تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | الانتخابات الفرنسية.. والوزيرة المسيحية التي قالت “نعم” للمسجد

مفاتيح إمارة المؤمنين في أوروبا

((على الرغم من أننا نواجه صعوبات اليوم وغدا، فلا يزال لدي حلم.. لدي حلم بأن هذه الأمة ستنهض ذات يوم وتحيا المعنى الحقيقي لعقيدتها.. لدي حلم أنه في يوم من الأيام سوف يرتفع كل واد، وأن ينخفض كل تل وجبل، وستكون الأراضي الوعرة سهلة، ويستقيم المعوج.. “فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر معا”. هذا هو أملنا، وهذا هو الإيمان الذي أعود به إلى الجنوب.. بهذا الإيمان سنكون قادرين على قطع جبل اليأس حجر أمل، بهذا الإيمان سنتمكن من تحويل الخلافات المتوترة لأمتنا إلى سيمفونية أخوية جميلة، بهذا الإيمان سنتمكن من العمل معا، والصلاة معا، والنضال معا، والذهاب إلى السجن معا، والدفاع عن الحرية معا، مع العلم أننا سنكون أحرارا يوما ما.. عندما نسمح للحرية بالرنين، عندما ندعها ترن من كل قرية وكل قرية صغيرة، من كل ولاية وكل مدينة، سنكون قادرين على الإسراع في ذلك اليوم عندما يكون جميع أبناء الله، الرجال السود والبيض، سيتمكن الرجال واليهود والأمم والبروتستانت والكاثوليك من التكاثف والغناء في كلمات الروحاني الزنجي القديم.. حر أخيرا! حر أخيرا!.. الحمد لله تعالى نحن أحرار أخيرا !)).

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

الكلمات أعلاه مقتطف من أشهر خطاب تاريخي في مجال الدفاع عن الحقوق المدنية، وقد ألقاه مارتن لوثر كينغ، الزعيم الأمريكي من أصول إفريقية، وأحد أهم الشخصيات العالمية في الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان، والذي اشتهر بمعاركه ضد التمييز العنصري، ما أهله لأن يصبح أصغر فائز بجائزة نوبل للسلام.. غير أن هذا الرجل الذي اغتيل سنة 1968، سيجد مكانا بدون عناء صباح يوم الخميس 27 شتنبر 2012 في تدشين المسجد الكبير لستراسبورغ، ومن لا يعرف ستراسبورغ لا يعرف بالتأكيد العمق الفرنسي؛ فهذه المدينة هي عاصمة إقليم الألزاس، وهو الإقليم الذي كان بطل نزاع ترابي بين ألمانيا وفرنسا، وما زالت أثار ذلك قائمة إلى اليوم(..)، والمهم أن استحضار مارتن لوثر كينغ، المسيحي، ذلك اليوم إلى تلك المدينة الهادئة، جاء على لسان المؤرخ الكبير عبد الله بوصوف، الذي لا يعرف كثيرون أنه بمثابة “غلادياتور”  (Gladiator) حقيقي فيما يتعلق بالعمل في المجتمع المدني، بل إنه يقف وراء مشاريع وأفكار استفاد منها الآلاف داخل وخارج المغرب، غير أنه لم يكن يتحدث ذلك اليوم سوى بوصفه العميد السابق لمسجد ستراسبورغ، وصاحب فكرة المسجد الكبير.. وذلك باعتراف الإعلام الفرنسي، وهي نفس الصفات التي تم السكوت عنها، لغاية في نفس يعقوب(..) في الإعلام المغربي (الوطني يا حسرة)، حيث تمت الدعاية لحضور شخصيات رسمية، يفوقها عبد الله بوصوف من حيث الخبرة والتجربة وخدمة إمارة المؤمنين، وما زال العاطي يعطي..

تتمة المقال تحت الإعلان

الواقع، أن قصة المسجد الكبير يقف وراءها رجال ونساء ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل بناء بيت من بيوت الله، ووصل الأمر إلى حد تهديدهم في حياتهم وحياة المقربين منهم، من طرف المتطرفين(..).

تتمة المقال تحت الإعلان
صورة تؤرخ لزيارة الرئيس شيراك وجوسبان للمغرب في عهد الحسن الثاني وفي في الخلف تظهر صديقة المسلمين الوزيرة كاترين تروتمان

ولحد الآن، يطرح السؤال: ما أسباب نزول الحديث عن مسجد ستراسبورغ الكبير في هذا التوقيت بالضبط؟ ولماذا يفرح المغاربة، خدام إمارة المؤمنين(..)، كلما ذكر اسم هذا المسجد ؟

الجواب كالتالي: نحن الآن في شهر مارس 2026، وقد شاءت الأقدار أن يتزامن هذا الشهر مع شهر رمضان الذي بالكاد انصرفت أيامه، والحديث عن مسجد ستراسبورغ في شهر مارس تفرضه النتيجة التي آلت إليها الانتخابات البلدية الفرنسية هذه الأيام، وخاصة في ستراسبوغ، والنتيجة كانت هي فوز Catherine Trautmann، إحدى أيقونات اليسار الفرنسي، وهي نفسها المرأة التي لعبت دورا كبيرا في التحضير لبناء المسجد الكبير في هذه المدينة، رغم أنها مسيحية متخصصة في اللاهوت البروتستانتي (مذهب بجانب الكاثوليكية والأرثوذكسية يؤمن بأن الكتاب المقدس وحده هو مصدر التعاليم)، وقد صادف شهر رمضان الكريم أولى الاجتماعات التي خصصت للقاء معها كعمدة للمدينة، من أجل إقناعها بالمشروع، وقد كان ذلك في شهر رمضان، عبر لقاء دام أكثر من ساعتين في مارس 1993..

السيدة كاترين تروتمان هي وزيرة الثقافة والناطقة الرسمية في حكومة ليونيل جوسبان، ويا لها من مفارقة في هذا الزمن.. فشهر مارس الذي شهد ولادة جديدة لكاترين تروتمان، هو نفسه الشهر الذي غادر فيه إلى دار البقاء ليونيل جوسبان، الرجل الذي كان قد حظي بتقدير الملك الراحل الحسن الثاني، وكانت له لقاءات مع الراحل عبد الرحمان اليوسفي، الذي كان بصدد الاستعداد لقيادة حكومة التناوب التوافقي سنة 1997، وقتها خصه الملك الراحل الحسن الثاني باستقبال استثنائي ووشحه بالحمالة الكبرى للوسام العلوي (المقصود جوسبان)، ويحسب لجوسبان إيمانه بفكرة “اليسار التعددي”، وهو اليسار الذي يجمع الخضر والشيوعيين..

تروتمان
تروتمان

بعيدا عن جوسبان، وقريبا من قصة المسجد الكبير، الذي لم ير النور إلا بعد 20 سنة من الكفاح الميداني(..)، يحكي عبد الله بوصوف، وهو واحد من أعمدة الجالية المغربية في الخارج، قبل أن ينتقل إلى خدمتها انطلاقا من الداخل(..)، في كتاب سردي مؤلم تحت عنوان: “الغرفة 305.. مخاض الولادة الثانية”، وهو عبارة عن سيرة ذاتية لرجل عائد من الموت، عقب حادثة سير مفجعة(..)، ومرض السرطان(..)، قائلا: ((لم يمر الكثير من الوقت حتى حدد موعد مع عمدة مدينة ستراسبورغ السيدة كاترين تروتمان، وقد صادف شهر رمضان الكريم، ودام أكثر من ساعتين في مارس 1993، استمعت لطلباتنا بكل إمعان، كانت سيدة فاضلة وتكوينها في علم “اللاهوت البروتستانتي” سهل عملية التواصل معها، أما انتماؤها السياسي للحزب الاشتراكي، فسيجعلها فيما بعد وزيرة الثقافة والناطقة الرسمية في حكومة ليونيل جوسبان الاشتراكية.. كنا حاملين لحلم جالية طموحة ببناء مسجد جديد، لكن الهواجس السياسية للسيدة العمدة، وخوفها من رد فعل أحزاب اليمين والكتلة الناخبة ضدها، جعلها تقترح علينا موقعا بعيدا عن مركز المدينة، لم تتوقع هي ردنا الرافض والقاطع، لاعتقادنا أن المسجد يجب أن يكون جزء من المشهد المعماري للمدينة؛ فهو لجميع المواطنين وليس للمسلمين فقط، ومن جهة ثانية، فالمسلمون يجب أن يحسوا بأنهم جزء من هذه المدينة، لأن هذا عنصر كبير في عملية الاندماج، كما أنه يساهم في تقريب غير المسلم من قبول العلاقة مع الإسلام، ولو في جانب البعد المرئي)).

تبعا لما سبق، كان من الطبيعي أن يكون أول المعلقين على خبر فوز كاترين تروتمان بالانتخابات، هو نفسه الدكتور عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية، الذي قال مباشرة عقب الفوز، ما يلي: ((في لحظة سياسية ذات دلالة عميقة، عادت السيدة كاترين تروتمان إلى واجهة التدبير المحلي بانتخابها مجددا عمدة لمدينة ستراسبورغ، بعد مسار حافل امتد لعقود، انتقلت خلاله من قيادة المدينة إلى مواقع المسؤولية الوطنية، ضمن حكومة ليونيل جوسبان، حيث شغلت منصب وزيرة الثقافة والناطقة الرسمية باسم الحكومة.. غير أن دلالة هذا الحدث لا تقف عند حدود التداول الديمقراطي على السلطة، بل تتجاوز ذلك إلى رمزية أعمق ترتبط بنموذج سياسي ظل لسنوات عنوانا للانفتاح والتعددية.. فاسم تروتمان يرتبط في ذاكرة كثيرين بمواقف عملية دعمت حضور الإسلام الأوروبي في سياق مدني متوازن، وعلى رأسها دعمها لمشروع مسجد ستراسبورغ، الذي لم يكن مجرد بناية دينية، بل تعبيرا عن اعتراف مؤسساتي بحق المسلمين في الاندماج ضمن الفضاء العام دون تنازل عن هويتهم.. لقد كانت تروتمان من السياسيين الذين فهموا مبكرا أن إدارة التعدد الديني والثقافي لا تكون بالإقصاء أو التجاهل، بل بالاحتضان الواعي والمنظم، ومن هذا المنطلق، فتحت قنوات التواصل بين الفاعلين المسلمين والمؤسسات الأوروبية، خاصة داخل البرلمان الأوروبي، مستفيدة من تجربتها كنائبة برلمانية، وساهمت في ترسيخ حضور ستراسبورغ كعاصمة أوروبية لا فقط من حيث الجغرافيا، بل من حيث القيم)) (المصدر: تعليق عبد الله بوصوف).

ذكريات لا تنسى عن مسجد ستراسبورغ.. مشاورات وحضور رسمي مغربي فرنسي

نفس الكاتب يقول: ((لا يمكن الحديث عن ستراسبورغ دون استحضار مكانتها الخاصة داخل البناء الأوروبي؛ فهي تحتضن مؤسسات محورية مثل مجلس أوروبا (Council of Europe) والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (European Court of Human Rights)، حيث تُصاغ المعايير الحقوقية وتُناقش القوانين التي تمس حياة ملايين الأوروبيين. في هذا السياق، يصبح لدور العمدة بعد يتجاوز المحلي، ليطال صورة أوروبا نفسها)).

المسجد مفخرة للمغاربة، ولإمارة المؤمنين، حيث تعد الدولة المغربية أكبر المساهمين في تمويله بالإضافة إلى المتطوعين(..)، وربما حان الوقت ليتحرك المغاربة من جديد في فرنسا؛ فهذا المشروع وغيره يتعرض لتحرش كبير من طرف خصوم إمارة المؤمنين وأعداء الوحدة الترابية، الذين ينفثون سمومهم في أوروبا باستعمال الدين، ما يعني أن التحرك مطلوب بشكل مستعجل، خاصة مع ظهور وثائق ومشاريع فرنسية أخطأت في فهم دور “الإمام” وحاولت تجاوز جامعة القرويين، وأفكار إمارة المؤمنين، التي تأكد مع الزمن صواب اختياراتها، بخلاف مناهج أخرى لم تحصد سوى العنف والتطرف..

يمكن القول إن سيدة مثل كاترين تروتمان، لا ينبغي أن تترك ضمن “برنامج أهداف” خصوم المغرب، خاصة وأن التجربة أثبتت ميلها نحو الأفكار التعددية والتسامح، ولم لا تكون ستراسبورغ بابا آخر من أبواب إمارة المؤمنين في أوروبا (..)، خاصة مع الشراكة المغربية الفرنسية العميقة، والتي توجت باعتراف فرنسا بالحكم الذاتي ومغربية الأقاليم الجنوبية، ما يعطي لهذه الشراكة طابعا بعيدا(..).

عبد الله بوصوف
عبد الله بوصوف، صاحب فكرة المسجد الكبير بستراسبورغ

ولمن يظن أن بناء مسجد ستراسبورغ معركة سهلة، يكفيه أن يقرأ في مذكرات عبد الله بوصوف عن قصة مسجد ستراسبورغ وهو يقول: ((لقد كان تعامل السيدة كاترين تروتمان مع مسألة بناء مسجد كبير بالمدينة، في غاية النبل والدبلوماسية، مع الحيطة من ردات فعل حزب اليمين المتطرف، وقد سار على نهجها السيد رولان رايس، العمدة الجديد، بعد أن تم استوزار السيدة كاترين تروتمان كوزيرة للثقافة والناطق الرسمي في حكومة ليونيل جوسبان.. 22 ماي 2000 كان يوما غير عادي خارج مبنى البلدية، وكذا في أروقتها، حيث الحضور اللافت لرجال الأمن، فاليوم سيعرض للتصويت ملف المسجد على أنظار المجلس البلدي.. وهو ما جعل حزب الجبهة المتطرف يقوم بإنزال كبير بإحضار مؤيديه إلى مقر المجلس وفي مقدمتهم برينو ميغري، الرجل الثاني في الحزب بعد جان ماري لوبين.. حملوا معهم الكثير من الرايات الفرنسية ورددوا شعارات عنصرية مثل: “لا لأسلمة فرنسا”، و”لا للمسجد..”، وغيرها من شعارات العنصرية والكراهية، ونظموا وقفات واحتجاجات أمام مبنى البلدية.. كل هذا للتشويش ومحاولة التأثير على تصويت المجلس البلدي.. بالمقابل، كان حضور الجاليات المسلمة والمتعاطفين لافتا في مكان مخصص للعموم بمقر المجلس، وقد حال وجود رجال الأمن بكثافة في عين المكان دون حدوث اصطدامات بين الطرفين..)) (نفس المصدر).

في مدينة ستراسبورغ، توجد مقرات فخمة لمؤسسات حساسة، كالبرلمان الأوروبي والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمجلس الأوروبي، إضافة إلى عشرات المؤسسات، ما يعني أن المسجد صار صوتا باسم الإسلام في أوروبا للدفاع عن حقوق المسلمين أمام تلك المؤسسات.. وقد تحقق حلم عبد الله بوصوف ورجال “صدقوا ما عاهدوا الله عليه”، ولكن ذلك لم يكن ليتم لولا مشاركة منتسبين لديانات أخرى، بل وملحدين(..)، فضلا عن مشاركة النساء؛ فعند سؤال العمدة عن التمويل (المقصود كاترين).. كان جوابنا جاهزا: ((فقد تبرعت نساء ستراسبورغ (طبعا إلى جانب الرجال) من أجل بناء مسجد يذكر فيه اسم الله، كنا على علم تام بأن التمويل هو أحد معوقات المشروعات الكبرى)).. هكذا تحدث أصحاب الحلم قبل تحقق الحلم، ويستمر الحلم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى