الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | “معركة الجهاد” بين سيدي رحو وموحى وحمو الزياني

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 160"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى العلوي
بقلم: مصطفى العلوي

لقد كانت دعوة موحى وحمو الزياني إلى الجهاد تتناقلها الجبال وترددها الوديان، وتصدح بها أشجار الغابات.. وكان كل طفل وامرأة وكل رجل، يتصور أن الأصداء التي ترددها الأجواء الموحشة في كل موقع قدم من جبال الأطلس من مكناس إلى خنيفرة، إلى تادلة وإلى مراكش.. إنما هي ترديد لدعوة موحى وحمو، كما أن استشهاده البطولي على ظهر فرسه سنة 1921، حول دمه إلى شلال نهلت منه أجيال الأطلس، إلى أن تم طرد أولئك المهاجمين الذين ضربهم موحى وحمو، وعاد العلم المغربي يرفرف على مركز الهري مثلما كان أيام موحى وحمو، الذي لم ير في حياته علما فرنسيا.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويسمح موقع الهري، عرين موحى وحمو الزياني، بفضل موقعه الاستراتيجي، بأن يكون قلب المعارك التي عرفتها مناطق الأطلس المتوسط.. إن الطريق من خنيفرة إلى فاس يمر عبر تيمحضيت، وعبر عين اللوح، وهناك كانت تيارات بطولات موحى وحمو تهز الأرض من تحت أقدام الجيوش الفرنسية الغازية، التي كانت تبعث قواتها إلى حصار تيار موحى وحمو بنجدات من فاس ومن مكناس.

وكانت القوات الفرنسية في كل تحركاتها مدفوعة بروح الانتقام من ضحايا معركة الهري، معتبرة أن كل متحرك في المنطقة إنما هو صورة من موحى وحمو، لذلك كان القصف المدفعي لكل المداشر المشتتة على الجبال وفي السهول، من والماس غربا إلى كيكو، إلى عين اللوح، وإلى مريرت وتيمحضيت، وهنا كان الليوتنان فابلي، يوم 12 فبراير 1917، يخوض معارك ضد السكان الآمنين، حينما هبت لوقفه قوات زيان في معركة لقي فيها حتفه مع عدد من جنوده.

وفي 17 فبراير، خمسة أيام فيما بعد، جرت معركة أخرى في النوصر قتل فيها رئيس الحامية، القبطان فيري، وطبيب الفرقة العسكرية الدكتور العسكري ملين.

وفي طريق إمدادات عسكرية جاءت من مكناس، كانت تنصب المدافع في جبل حيان، لأداء مهمتها في قصف القرى، فانبرت لها فرقة من زيان يوم 17 مايو 1917، كانت متحصنة في غابات جبل أنفكو واستمرت المعارك إلى 2 جوان 1971، واكتفى الفرنسيون بالحديث عن خسائر في الأرواح.

لقد دفنت أخبار المواقع في جبال الأطلس، هناك حيث كانت قبائل زيان وبني وراين تحول دون الفرنسيين وبين فتح الطريق بين مكناس وخنيفرة، وبين مكناس وتافيلالت، واستمرت المناوشات التي كان الفرنسيون يستعملون فيها العملاء، أمثال ولعايدي، وهو زياني انحاز لجانب الفرنسيين وقاتل باسمهم.

والغريب، أن الفرنسيين لم يذكروا عدد قتلاهم في أي معركة من هذه المعارك التي استمرت من سنة 1917 إلى سنة 1920، ونجد الكولونيل فوانو يقول في سرده: ((يوم 23 مايو 1920، هوجمت قواتنا في تيمحضيت من طرف قوات سيدي رحو، وقتل لنا عدد من الجنود بينهم القبطان أربو))، ويضيف واصفا معركة أخرى: ((وفي 29 مايو 1920، جرت معركة للاستيلاء على رأس الطرشا، خضناها بالرماح وكلفتنا خسائر فادحة، لقد كنا نصطدم مع مقاتلين عنيدين، كانوا يتبعوننا خطوة خطوة، يتبعوننا من صخرة لصخرة.. إلى درجة أننا في معركة قمة جبل القباب، تركنا بين أيدي الثوار الليوتنان موران)).

والواقع، أن هذا السرد الذي رأينا كيف يتجاهل الخسائر، إنما كان يتحدث عن معارك متعددة كتلك التي جرت أيام 27 و28 و29 جوان 1920، في تيزي نلافيت، أحاطت فيها قوات البطل سيدي رحو بالفرنسيين، وقتل في تلك المعركة ستة عشر جنديا فرنسيا بينهم الليوتنان موران، وبقي على أرض المعركة 56 جريحا. موران هذا لم يمت في معركة 29 مايو كما قال المؤرخ فوانو، وإنما في معركة أخرى أخفاها.

إن منطقة رأس الطرشا التي تحدث عنها المؤرخ الفرنسي في الفقرات السابقة، بقيت في قبضة المجاهدين المغاربة، وجرت فيها معركة أخرى يوم 25 جوان 1921، خاضها الجنرال تيفني على رأس 21 فرقة مشاة وفرقتين محمولتين وفرقتين للمدفعية، وكان يساعد الجنرال ضابطان من رتبة كولونيل، الأول الكولونيل غراسيي، والثاني الكولونيل بونار، واشتبك الطرفان على صخور الجبل بالسلاح الأبيض، وقد قتل في هذه المعركة التي توسعت من رأس الطرشا إلى جبل حيان، واحد وثلاثون قتيلا فرنسيا بينهم الليوتنان مارتيني والليوتنان فواتوري، وأحد عشر قتيلا لم يعثر على جثثهم، و99 جريحا.

ويوم 27 جوان، استؤنفت المعارك في نفس الموقع بعد وصول إمدادات جديدة للفرنسيين، كان المجاهدون يلقون فيها بالجنود الفرنسيين من أعلى قمم الجبال، وفي المعركة، قتل القبطان شياب، والقبطان دري، كما قتل اثنان وأربعون جنديا، وجرح 33، بينهم القبطان لوكران، واضطر الفرنسيون للانسحاب من مركز بيكري يوم 13 يوليوز 1921.

وعاد الجنرال بويميرو والجنرال تيفني على رأس اثني عشر ألف عسكري لمحاولة احتلال بيكري يوم 4 شتنبر، وقتل للفرنسيين أربعة عشر جنديا وجرح 49.

لنحاول تصور جبل واحد، يحيط به اثنا عشر ألف جندي فرنسي بمدافعهم والطائرات المحلقة تنفث القنابل في معركة واحدة استمرت من 29 مايو إلى 13 يوليوز 1921، وعلى الشمال الشرقي لخنيفرة، وفي منطقة بولمان التي تربط منطقة الشمال الشرقي بجبال الأطلس المتوسط، وقع استنفار قبائل أخرى لضرب الفرنسيين والحيلولة دون السماح لهم بربط الاتصال بين الأطلس والشمال الشرقي؛ هذا الشمال الشرقي الذي رسم ليوطي احتلاله بجرة قلم، تحت جملة “طريق وجدة – فاس”، فكانت جرة سيأتي الحديث عنها.

وكان الفرنسيون قد بنوا أول مراكزهم في منطقة بولمان سنة 1915، لمنع أي اتصال بين قبائل الشمال والوسط، لكن المنطقة هناك كانت على أيدي رجال غلاظ شداد من أيت سغروشن يتزعمهم بطل من أبطال الجهاد، اسمه سيدي رحو، كالصقر المهيمن على جبل بيشوكت، كلف الفرنسيون باقتناصه جنرالا من أكبر ضباطهم، هو الجنرال هنريس.

هذا الجنرال الذي تعرفه زيان ويعرفها، والذي كتب عنه المؤرخ الاستعماري موني سابين، في مذكراته “السلم بالمغرب”: ((لقد فتحنا جبهة جديدة، سياسية للتفرقة بين زمور وزيان، حتى تتمهد الطريق لقوات الجنرال هنريس)).

وها نحن نجد الجنرال هنريس في المنطقة الأخرى، إذن، مسبوقا بنفس المخطط.

وكان أول لقاء بين الجنرال هنريس وسيدي رحو في كيكو يوم 7 يناير 1916، قتل فيه للجنرال عسكريان إضافة إلى الليوتنان فويتس.

وقد هاجمت قوات سيدي رحو في تاغزوت ليلة 15 جوان 1916، واستمرت المعركة يومين، ومرة أخرى كتب الفرنسيون: “لقد كانوا عشرة مغاربة ضد فرنسي”.

وفي هذا من المبالغة ما فيه.. فقد كان بهذا المركز (تاغزوت) جيش من الفرنسيين والسينغاليين والمجندين، والمدافع المنصوبة على الجبال، ولهذا، ولأنهم كانوا يقاتلون بنسبة فرنسي ضد عشرة، فإنهم لم يذكروا أي رقم عن الخسائر، واكتفوا بالقول: ((إن القبطان سان مارتان قاتل حتى الموت، ومات الليوتنان فوريس وقتل رجال المدفعية عن آخرهم فوق آلياتهم، وكانت خسائرنا فادحة..)).

واحتلت قوات سيدي رحو مركز تاغزوت، وهرولت قوات من مكناس بقيادة الجنرال بويميرو، وكان لا زال كولونيلا، فقطعت المسافة بين مكناس وتاغزوت، 72 كيلومترا، في ثلاث وثلاثين ساعة، ووفر عليها رجال أيت سغروشن متاعب إنهاء الطريق، فاعترضوها في الميس يوم 21 جوان 1921، ولم يصل بويميرو لهدفه، بل جاء الجنرال أوبير بنجدات مكونة من 8200 عسكري إضافي، لتصفية حساب سيدي رحو؛ فقد جاء مضطرا، بعد عشرة شهور من احتلال مجاهدي أيت سغروشن لتاغزوت، ووصل في 27 أبريل 1922 ليشتبك مع قبائل أيت يوسى، وشرعت الإمدادات الفرنسية تتوافد بآلاف الجنود على المنطقة، بعد أن أصبح بويميرو جنرالا، إضافة إلى الجنرال تيفني وعشرات الضباط.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى