
في ظل التقارير والملاحظات التي بدأت تلاحق الأحزاب السياسية منذ حوالي أكثر من عقد من الزمن حول ضعفها وعدم قدرتها لا على الوساطة ولا على تأطير المواطنين، جاء الاجتماع الوزاري الأخير بالجديد، حيث قدم وزير الداخلية عرضا حول الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والمثير للانتباه أن ما حمله وزير الداخلية خلال عرضه كان بمثابة برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي كامل لمدة ثماني سنوات بميزانية ضخمة، ما يطرح عدة تساؤلات حول ماذا تركت الدولة للأحزاب السياسية من برامج تقدمها خلال حملتها الانتخابية القادمة.
أعد الملف: سعد الحمري
انتخابات 23 شتنبر 2026.. ماذا ستقدم الأحزاب ؟
شهدت نهاية الأسبوع الماضي أول اجتماع وزاري لهذه السنة برئاسة الملك محمد السادس، صدر عنه بلاغ كان في الحقيقة عبارة عن بعث الروح في الجهوية المتقدمة وفي الحياة السياسية بطريقة جديدة، والمقصود هنا العرض الذي قدمه وزير الداخلية حول الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، إذ أشار الوزير، حسب بلاغ الديوان الملكي، إلى أن إعداد هذه البرامج ارتكز على تنظيم مشاورات واسعة وعمليات إنصات على مستوى كافة عمالات وأقاليم المملكة، حيث تم القيام بتشخيص ترابي لكل عمالة وإقليم بناء على تحليل مختلف المؤشرات السوسيو-اقتصادية، وتحديد نقاط القوة والضعف فيما يخص ولوج الساكنة إلى الشغل والتعليم والصحة والماء وبرامج التأهيل الترابي، كما أبرز أن التقديرات الأولية للغلاف المالي الإجمالي لتنفيذ هذه البرامج على مدى 8 سنوات، ستبلغ ما يناهز 210 ملايير درهم (ما يقارب 22.5 مليار دولار بسعر الصرف الحالي)، وبخصوص تنفيذ برامج الجيل الجديد من التنمية الترابية المندمجة، فقد أسندت للعامل والوالي، حسب عرض وزير الداخلية.
هناك بعض الملاحظات بخصوص عرض وزير الداخلية:
– أولا: أن هذا البرنامج يمكن وصفه بالعرض السياسي والبرنامج المتكامل لثماني سنوات القادمة، ما يتجاوز حكومتين قادمتين، وهو وثيقة سياسية هامة جاءت في لحظة مفصلية، على اعتبار أن البلد مقبل على انتخابات تشريعية في 23 شتنبر المقبل، بدون حماس داخلي وبدون عروض سياسية جذابة.
– ثانيا: خلال نفس هذه الفترة من سنة 2021، كان هناك حماس منقطع النظير داخل الأحزاب، وكان التسابق على ما يسمى رئاسة “حكومة الدولة الاجتماعية”؛ حيث كانت الوعود الانتخابية في أوجها بين من يعد بالرفع في الأجور وآخر يقدم وصفات لشكل الدولة الاجتماعية، أما الآن، فإن ما يطبع الساحة السياسية هو حالة الجمود والفراغ الغريب وكأن الأحزاب السياسية استنفدت كل طاقتها وكل برامجها.. فلماذا لم تترك الدولة للأحزاب السياسية هامش تقديم مقترحات حول برامج الجيل الجديد من التنمية المندمجة المستدامة كي تنشط بها حملتها الانتخابية كما فعلت سنة 2021 ؟
ثالثا: أسندت كل برامج الجيل الجديد من التنمية المستدامة المندمجة، حسب عرض وزير الداخلية، للولاة والعمال، على مدى ثماني سنوات وبميزانية أولية ضخمة، وهنا يمكن القول أن وزارة الداخلية قدمت عرضها السياسي وبرنامجها الانتخابي للثماني سنوات القادمة.. فهل استنفدت الأحزاب كامل برامجها ومخططاتها لتحل محلها الدولة؟ وماذا تركت الدولة للأحزاب السياسية كي تقدمه خلال حملتها الانتخابية بعد هذا العرض السياسي الذي يمكن وصفه بالمتكامل ؟
في اتجاه منح وزارة الداخلية كامل الصلاحيات
منذ نهاية السنة الماضية، لوحظ مشهد جديد في الساحة السياسية؛ فمنذ خطاب العرش الأخير، كلف الملك وزير الداخلية بعدة مهام عوض إسنادها للجان مستقلة أو رئيس الحكومة.. فقد تم تكليفه بإعداد القوانين الانتخابية، وإعداد برنامج تقليص التفاوتات الجهوية، ثم توزيع الدعم على الكسابة من أجل إعادة تشكيل القطيع الذي كان من المفترض أن يرأسه وزير الفلاحة؛ فلم يكن تكليف ملك البلاد لوزير الداخلية بهذه الملفات الهامة وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكمات لوزارة الداخلية، حيث أن أم الوزارات راكمت تجربة مهمة في التعاطي مع الاحتجاجات، إذ
كانت هناك أزمات خلال فترات متقطعة، منها أزمة استفادة البيدوفيل الإسباني من عفو ملكي سنة 2013، ما أدى إلى ظهور حركات احتجاجية صغيرة، ثم تحولت إلى مظاهرات كبرى. يومها بدا واضحا عجز الحكومة عن التعامل مع هذه الحركة الاحتجاجية، ما جعل مراقبين يقولون بأن حكومة عبد الإله بن كيران جعلت المؤسسة الملكية في مواجهة مباشرة مع الشارع، وهذا أمر خطير، ثم جاءت أزمة سنة 2016، عندما اندلعت أحداث الريف، وهي عبارة عن حركة احتجاجية بدأت بفعل مقتل بائع للسمك طحنا في حاوية أزبال، وبدأت تكبر يوما بعد آخر حتى أصبحت أزمة كبيرة، ما استوجب التدخل العنيف لقوات الأمن.
ولم يقتصر دور الداخلية على التعاطي مع الاحتجاجات، بل إن الوزارة كانت على موعد جديد مع شكل آخر من التدخل، حيث لعبت دور الوسيط انطلاقا من سنة 2019، على خلفية احتجاجات “الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد”، والبالغ عددهم 55 ألفا. يومها أقدمت الحكومة في خطوة جديدة لنزعِ فتيل الأزمة، على تكليف وزارة الداخلية بـ”فتحِ حوار حول المشكل المطروح” مع النقابات التعليمية بحضور الأساتذة المعنيين، عندما لم تنجح مبادرة وزير التربية الوطنية والتعليم العالي يومها، سعيد أمزازي، في إرجاع الأساتذة الغاضبين إلى المدارس، فقامت مجموعة من العمالات والولايات بتقديم استدعاءات للفروع الإقليمية والجهوية للنقابات التعليمية مع “التأكيد على حضور الأساتذة المعنيين”، الذين كان يرفض وزير التربية الوطنية الجلوس معهم من أجل التوافق على حل ينهي الأزمة، وبتدخل وزارة الداخلية انتهت الأزمة الطويلة بتوقيع ملحق العقد وكل ما له علاقة بالنظام الأساسي الخاص بموظفي الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.
ثم تدخلت وزارة الداخلية مجددا على خط الاحتقان بين وزارة التربية الوطنية وأسرة التعليم مرة أخرى سنة 2023، وذلك على خلفية رفض أسرة التعليم لـ”النظام الأساسي الجديد”، الذي بسببه دخل الأستاذة في إضراب لما يزيد عن ثلاثة أشهر.. وقد أسندت لعمال الأقاليم مهمة ترأس اجتماعات موسعة بين مختلف المتدخلين، من مدراء المؤسسات التعليمية العمومية وممثلي جمعيات وآباء وأمهات التلاميذ، وبحضور النواب الإقليميين للتعليم، من أجل الدفع قدما بتنزيل ما جاء في الاجتماع الحكومي مع النقابات، والتي تعهد من خلالها رئيس الحكومة أخنوش بـ”تجميد النظام الأساسي” والعمل على مراجعته خدمة لأسرة التعليم وتحسين الدخل لرجال ونساء التعليم.
وعندما اندلعت حركات احتجاجية انطلقت من أكادير على خلفية تردي الخدمات الصحية، وانتشرت في عدة مناطق، ظهرت وزارة الداخلية بيقظة مبكرة؛ فقد أصدرت أمرا مركزيا يقضي بمنع كافة الأشكال الاحتجاجية أمام المستشفيات الجهوية والإقليمية، وبدورها أصدرت السلطات المحلية بعدد من مدن جهة سوس ماسة، ضمنها أكادير وتزنيت وطاطا، قرارات إدارية تقضي بمنع تنظيم أي أشكال احتجاجية أمام المستشفيات الجهوية والإقليمية.

الهوامش.. الخطر القادم على الدولة
إلى جانب كل هذه النجاحات التي راكمتها وزارة الداخلية، يسجل في المقابل متابعة عدد من المنتخبين ورؤساء الجماعات بتهم الفساد، ما جعل وزارة الداخلية تسند هذا الورش الكبير، الذي قدر عمره الأولي بثماني سنوات كاملة، إلى الولاة والعمال وليس إلى المنتخبين.
كما أن هناك مشكلا جديدا بدأ يلوح في الأفق، ويتعلق الأمر بالحركات الاحتجاجية التي لوحظ في الآونة الأخيرة أنها لم تعد تنطلق من المدن الكبرى، حيث أصبحت تنطلق من البوادي والمدن الصغرى، وهي مناطق لم تشكل أي تهديد على المغرب منذ الاستقلال، غير أن الوضع بدأ يتغير.. فقبل سنة من الآن نزلت ساكنة أيت بوكماز، تلك القرية الصغيرة الواقعة في رحم الأطلس المتوسط، ضيفا راقيا على عامل إقليم أزيلال، حيث مشى سكانها حفاة إلى مقر العمالة من أجل لقاء عامل الإقليم وتقديم لائحة مطالبهم، والغريب في الأمر، أن القرية تحركت كاملة حيث كان ضمن القافلة شيوخ وأطفال، نساء ورجال.. كلهم ذهبوا إلى العمالة في مشهد أقل ما يقال عنه أنه إعجاز في الاحتجاج، مسيرة سلمية تشبه في شكلها المسيرة الخضراء المظفرة، أوصلت رسالة إلى السلطة مفادها نحن هنا وهذا صوتنا.
ثم قبل أيام، شهدت منطقة قروية بقلعة السراغنة، انتفاضة ضد السلطات خلفت عدة إصابات من الجانبين.. فهل استشعرت الدولة الخطر وأدركت أن الوقت لم يعد ينفع، وأن منح المنتخبين مهمة تنفيذ ورش الجيل الجديد من التنمية المستدامة المندمجة من شأنه أن يزيد الطين بلة؟ فعلى هذا الأساس أدركت أن الأحزاب السياسية والمنتخبين لا فائدة منهم.. ففي الواقع بدأت البوادي تعرف عدة تحولات، أهمها أن بناء عدة مؤسسات جامعية في السنوات الأخيرة في المدن الصغرى، ساهم في تلقي أبناء هذه المناطق تعليما جامعيا جعلهم يصبحون صوتا يطالب بحقه في التنمية، ومن الممكن أن تقارير وزارة الداخلية والجهات الأمنية تفيد بأن المشكل مستقبلا قد يصبح في البوادي.
يذكرنا ما فعلته الدولة اليوم، بما حصل بعد أحداث فاس 1990، عندما حمل الملك الحسن الثاني المسؤولية للمنتخبين، وليس لرجال وزارة الداخلية، في تردي الأوضاع والوصول إلى ما وصلت إليه، عندما خاطب الملك العمال الجدد قائلا: ((نعم، نعلم أنه بمقتضى قانون 1976 ألحقنا بعض الاختصاصات التي كانت بيد العمال بالمجالس المنتخبة، ومن جملة ما ألحقنا من مسؤولية جسيمة، السكن ورخصة السكن والبناء، والحق يقال إنه منذ سنة 1976 لا يمكننا أبدا أن نلصق أي مسؤولية أو تهمة مباشرة بعمالنا، فإذا كان هناك لوم فيجب أن يوجه للمنتخبين من الجماعات المحلية، ولكن مع ذلك، لا يجب على العامل أن يغض الطرف، فأنتم عين المخزن، وأنتم ممثلو السلطة المركزية، وممثلو الملك طبقا للدستور، فليس كوننا جردناكم من اختصاص يعني أنكم تمرون على المنكر ولا تنهون عنه، فمسؤوليتكم، وإن لم تكن مسؤولية قانونية ولا إدارية، هي مسؤولية المواطن ومسؤولية المتصرف باسم أمير المؤمنين ملك المغرب.. فأملي في هذا التقطيع الجديد أن تكون الشبكة الإدارية متماسكة أكثر، ومتماثلة أكثر، ويتعين على عمالنا الجدد أن يعلموا أنه يمكنهم، بل من واجبهم أن يتكئوا بكل مسؤولية على الولاة الذين عيناهم على رأس فاس ومراكش ومكناس، فكلكم في مركبة واحدة، وكلكم أمام مسؤولية واحدة، فأملي أن تُعطي هذه التجربة الثمار المنتظرة منها، وأوصيكم بالتقرب قبل كل شيء من رعايانا)).
فهل اقتنعت الدولة اليوم بأن الأحزاب السياسية لا خير منها، وأن أهم حزب وأفضل خيار هو العودة لوزارة الداخلية وإسناد كافة المهام المصيرية للولاة والعمال أفضل من انتظار انتخاب رؤساء جماعات ربما يتورطون في تهم فساد، وبذلك تهدر أموال الدولة وتذهب إلى جيوب المنتخبين بدون عناء، خاصة وأننا أمام ميزانية ضخمة مقدرة بحوالي 22 مليار دولار، مع العلم أن الخبراء يقدرون أن إعادة إعمار دولة كاملة سوتها الحرب مع الأرض يكلف حوالي 40 إلى 60 مليار دولار؟ وهل نكون على موعد مع إعادة بناء المغرب من جديد ؟




