الحقيقة الضائعة | 4347 قتيلا فرنسيا.. الدرس المغربي في صمود تادلة وبني ملال
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 155"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

إن قلب المغرب يغلي.. وعلى الجنوب من فاس والجنوب الشرقي من الرباط، لا زالت النيران متقدة، والقبائل متحمسة للجهاد، ولكن المنطقة التي اعتبرها الفرنسيون في عداد المسلمات، القصيبة وقصبة تادلة، لم تكن في الحقيقة إلا في حالة تنظيم وجمع للشمل لممارسة الصحوة التي لم تكن تخطر ببال الفرنسيين، وأن الحرارة ترتفع في كل جزء من أطراف الجسم المغربي، وهذه فاس، ووثيقة الحماية التي أمضيت بها، لم تكن إلا الشرارة التي أوقدت نار الجهاد في مناطق جديدة، وأحيت شعلته في مناطق أخرى بعد أن حسبها الفرنسيون خبت.
فبعد أن ركز الفرنسيون جميع قواتهم على منطقة الشاوية سنة 1908، ودكّوا حصونها دكّا، في وقت كانوا في بداية مغامرتهم بالمغرب سنة 1909، هبت قبيلة بني مسكين للتحرك، وبدأت بطرد الفرنسيين من سطات في يناير 1910.
الفرنسيون ذهبوا للاستقرار في قيصر، ولم تكن تلك إلا البداية لحرب طويلة الأمد، امتدت جنوبا وشرقا لتلتهم أخضر الاستعمار ويابسه.
لقد استمرت المعارك طويلا، عبر سنوات 1912 و1913، وإلى ما بعد بسنوات طويلة، ووادي زم التي كان لها ما كان مع الاستعمار الفرنسي سنة 1954 بعد نفي الملك المرحوم محمد الخامس، سبق لها في بداية الدخول الفرنسي للمغرب أن أبانت عن هويتها؛ ففي معركة 18 فبراير 1913، حينما هوجم المركز الفرنسي في وادي زم، واحتمى الفرنسيون بالمخابئ في انتظار وصول نجدات الكولونيل سيمون، والتي تكبدت خسائر فادحة في بني سمير يوم 15 مارس 1913، حيث جاءت قوات أخرى بقيادة الكولونيل مانجان لنصرة الفرنسيين المحاصرين، وفي كدية الريح قتل خمسة عشر فرنسيا، بينهم القبطان لوران.
ومرة أخرى، لم تكن هذه إلا البداية.
إن الحرارة المرتفعة التي أصابت الجسم المغربي نتيجة حرقة فاس، أصبحت جحيما في منطقة تادلة.
تادلة التي سقط فيها ما بين المرحلة التي نحن بصددها سنة 1913، وسنة 1933، رقم من القتلى اعترف به الفرنسيون في وثائقهم: 4347 ضابطا وجنديا.
والرقم وارد في مذكرات الكولونيل فوانو.
تادلة وموحى وحمو الزياني
إن تادلة هي الطريق إلى فاس، هي الطريق إلى الرباط، هي الطريق إلى خنيفرة.. إنها قدم الأطلس، إنها نقطة الانطلاق، نقطة البداية، ونقطة النهاية.
ولقد احتدم الصراع الحقيقي عندما أراد الكولونيل مانجان اعتقال أو قتل زعيم الثوار موحى وسعيد في قصبته في مشرع النفاد بقصبة تادلة.
وبدأ الكولونيل باحتلال بني ملال ليبرق الخبر السار يوم 11 أبريل 1913، ولكن قوات موحى وسعيد طردته من بني موسى، ومن بني ملال، ولجأ إلى وادي زم، فاضطر للاستنجاد بقوات من مراكش، وصلت بقيادة الكولونيل سافي.
وكانت معارك 26 أبريل في عين الزرقا، قتل فيها عدد من الجنود الفرنسيين، بينهم الليوتنان أرنو، والليوتنان برانسير، والليوتنان باوليتي.
وأراد الكولونيل مانجان الانتقام، وهجم في سيدي علي بوبراهيم يوم 4 مايو 1913، لكنه اضطر للتراجع إلى قصبة تادلة بعد أن قتل له 18 جنديا بينهم القبطان ريكيستون، و41 جريحا.
وبقي اسم موحى وسعيد مهيمنا على كل التقارير، وأصبح هدفا لكل عمليات الانتقام.
واستزاد الكولونيل مانجان خمسة آلاف عسكري ومئات المدافع، وبعث يوم 8 جوان 1913 فيلقا من الكومندو إلى القصيبة بقيادة الكومندان بيكار، الذي ما إن وصل بوسائله الخاصة وقواته الخاصة.. حتى كان أول القتلى، ولم يعرف بعد موته، أن عدد القتلى الآخرين ثلاثون قتيلا؛ فقد مات في نفس المعركة خليفة بيكار الليوتنان مازينبير، وجاء الكولونيل مانجان شخصيا بقوات كبيرة، وأصدر أوامره بهدم القصيبة قبل أن يوزع فرقه بقيادة الكولونيل ماتيو وفرقة بقيادة الكومندان بييتريكس في كل اتجاه، فكانت عملية انتحارية يوم 10 جوان 1913، قتل فيها حشد من الفرنسيين يقدر بخمسين قتيلا – حسب اعترافات الوثائق الفرنسية – وكان من بين القتلى الليوتنان فارينفيان، والليوتنان جيل، وجرح 110 جنديا. فلنتصور إذن، معركة تنتهي بهذا الحشد من القتلى والجرحى من طرف الفرنسيين وحدهم، ولم يسقط موحى وسعيد في قبضة الفرنسيين، ولا انكسرت شوكته، بل إن الفرنسين دخلوا في جحورهم من جوان 1913 إلى جوان 1914، وكانت أخبار معارك خنيفرة بقيادة البطل موحى وحمو الزياني، قد أدخلت الرعب في قلوب الفرنسيين، وبعثت روح الشجاعة عند سكان قصبة تادلة، وسيأتي الحديث عن معركة الهري مستقبلا.
فرقة من القصيبة بقيادة الكولونيل دوبليسيس قد أرادت الخروج من حصونها يوم 16 نونبر 1914 للتوجه لإنقاذ الجيوش المتورطة في خنيفرة، فاعترضتها جيوش زيان في جبل بوهرار، حيث كبدتها خسائر قال الفرنسيون أنهم خسروا فيها جنديين وضابط واحد.
وفي عاشر يناير 1915، هاجمت قبائل زيان القوات الفرنسية بقيادة الجنرال هانريس والكولونيل ديريكوان، وتوسعت المعارك إلى نهر أم الربيع.
لقد اتسعت رقعة الحرب، واختلطت الأسماء على القيادة الفرنسية التي توقفت عن ذكر أسماء الضباط القتلى في الوثائق المكتوبة، واستمرت المعارك إلى 14 أبريل 1915، حيث انطلقت القوات الفرنسية لتخريب المحاصيل في فصل الربيع، وحرمان السكان من نتاج العيش، وكانت معارك على جنبات الوديان الخصبة، في واد درنا وواد البوخاري، فكانت معركة أصحاب الأرض ضد فلول النهب، إذ أن الفرنسيين كانوا بدورهم يسطون على المنتوجات الزراعية، واستمرت هذه المعارك إلى 9 يوليوز 1915، حيث قتل الكولونيل طوركول، مما اضطر القيادة الفرنسية لتعويضه بالجنرال كارنيي دوبليسيس، وقد فاجأته قبائل المنطقة بأسلوب جديد لم يعرفه من قبل كتبت عنه الوثائق الفرنسية الوصف التالي: ((إن المهاجمين لا يفتؤون يحومون حولنا، حتى نجدهم قد دخلوا مراكزنا، فيحصل تعب وإرهاق لجنودنا)).
ولم يفطن الفرنسيون لطول المعارك وبعد المسافات.. إلا عندما بدأت برودة الجو تضيف متاعبها لمتاعب الاشتباكات، وهجم الثوار على فرقة كانت منطلقة من خنيفرة، في محاولة لتطويق التواجد الفرنسي ما بين مريرت وخنيفرة يوم 17 نونبر 1915، وجاء رئيس المنطقة بنفسه، الجنرال هانريس، على رأس سبعة فيالق إضافية وثلاث مجموعات متحركة منقولة، وأربعة فرق مدفعية، وشرع في قصف المداشر من مريرت إلى وادي أم الربيع.
ومن أجمل ما كتبه الكولونيل فوانو في كتابه: “على أثار الجيوش الفرنسية بالمغرب” هذا الوصف عن المرحلة التي نحن بصددها: ((إن الجنرال هانريس يتقدم نحو أم الربيع، ويقصف الدواوير بالمدافع، فقتل لنا أربعة جنود فرنسيين وجرح 13)).
فكيف تقصف المدافع الدواوير ويموت الجنود الفرنسيون.. اللهم إلا إذا كانوا يموتون بصداع المدافع ؟
لقد ذهب الكولونيل بوفونيل يوم 18 يناير 1918 لفك حصار زيان عن مريرت، وكان تدخلا ضروريا – كما تقول الوثائق الفرنسية – لكنه اضطر للالتحاق بقوات الجنرال كارنيي في سيدي لامين، والمشاركة في معركة دشر سيدي عمرو بالرماح والسكاكين، حيث قتل من جنده رجل واحد يوم 18 يناير، وقتل له ثلاثة يوم 19 يناير.
وكانت هذه المعارك قد تم التمهيد لها من طرف الفرنسيين لشغل القبائل عن عملية احتلال بني ملال، التي دخلوها في 20 مايو 1916، بعد معارك ضارية قتل فيها الليوتنان بوركايس، كما قتل الليوتنان فور في معركة دار ولد زيدوح يوم 26 مايو 1916.
وقرر الفرنسيون تجميع كل قواتهم في بني ملال بعد أن أخذ التعب منهم مأخذه، ودخلت قوات تقدر بأربعة آلاف جندي إلى بني ملال بقيادة الجنرال كارنيي، يوم 24 جوان، ليبقوا محتمين بها، متعرضين لقصف الجيوش المغربية من زيان وأيت عطا إلى غاية 12 نونبر 1916.
وقد قتل للفرنسيين يوم 26 نونبر في معركة إيضاغ أربعة جنود، وجرح ثمانية عشر، بينما كانت قوات فرنسية إضافية تتهافت على هذه المنطقة العصيبة، وأصبح مبدأ التواجد الفرنسي بها قضية حياة أو موت.
ولم يستطع الفرنسيون احتلال الجبال المجاورة لبني ملال إلا بثمن فادح، ومع نهاية سنة 1917، لكن الهجمات المغربية لم تتوقف، بل كانت القوات المغربية تنظم نفسها وتتفادى تفتيت الجهود، للاشتباك مع الفرنسيين في معارك كبرى، كمعركة إغرم العلام، التي دامت أربعة أيام من 12 إلى 15 أكتوبر، والتي لم تستعمل فيها إلا الخناجر والرماح، وانتهت بمقتل الليوتنان بيرجي، وسط حشد من القتلى الفرنسيين بلغ 55 قتيلا، و28 جريحا. عدد القتلى ضعف عدد الجرحى.
ودخل عام 1918 والحالة على ما هي عليه، بل إن جبهة جديدة فاجأت الفرنسيين في مولاي بوعزة، شمال بني ملال.
وهنا دخل عنصر جديد في الميدان، وهو القصف بالطائرات؛ فقد أصبحت حربا بكل معنى الكلمة، بين سكان يدافعون عن وطنهم وجيوش أجنبية تحاربهم بالطائرات والمدافع.



