توالي حالات الانتحار بجهة الشرق يضع الصحة النفسية والواقع الاجتماعي تحت المجهر

الأسبوع – زجال بلقاسم
تثير موجة الانتحار المتصاعدة بجهة الشرق، قلقا متزايدا في الأوساط الحقوقية والاجتماعية، بعد تسجيل منحى تصاعدي لا يمكن اختزاله في “وقائع معزولة”، بل إنه يؤشر على أزمة صامتة تضرب بعمق في النسيج المجتمعي؛ فخلال ستة أسابيع فقط (فبراير-أبريل الجاري)، تم رصد ثماني حالات موزعة على أقاليم الجهة، في تقارب زمني مريب يطرح تساؤلات حارقة حول مسببات هذا النزيف البشري، ومدى ارتباطه باختلالات بنيوية تتجاوز البعد الفردي لتلامس تعقيدات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي بالمنطقة.
وقد سجلت مدينة وجدة أقسى فصول هذه النازلة، بعدما عثر على رجل في الخمسينات من عمره جثة هامدة داخل شقته، في حادثة اكتنفها الغموض لوجود علامات جسدية استدعت فتح تحقيق قضائي وإخضاع الجثة للتشريح الطبي لتحديد الأسباب الكامنة وراء الوفاة. هذه الواقعة التي انضافت إلى سلسلة من الحالات المتفرقة جغرافيا والمتقاربة زمنيا، تعزز فرضية “ضغوط نفسية حادة” تعيشها فئات اجتماعية متباينة، وسط بيئة تتسم بهشاشة اقتصادية متزايدة وعزلة اجتماعية خانقة، تفتقر لآليات المواكبة النفسية الفعالة.
ويرى متتبعون للشأن المحلي، أن الغموض الذي يلف معظم هذه الحالات يحولها من مجرد أرقام إحصائية في التقارير الأمنية إلى أزمات نفسية داخل المجتمع، مما يتطلب كسر جدار الصمت المحيط بالصحة النفسية، كما أن تكرار هذه الحوادث يعكس، وفق قراءات سوسيولوجية، حالة من الانكفاء وضعف شبكات الأمان الاجتماعي التي كانت تحمي الأفراد من الانهيار، مما يضع المؤسسات المعنية أمام مسؤولية مباشرة لتفكيك شيفرة هذا اليأس الجماعي الذي بدأ يتسلل إلى بيوت الجهة بهدوء قاتل.
ويجمع فاعلون مدنيون على أن المقاربة الأمنية والتحقيقات القضائية، رغم ضرورتها القانونية، تظل قاصرة عن احتواء الظاهرة ما لم ترفق بمقاربة شمولية تعيد الاعتبار للصحة النفسية كأولوية عمومية، ليبقى المطلوب اليوم هو تجاوز منطق التشخيص السطحي نحو استراتيجية وقائية تقطع مع العزلة وتعيد بناء جسور التواصل بين الفرد ومحيطه؛ فالمكمن الحقيقي للخطر لا يتجسد فقط في فداحة الحوادث المسجلة، بل في خطر اعتياد المجتمع على هذه المآسي وتحولها إلى وقائع يومية عادية لا تحرك ساكنا.



