تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | “الحذر ثم الحذر”.. هل ستشارك “قوات حذر” المغربية في تأمين غزة ؟

أولى تحركات مجلس السلام بقيادة ترامب

مجلس السلام هو مبادرة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف “إدارة” الصراع في غزة(..)، وفق تصوره للسلام، والمغرب ليس سوى واحدا من مجموعة دول انخرطت في هذا المجلس، حسب تقديرها الاستراتيجي، وهي القائمة التي تشمل كلا من إسرائيل، الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، مصر، قطر، البحرين، تركيا، المجر، بيلاروسيا، كوسوفو، الأرجنتين، باراغواي، أرمينيا، أذربيجان، كازاخستان، أوزبكستان، أندونيسيا، باكستان، وفيتنام..

إعداد: سعيد الريحاني

الاختيار المغربي بالانضمام لمجلس السلام، والانخراط في خطة ترامب، كان واضحا، ومتوقعا، بل إنه لا يمكن تصور خلاف ذلك طالما أن الرجل الذي يتزعم المبادرة، هو صديق المغرب، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعترف بمغربية الصحراء، وهو نفسه الرجل الذي يريد إنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في أكبر صفقة سلام في العالم.. وأخيرا، فإن مبادرة بهذا الحجم لا تعني بلدا مثل المغرب فحسب، بل إن تأثيرها يمتد إلى كافة دول العالم.. ماذا لو أن مجلس السلام حل مستقبلا محل الأمم المتحدة، التي فشلت فشلا واضحا في تدبير القضية الفلسطينية(..) ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

وبغض النظر عن حكاية التأسيس، وحكايات التحفظ، وحكايات المتفائلين والمتشائمين.. فقد شهد الأسبوع الجاري أول خروج إعلامي لوزير الخارجية ناصر بوريطة، في ارتباط باجتماع هذا المجلس بواشنطن، حيث أكد التزام المغرب بخمسة أهداف، وهي أهداف أكبر بكثير من أن يتحدث عنها بوريطة من تلقاء نفسه، وهي:

تتمة المقال تحت الإعلان

– الالتزام بمبادئ تأسيس مجلس السلام؛

– الاستعداد لنشر قوات أمن وشرطة وضباط رفيعي المستوى في قطاع غزة؛

– القيام بإنشاء مستشفى ميداني في غزة؛

– مشاركة المغرب في برامج مكافحة خطاب الكراهية والدعوة إلى التعايش؛

– الإسهام في إعادة إعمار قطاع غزة.

إذن، هناك خمسة أهداف مغربية في غزة، وأكثرها إثارة للجدل هو “إعلان الاستعداد لإرسال قوات أمنية مغربية إلى غزة”، وقد ظهرت الانتقائية في مناقشة هذه الأهداف، عندما اختار رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران مناقشة محور “مشاركة المغرب في برنامج مكافحة خطاب الكراهية”، وتجنب باقي الأهداف(..)، لأن الأمر أكبر من وزير الخارجية الحالي، وأكبر من رئيس الحكومة السابق، الذي سجل حضوره بانتقاد بوريطة، ولكن المتتبعين يهتمون بما هو أكبر..

إن الحديث عن مجلس السلام يكتسي أهميته من كونه ليس مجرد مجلس طارئ، بل هو وصفة أمريكية لإدارة السلام في عدة صراعات عبر العالم، والبداية من غزة.. ويكفي أن نعرف أن الاجتماع الأول عرف مشاركة 45 دولة، وأعلن فيه ترامب عن تخصيص 10 ملايير دولار من التمويل لإعادة إعمار غزة.. من سيبني؟ ومن سيستفيد؟ وكيف سيتم تحويل كل هذه الملايير إلى عقارات مأهولة؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة.

المهم حاليا، أن ترامب نجح في جمع السيولة والتعهدات، ويمكن إلقاء نظرة على التزامات الدول العربية في أول اجتماع لمجلس السلام (طبعا هناك عدة دول شقيقة اختارت تهويل المساهمة المغربية مقابل السكوت عن مشاركتها)، ومنه يمكن تخيل المستقبل، وهذه الالتزامات كالتالي، حسب كل دولة:

– قطر: أكد رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، الشيخ محمد آل ثاني، أن قطر ملتزمة بجهود الوساطة، وأعلن أن الدولة ستقدم مليار دولار دعما للمجلس.

– الإمارات: أعلن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، عن تقديم 1.2 مليار دولار دعما لقطاع غزة، مشيرا إلى أن “اتفاقات أبراهام” تأتي ضمن سعي المنطقة نحو مستقبل أفضل.

– مصر: ذكر رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، دعم بلاده لحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والتزامها بموقف رفض ضم الضفة الغربية، وفتح مرحلة جديدة من التعايش بين شعوب المنطقة.

– السعودية: قال وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير، أن بلاده تتعهّد بمليار دولار للتخفيف من معاناة الفلسطينيين.

– الكويت: أعلن وزير الخارجية الكويتي جراح جابر الأحمد الصباح، عن مساهمة الكويت بمبلغ مليار دولار أمريكي على مدى السنوات المقبلة، وذلك دعما لجهود مجلس السلام في غزة، وتأكيدا على التزام الكويت الثابت بدعم كل مسعى يهدف إلى رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني وتحقيق الأمن والاستقرار في قطاع غزة.. (المصدر: وكالات/ الجزيرة).

صورة من غزة بعد الحرب
صورة من غزة بعد الحرب.. مجلس السلام أمام امتحان الأرض ومشاريع إعادة الإعمار والأمن

هذه هي خطة السلام في شقها العربي، لكن ذلك، وبعيدا عن التحامل ضد أي جهة، يطرح عدة أسئلة حول التنزيل الصعب لهذه المبادرة، وأول سؤال يمكن أن يطرح: من سيصدر قرارات السلام على الأرض؟ كيف سيضمن التفاعل الإيجابي معها من لدن المواطنين الفلسطينيين، في ظل غياب رموز فلسطينية قوية خلال اجتماعات مجلس السلام؟ كيف يمكن وضع الحدود الفاصلة على الأرض بين مهام أمنية لمجلس السلام، ومهام أخرى ذات حساسية كبيرة، مرتبطة بالسيادة؟ أين هو الخط الفاصل بين الدعم، والمقاومة، والوطنية؟ وكيف يمكن التمييز بين إجراءات السلام وإجراءات الحرب ؟

إن التفاعل مع مبادرات مجلس السلام، والحذر الواجب من المستقبل، لا تكفي عند حدود كونه اختيارا لا رجعة فيه(..)، فحتى الدول العظمى التي تعتبر نفسها محور ممانعة، صرحت بأنها ستدعم وستشارك، وهو ما يعني أن الكبار أيضا يبحثون عن موطئ قدم في “مستقبل السلام”، رغم أن كل المؤشرات تؤكد التوجه الحتمي نحو الحرب لحسم الزعامة العالمية..

ومع ذلك، يمكن قراءة التوجس في قصاصات الصحافة العالمية.. وتبقى النقطة الأكثر إثارة للجدل هي إرسال قوات إلى أرض الميدان؛ فقد وصفت “نيويورك تايمز” المغرب بالوسيط الهادئ، لكنها أكدت أيضا أن: “الإدارة الأمريكية لا تراهن على تسوية سياسية شاملة بقدر ما تراهن على فرض حدّ أدنى من الاستقرار الأمني يسمح بإعادة الإعمار ومنع عودة الفوضى”، أما “الواشنطن بوست”، فقد قالت: “لا توجد قوة أمنية في العالم قادرة على تحقيق الاستقرار في غزة دون أفق سياسي واضح، وأي انتشار دولي قد يتحول إلى إدارة مؤقتة للأزمة بدل حلها”، أما من حيث الرؤية الاقتصادية، فإن “فاينانشال تايمز” قالت إن الأمر “محاولة لخلق بيئة أمنية قابلة لجذب التمويل الدولي، أكثر منه إطارا لحل الصراع التاريخي”، لكن أخطر سؤال إعلامي طرحته الصحافة فهو سؤال “حماس”، لأن “غياب اتفاق واضح مع حركة حماس يجعل أي خطة أمنية عرضة للاهتزاز منذ يومها الأول”، حسب وكالة “رويترز”..

المغرب إذن، أمام امتحان كبير ينطلق من واشنطن وينتهي أمام الرأي العام الدولي، ولكن مع ذلك يمكن القول إن المغرب يسجل حضوره من خلال ثلاث نقاط أساسية تعطيه قوة في هذا الملف، وهي كونه منفتحا على العلاقات مع واشنطن والأكثر قدرة على فهم الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، كما أن له شرعية تاريخية كبيرة في دعم فلسطين، حكومة وملكا وشعبا.. والشاهد هو “لجنة القدس” المحسوبة على ملوك الدولة العلوية(..).

يذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد أعلن بتاريخ 22 يناير 2026، عن تأسيس مجلس السلام، وفق ميثاق تقول مادته الأولى: ((مجلس السلام منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات..

ويتولى مجلس السلام مهام بناء السلام وفقا للقانون الدولي، وبما يُقرّر بموجب هذا الميثاق، بما في ذلك تطوير ونشر أفضل الممارسات التي يمكن تطبيقها من قبل جميع الدول والمجتمعات الساعية إلى السلام))، علما أن ديباجة الميثاق شرحت أسباب النزول كما يلي (المغرب بلد مؤسس): ((إذ نعلن أن السلام الدائم يتطلب حكمة عملية، وحلولا منطقية وشجاعة للتخلي عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مرارا وتكرارا؛ وإذ ندرك أن السلام الدائم يترسخ عندما يتم تمكين الشعوب من تولي زمام مستقبلها وتحمل مسؤوليتها.. وإذ نؤكد أن الشراكة المستدامة والفعالة، القائمة على تقاسم الأعباء والالتزامات، هي وحدها الكفيلة بتحقيق السلام في المناطق التي ظل فيها السلام بعيد المنال لفترة طويلة.. وإذ نتأسف لأن العديد من مناهج بناء السلام تُرسّخ التبعية الدائمة، وتُكرّس الأزمات بدلا من قيادة الشعوب لتجاوزها.. وإذ نؤكد على الحاجة إلى هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام.. وإذ نعقد العزم على تشكيل تحالف من الدول الراغبة الملتزمة بالتعاون العملي والعمل الفعال، وبحكمة وعدل، تُقرّ الأطراف بموجب هذا الميثاق مجلس السلام)) (المصدر: ميثاق مجلس السلام).

المغرب، إذن، هو عضو مؤسس لمجلس السلام، لكن التحرك الميداني لهذا المجلس يدخل ضمن وصفة كبرى لإدارة الصراعات عبر العالم، ما يجعل غزة مجرد اختبار ميداني لما سيقع مستقبلا.. والحذر مطلوب في ظل وجود تجارة دولية مشابهة، لم تحقق أهدافها(..)، وإن كان هناك شيء آخر، فلن يكون سوى سيناريو أكبر، سيجعل مجلس السلام مجرد النواة الأولى لحرب كبرى بين الكبار حول الزعامة، عندها قد يصطدم الشرق والغرب(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى