماية.
وفي 18 يوليوز 1932، هب حشد من الفيالق بقيادة الكولونيلات: بيرستشي، هوري، سافاران، لوكران، دوفريتاي، وبرنار، في محاولة لاحتلال منطقة إيجبرتين، ولطرد المغاربة من قصبة تافراوت.
واستمرت المحاولات والاشتباكات إلى 12 غشت 1932، قصفت فيها المدافع الفرنسية كل ساكن وكل متحرك في المنطقة، وجرت معركة مفتوحة في أيت ملول قتل فيها جنديان فرنسيان وجرح أربعة.
وفي 14 غشت، قتل في معركة “تيغيغشت” الليوتنان بيانيللي، وكان الفرنسيون ينتظرون بعيدا، ويشهدون من بعيد فيالق المجندين المغاربة والأجانب يخوضون المعارك ضد السكان المغاربة، إلى أن حصل يوم 22 غشت أن حوصرت تلك القوات كلها في منطقة تاساوت، فاضطر الفرنسيون لدخول المعركة، حيث قتل لهم واحد وعشرون جنديا، وجرح 48.
وفي يوم 23 غشت 1932، قتل أربعة فرنسيين وجرح ستة في معركة ضد قبيلة تاكوشتامت، وهاجمت قبيلة أيت حديدو يوم 4 شتنبر 1932 مركز موتزيلي في سهول البحيرات، ودامت المعركة ثلاث ساعات قتل فيها ثمانية جنود فرنسيين وجرح 15.
وفي 5 شتنبر قتل جندي فرنسي من قوات الكولونيل فريتاي في تاساوت نسردون، وفي 6 شتنبر، قتل ثلاثة جنود فرنسيين وجرح خمسة في معركة أفود نسردون، وفي 7 شتنبر، جرت معركة أخرى في الصباح الباكر، في تازيكزاوت، قتل فيها ثمانية عشر جنديا فرنسيا وجرح 36 بينهم ضابط، وفي 8 شتنبر، هاجم المجاهدون الضفة الغربية لوادي زنزبات، وقال الفرنسيون في مذكراتهم: ((لقد أغرقونا بالمقاتلين وأفنونا))، وكان عدد القتلى المعلن عنهم ثلاثة عشر جنديا فرنسيا وثلاثة وثلاثين جريحا.
وأصبح الأمر يكتسي صبغة الحرب المفتوحة والخسائر اليومية، فجاء الجنرال هوري، يوم 12 شتنبر 1932، بمخطط مدروس لمحاصرة زعيم المجاهدين سيدي المكي مهاوش شخصيا، وفعلا نجح في مخططه، وحوصر الأسد في عرينه، واعتقل وقيل رسميا إنه استسلم.
وأعلن الفرنسيون عن نهاية الحرب عند أيت حديدو في 16 شتنبر 1932، بعد أن استسلم زعيمهم، ليكتشفوا فيما بعد أن سيدي المكي ليس إلا واحدا من المجاهدين، وأن الجهاد لا يتوقف بتوقف أمغار القبيلة.
ودخلت سنة 1933 لتشهد على أن سكان أيت حديدو لا زالوا أسياد الموقف الرافضين، وبدأت السنة الجديدة بهدوء حذر، اشتعلت معه سلسلة معارك ابتداء من شهر يوليوز 1933، انطلقت من جبل إيمدغاس، حيث جاء الجنرال لوستال لقيادة المعارك، وحيث قتل له جنديان وجرح آخران يوم 17 يوليوز.
وأغرقت المنطقة بحشد آخر من الكولونيلات: بلان، دوفينو، هوريل، لوكران، برانكاز، وكل كولونيل مكلف بنقطة من المنطقة.
الكولونيل برانكاز هذا، لم يكن محظوظا، إذ سقط في فخ في منطقة وانرغي، يوم 24 غشت 1933، وقتل ثمانية وثلاثون جنديا.
وحاولت القوات الفرنسية يوم 3 شتنبر 1933 السطو على منطقة تجمعت فيها عائلات المجاهدين وأولادهم، منطقة إيسكريول، فاعترض سبيلهم الثوار الذين خاضوا معركة من أكبر المعارك دفاعا عن شرفهم، قتل فيها أربعة وعشرون عسكريا فرنسيا، بينهم ضابطان، الليوتنان أوليي والليوتنان مونيي.
لقد كان المغاربة مستعدين لخوض الحرب ضد فرنسا طول الأبد.. لولا مناورات سياسية متعددة كانت تحاك في الإقامة العامة بالرباط، مثل مناورة الظهير البربري، الذي سيأتي الحديث عنه مستقبلا، ولولا قطع الصلات بين القبائل المحاربة، التي بقيت معزولة عن بعضها منعا للتنسيق فيها بينها، ولكن هذا السرد لمعارك حصلت سنة 1933، لا يدع مجالا للشك في أن الشعب المغربي لم يضع السلاح في وجه القوات الفرنسية الغازية.
ففي سنة 1933، كانت هناك معارك أخرى تدور في مناطق أخرى، وفي تلك الناحية بالذات، منطقة الأطلس المتوسط، التي يجعلها بُعد المسافات وانقطاع الاتصالات، معزولة عن بعضها.
وتعترف الوثائق الفرنسية بأن ((الجنرال كودو حاكم المنطقة العسكرية بمكناس، توجه في 21 يوليوز 1932 لفك الحصار عن القوات الفرنسية في تادلة والأخطار التي كانت تحيق بالفرنسيين في تيلمي))، وهو البرهان القاطع على أن المعارك كانت مستمرة في تادلة سنة 1932، والواقع أن الجنرال كودو وصل إلى منطقة تادلة في ذلك التاريخ بعد أن استولى الثوار على تيخداوين وأشرف على انسحاب القوات الفرنسية في 13 غشت 1932.
وبقيت قبائل أيت حديدو مسيطرة على جبل إيسواك وجبل ميسدريد، وانتظر الجنرال كودو سنة 1933، حيث هجم في فاتح مايو 1933، واضطر للجلاء عن الموقع الذي كان مستقرا به تحت ضربات أيت حديدو، فانسحب من تيلمي، باعتراف الوثائق الفرنسية، التي قالت: “إنها كانت هزيمة لنا وأصبحت الوضعية لا تحتمل”.
لقد قتل للجنرال كودو أثناء الانسحاب الضابط الليوتنان فيرنيسي، وقتل له الليوتنان ديشان، وقتل له عشرون عسكريا، وجرح 18 جنديا، بينهم ضابطان.
وجاء جنرال آخر هو الجنرال هوري، الذي نصب قيادته العليا في تونفيت، ووضع تحت إمرته قوات جبارة مكونة من سبعة فرق وفيالق من السينغاليين والجزائريين، وثلاثة فرق محمولة، ونصب حول قيادته سبعة عشر مدفعا.
واستقر الجنرال كودو في آنفكو، والجنرال دوبويسون، وهو الجنرال الثالث، معززين بالكولونيل جيرار، استقروا في تيغريست.
ورغم ذلك، فإن كل تحركات الجيوش الفرنسية كانت تتم تحت غطاء القصف الجوي، ولهذا تمكن الفرنسيون من احتلال جبل ملول في 11 يوليوز 1933 بعد معارك ضارية، وبعد تعزيز القوات المتواجدة بفرق جديدة جاءت بقيادة الكولونيل دونيس والكولونيل ترانكي والكولونيل لاهور والكولونيل هوبيل.
ولكن سكان الجبال الذين لم يكونوا إلا متفرجين على المعارك بين المجاهدين والفرنسيين، لم يقبلوا بدورهم احتلال المنطقة من طرف الفرنسيين، فانطلقوا في عملية هجرة جماعية تاركين مداشرهم وخيامهم، متجهين نحو المصير المجهول، احتجاجا على الاحتلال الفرنسي، فلم يقبل الفرنسيون هذا الأسلوب الصادر عن السكان، وجاء الجنرال لوستال في 12 يوليوز 1933، ليمنع بواسطة قواته سكان المنطقة من الهجرة.
وتفرغت فرقة أخرى لضرب قبيلة أيت حديدو في منطقة نحاد منصور، بقيادة الكولونيل هوريل، فقتل له ثمانية وستون جنديا يوم 12 يوليوز 1933.
وفي 13 يوليوز 1933، خسر الفرنسيون في تاكاتيمت ثلاثة قتلى وعشرة جرحى.
وفي 14 يوليوز، قتل للفرنسيين ثمانية جنود وجرح 15 في معركة مع قوات الكولونيل بلان في تازاليمت، وأصبح الفرنسيون يعتقدون أنهم أسياد المنطقة بعد معارك 1933.. لولا أنهم بقوا بعد ذلك بكثير يشتبكون مع المجاهدين المغاربة عدة شهور، بل عدة سنوات، وأكبر دليل على استمرار المعارك في هذا الجبل، جبل ملول، أنه في شهر جوان 1935 قتل عدد من الجنود الفرنسيين، ومن بين القتلى كان الليوتنان فرومانتان.
إن قبائل أيت حديدو لم تقبل الاحتلال الفرنسي على الإطلاق، وجنوب تادلة، وفي كل منعرج ومرتفع.. كان الجهاد المغربي الذي بدأ قبل سنة 1912، لا زال مستمرا حتى سنة 1935، ونتجه جنوبا مع الأحداث لنقترب عبر جبال الأطلس المتوسط والكبير، من منطقة أخرى ذاق فيها الفرنسيون مرارة الرفض المغربي.



