المنبر الحر

ليبيا بين الوثيقة المسربة وسؤال الحياد.. قراءة دبلوماسية شاملة

بقلم : محمد اعبيدو

 أعاد تسريب وثيقة دبلوماسية موجهة إلى وزير الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، من ممثل المغرب لدى الأمم المتحدة، فتح ملف الوساطة في ليبيا على مصراعيه، وكشف عن التعقيدات التي تحيط بالأدوار الإقليمية، وحدود الحياد السياسي، ومسألة الثقة بين الأطراف الليبية.

الوثيقة المؤرخة في 2 أكتوبر 2014، تحمل تصنيفا سريا، وتعد رسالة داخلية تهدف إلى اطلاع أعلى سلطة دبلوماسية مغربية على تطورات الأزمة الليبية وتحليل فرص دعم المسار الأممي، بما يضمن توحيد الجهود وتفادي تضارب المبادرات الإقليمية.

تتمة المقال تحت الإعلان

الوثيقة في صميم الحدث

تتمة المقال تحت الإعلان

تكشف الرسالة عن لقاءات ومشاورات قام بها السفير المغربي مع مسؤولين أمريكيين وأمميين، وتوضح وجود تنسيق مغربي-أمريكي مباشر في الملف الليبي تحت إشراف الأمم المتحدة، بهدف دعم جهود المبعوث الأممي آنذاك، برناردينو ليون، وتعزيز المسار السياسي الموحد دون تشتيت المبادرات، كما أبرزت الوثيقة استعداد المغرب لتنظيم لقاءات موازية لدعم المسار الأممي، ضمن إطار شرعي دولي، بعيدا عن أي انحياز لطرف محدد.

تتمة المقال تحت الإعلان

الجزائر.. احتلال وتحديات وفقدان الثقل الجيوسياسي

على الرغم من أن تسريب الوثيقة جاء بمبادرة جزائرية، فإن الجزائر تواجه تحديات حقيقية في الأزمة الليبية؛ فهي تحتل أجزاء من التراب الليبي وترتبط بحدود مباشرة مع ليبيا، ما يجعل أي وساطة لها موضع شك من حيث الحياد، كما أن الجزائر لا تملك الثقل الجيوسياسي اللازم للضغط أو التأثير في الملف الليبي، بينما بعض الفرقاء الليبيين، خاصة في الشرق، يعبرون عن رفضهم لأي دور جزائري، معتبرين أنها طرف متأثر بالأزمة، وليست وسيطا موثوقا به.

المغرب.. حياد وفعالية أممية

في المقابل، يظهر المغرب كفاعل يحافظ على مسافة واحدة من جميع الفرقاء، وهو ما أكده وزير الخارجية ناصر بوريطة، مؤكدا أن المغرب لا مصلحة له في ليبيا، وأن دوره يقوم على دعم الحل السياسي ضمن إطار الشرعية الدولية، بعيدا عن الانحياز لأي طرف.

وقد تجسد هذا الدور في “اتفاق الصخيرات” 2015، الذي رعته الأمم المتحدة ووفر منصة للحوار بين الأطراف الليبية، وشكل محطة مفصلية في مسار الحل السياسي، ويعكس هذا الدور قدرة المغرب على لعب دبلوماسية فعالة، تقوم على الحوار والاحتضان، وليس النفوذ أو المصالح المباشرة.

خلاصة ودروس الواقع

توضح الوثيقة، وسياق تسريبها، أن نجاح أي وساطة في ليبيا لا يُقاس بالإعلانات أو بالخطابات الرسمية، بل بالقدرة على جمع الأطراف حول طاولة واحدة وتحقيق توافق سياسي ملموس؛ فالوسيط الحقيقي ليس من يقترب جغرافيا أو يسعى إلى إظهار النفوذ، بل من يستطيع تحويل المبادرات إلى توافقات قابلة للتنفيذ على الأرض وبناء الثقة بين الفرقاء.

في هذا الإطار، يبرز التنسيق المغربي-الأمريكي تحت إشراف الأمم المتحدة، كخيار عملي وفعال يعزز من فرص الحل السياسي ويحد من تشظي المبادرات، بينما يظل الدور الجزائري محدود التأثير وموضع شك من حيث القبول المحلي والثقل الجيوسياسي.

تؤكد الوثيقة أن الطريق نحو السلام والاستقرار في ليبيا يمر عبر وسيط يحظى بثقة جميع الفرقاء، ويتمتع بالحياد والقبول والقدرة على التنفيذ بعيدا عن أي مصالح مباشرة أو صراعات إقليمية؛ فالملف الليبي أكبر من كل التجاذبات، وأعمق من أي حسابات ضيقة، ويحتاج إلى قيادة فاعلة وحكيمة تحول المبادرات السياسية إلى استقرار ملموس، يعيد الدولة الليبية إلى سيادتها ويضمن للشعب الليبي حقه في السلام والعيش المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى