تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | الكويرة.. بين الحسن الثاني وولد هيدالة

ما بعد مشاركة موريتانيا في لقاء مدريد

لا زال اجتماع مدريد يلقي بظلاله، خاصة وأن كل ما راج فيه وما تمت مناقشته يبقى لحدود اللحظة سريا جدا.. غير أن هناك بعض وسائل الإعلام في بعض الدول المعنية بملف الصحراء، والتي كانت حاضرة في اجتماع مدريد، سلطت الضوء على بعض القضايا واعتبرتها مرتبطة بملف الصحراء ويجب تسويتها في هذا الإطار، ومن ذلك بعض وسائل الإعلام الموريتانية التي أثارت ملف شبه جزيرة الكويرة، مطالبة بحق موريتانيا في هذه الرقعة الجغرافية. يهدف هذا الملف إلى تسليط الضوء على بعض المحطات التاريخية التي اعتبر فيها المغرب أن الكويرة تابعة له، وكذلك الروايات الموريتانية حولها.

أعد الملف: سعد الحمري

تصريح مغربي وحيد للملك الحسن الثاني سنة 1982

تتمة المقال تحت الإعلان

بعد اجتماع مدريد، خرجت بعض الأصوات الموريتانية مطالبة نواكشوط باغتنام الفرصة والتخلي عن الحياد، ومطالبة المغرب بضرورة إدخال قضية الكويرة في مسلسل التسوية، ومن ذلك، موقع “أقلام حرة”، الذي نشر مقالا دون توقيع يوم 8 فبراير الجاري بعنوان: “الصحراء الغربية: كيف تدافع موريتانيا عن مصالحها في تسوية تلوح في الأفق”، طالب صاحبه من خلاله نواكشوط بالتخلي عن الحياد والتحلي ببعض الميكيافيلية، وبالتالي توضيح موقف الكويرة، حيث كتب ما يلي: ((في هذا السياق، تبرز الكويرة كعنصر مركزي في معادلة الأمن والسيادة الموريتانية؛ فهذه المدينة الساحلية، الواقعة عند أقصى الشمال، تمثل صمام أمان استراتيجي لموريتانيا، وقد شكل الغموض الذي يلف وضع الكويرة منذ انسحاب موريتانيا من النزاع سنة 1979، عمليا حاجزا دون الاحتكاك المباشر بينها وبين المغرب، وجنب نواكشوط الانخراط في تماس سيادي حساس على أبواب نواذيبو. ومن هنا، فإن أي تسوية مستقبلية لا تحسم وضع الكويرة بشكل واضح، أو تسمح بتغيير واقعها القائم عبر انتشار عسكري أو إداري أحادي، ستبقي النزاع مفتوحا بشكل مقنع، وتخلق لموريتانيا إشكالا أمنيا دائما على واجهتها الأطلسية، ذلك أن الكويرة تمثل عقدة ينبغي تفكيكها عبر نصوص صريحة وضمانات دولية تمحي الوضع القائم، وتمنع تحويلها إلى ورقة ضغط في أي صراع إقليمي لاحق)).

تتمة المقال تحت الإعلان

كما طالب صاحب المقال، بأن يتضمن أي مسار للتسوية في قضية الصحراء ضرورة عدم مساس الاقتصاد الموريتاني، في تلميح إلى إمكانية بناء المغرب لموانئ من شأنها شل ميناء نواذيبو، ثم خُتم المقال بالمطالبة بضرورة أن تضمن تسوية ملف الصحراء عدم وجود تهديد على الحدود، وعدم وجود عبء اقتصادي أو تماس سيادي غير محسوب، وهناك أصوات أخرى من داخل موريتانيا تطالب صراحة بضرورة إلحاق الكويرة بموريتانيا.

يمكن القول أن هذه القطعة الأرضية كانت تحت الاستعمار الإسباني، وقد حصلت عليها موريتانيا سنة 1975 في إطار الاتفاق الثلاثي بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا، غير أنه وبعد سلسلة من الانقلابات التي هزت موريتانيا بين سنة 1978 و1979، تخلت عنها هذه الأخيرة لمصلحة جبهة البوليساريو، غير أن استرجاع المغرب للكويرة في غشت 1979، إلى جانب الداخلة، خلق وضعا جديدا، تمثل في نشوب معارك بين المغرب وجبهة البوليساريو في هذه المنطقة، ما جعل كل ساكنتها يتركونها نهائيا، وفي ظل اعتماد نواكشوط على ميناء نواذيبو المحاذي للكويرة، طالبت موريتانيا المغرب بفعل شيء من أجل عدم خنق الاقتصاد الموريتاني على اعتبار أن ميناء نواذيبو يعتبر شريان الحياة للبلاد كلها، وقد استجاب المغرب للطلب، وسحب جيشه من الكويرة، لتجنب نشوب أي معارك فيها مستقبلا، ولتحاشي أن تستهدفها جبهة البوليساريو بالصواريخ المتطورة وقتها والتي حصلت عليها من الاتحاد السوفياتي، ومن خلال تتبعنا لمسار حرب الصحراء خلال سنوات السبعينات والثمانينات، لم نجد من التصريحات الرسمية المغربية بخصوص منطقة الكويرة سوى إشارة مقتضبة من طرف الملك الحسن الثاني؛ ففي حوار له مع إذاعة “فرانس الدولية” بتاريخ 29 يناير 1982، سأله محاوره، مبعوث القناة سؤالا مباشرا: “وماذا يجري في الكويرة؟”، فأجابه الملك بما يلي: ((إن الأمر يتعلق بموقف ودي نحو موريتانيا، ذلك أن نواذيبو هي الرئة المهمة الوحيدة لموريتانيا على البحر، ويمكن أن يرى من الجانب الآخر وبدون نظارات مكبرة المتجولون في الكويرة، وقد قال لنا الموريتانيون دائما أن وجودكم فيها يعرضنا للصاعقة، فقد تخطئ الصواريخ معسكر وتسقط على الميناء. إذن، فقد فعلنا ما لاحظته تلطفا، إذا علمنا أن مقررات نيروبي الثانية مهمة جدا، فهي تحدد رقعة الاستفتاء والكويرة جزء لا يتجزأ من هذه الرقعة)).

في هذا الحوار تأكيد من الملك الحسن الثاني على أمرين: الأول هو أن المغرب سحب جيشه من الكويرة استجابة لطلب موريتانيا، أما المسألة الثانية وهي الأهم، فقد أشار إلى أن مخرجات مؤتمر نيروبي الثاني الذي حدد المنطقة المعنية بالاستفتاء وذكر بأن مدينة الكويرة جزء منها، وفي هذا رد صريح على الادعاءات الموريتانية التي تقول بأن الكويرة لا تدخل ضمن نطاق المناطق المعنية بالنزاع في الصحراء، وفي الإمكان الرجوع إلى قمم منظمة الوحدة الإفريقية لسنتي 1981 و1982، التي كانت تهيئ لتنظيم الاستفتاء في الصحراء، ليتأكد بأن الكويرة من المناطق المعنية بالاستفتاء، ومعنى المناطق التي كانت ستخضع للاستفتاء أراضي الصحراء المغربية في المفهوم المغربي، حيث سقط الاستفتاء وعوضه الحكم الذاتي كحل وحيد، وهو الذي يجري التفاوض في شأنه حاليا.

رواية الرئيس الموريتاني السابق تخالف رواية الملك الحسن الثاني

أما الرواية الموريتانية، فإنها مختلفة ومتضاربة؛ ففي حوار مع موقع “أقلام” الموريتاني، تحدث محمد خونة ولد هيدالة، سنة 2021، الذي كان ضمن القادة العسكريين الذين شاركوا في انقلاب 1978، حيث أصبح وزيرا للدفاع، ثم تولى رئاسة البلاد في يناير 1980، صرح هذا الأخير للموقع الموريتاني بأنه: ((بعد الاتفاق الموقع بين موريتانيا والبوليساريو في الجزائر، طرت في سرية تامة إلى الرباط والتقيت ملك المغرب الحسن الثاني، وشرحت له موقفنا من النزاع ونيتنا في الخروج من الحرب نهائيا والانسحاب من الإقليم، ووجدته على علم بفحوى اتفاق الجزائر))، وأضاف أنه قال للملك الحسن الثاني: ((بغض النظر عمن سيحتل الإقليم بعدنا، تبقى نقطة لن ننسحب منها إلى غاية نهاية النزاع، وهي منطقة الكويرة التي بالنسبة لنا خط أحمر وتعتبر عمقا أمنيا لن نتركه ليكون مسرحا للحرب، لأن قذيفة واحدة في الكويرة يُعتبر أنها انفجرت في نواذيبو عاصمتنا الاقتصادية، وستبقى تحت حمايتنا إلى نهاية النزاع))، وتابع المتحدث: ((اشترط الحسن الثاني شرطين مقابل ترك الكويرة تحت الإدارة الموريتانية: الأول أن أحيطه علما قبل انسحابنا بيومين من الإقليم، والثاني أن أُغير والي نواذيبو سيد أحمد بنيجارة الذي يراه ملك المغرب مواليا للزعيم الليبي وضد مصالح المغرب))، وقد قبل ولد هيدالة بالشرط الأول فيما رفض الشرط الثاني، ((لكون ذلك قرار سيادي موريتاني))، فوافق الملك الحسن الثاني على ذلك.

وهذا خلاف ما صرح به الملك الحسن الثاني للصحافة الفرنسية سنة 1982 حول الكويرة، ثم هناك رواية أخرى موريتانية ذكرتها صحيفة “أنباء إنفو” الموريتانية سنة 2017، تقول بأن الحسن الثاني انسحب من الكويرة سنة 1989 وتركها لموريتانيا ثمنا لقبول وقف إطلاق النار الموقع بين المغرب وجبهة البوليساريو سنة 1991، وقد تسمح له بإدارة الكويرة، بعد انسحاب الحسن الثاني منها عام 1989 ثمنا لقبول موريتانيا وقف إطلاق النار، وبدأ بتوافق إقليمي عام 1991، كما تحدث ذات الموقع الإلكتروني عن وجود اتفاق بين جبهة البوليساريو وموريتانيا حول الكويرة، وتقول مصادر خاصة، أن ((البوليساريو، باعتبارها “دولة” تعترف بها نواكشوط، اتفقتا على ما سميتاه “استمرار الوضع القائم في الكويرة بعد أي تسوية نهائية لمشكل الصحراء”، والوثيقة المعتمدة تحت رقم 1603 لدى الحرس الرئاسي، تضمن للكويرة وضعها الخاص والدائم، حيث جعلتها خارج أي سيطرة منذ انسحاب الجيش المغربي منها عام 1989)).

رواية موريتانية جديدة سنة 2016.. عندما رفعت موريتانيا علمها فوق الكويرة

 ومن الجدير ذكره أن هذه الروايات الموريتانية حول منطقة الكويرة، لم تظهر إلا بعد سنة 2016، عندما وقعت تحولات جديدة، حيث رفع الجيش الموريتاني علم البلاد في الكويرة، ويعود سبب ذلك إلى وصول محمد ولد عبد العزيز إلى الحكم في نواكشوط ابتداء من سنة 2008، وأخذ هذا الملف بعدا كبيرا بسبب إقدام موريتانيا على رفع علمها في الكويرة، في إشارة إلى سيادتها السياسية على المنطقة سنة 2016، وخلال نونبر من نفس السنة، بحث وفد مغربي، مكون من وزير الخارجية صلاح الدين مزوار، ومدير المخابرات العسكرية ياسين المنصوري ومفتش القوات العسكرية الجنرال بوشعيب عروب، إشكالية رفع موريتانيا لعلمها في الكويرة مع الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وتسربت أخبار لاحقة بوقوع خلاف كبير خلال الاجتماع انتهى بمزيد من تأزيم العلاقات الثنائية بدل انفراجها، وفي المقابل، رفض محمد ولد عبد العزيز، على مدى خمس سنوات، تعيين سفير في الرباط، كما رفع من مستوى العلاقات مع جبهة البوليساريو، في إشارة إلى تطبيق اتفاقية الجزائر سنة 1979.

يومها وقفت عوامل متعددة وراء موقف موريتانيا الجديد من الكويرة والعلاقات مع المغرب:
– في المقام الأول: أصبحت موريتانيا تؤكد أن المغرب لم يسبق أن مارس سيادته على الكويرة، وأن الاتفاقية الموقعة بين البلدين سنة 1976 تعترف للمغرب فقط بثلثي الصحراء، بل وجرى إلغاء الاتفاقية بعد اتفاقية البوليساريو وموريتانيا سنة 1979، حيث تعترف نواكشوط للبوليساريو بالسيادة على كامل الصحراء، وتقول موريتانيا أن مسألة الكويرة سيتم معالجتها بعد حل نزاع الصحراء والانتقال إلى الوضع النهائي؛
– في المقام الثاني: أصبح يسود وسط الطبقة السياسية والعسكرية الحاكمة في موريتانيا ومنذ مدة طويلة، أن شبه جزيرة الكويرة تعتبر جزء من الأمن القومي الموريتاني، لأن في هذه المنطقة الجغرافية توجد نواذيبو التي تعد أهم ميناء موريتاني.

مصطفى سلمة
مصطفى سلمة

رواية موريتانية أخرى سنة 2021.. الكويرة بقيت تحت سلطة موريتانيا منذ سنة 1979

تطور آخر وقع وهذه المرة من الجانب المغربي، كان سنة 2021، حيث بدأ الحديث في وسائل الإعلام الرسمية عن توجه المغرب لبناء ميناء جديد في الكويرة وبسط سيادته عليها، فخرجت أصوات موريتانية تعبر عن رفضها لذلك، متحججة بأن “القانون الدولي يمنح الحق لنواكشوط للاحتفاظ بالكويرة”، ومنها محامي موريتاني معروف، وهو تقي الله أيده، الذي خرج لنا برواية جديدة، حيث صرح لوسائل إعلام موريتانية بأن ((اتفاقية مدريد الثلاثية بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا، بتاريخ 14 نونبر 1975، أعطت لموريتانيا السيادة على تيرس الغربية التي من ضمنها حامية الكويرة))، وأوضح المحامي الموريتاني، أن ((اتفاقية السلام الموقعة بين موريتانيا والبوليساريو والتي تنازلت فيها نواكشوط عن أي أطماع في الصحراء الغربية، لم تتنازل فيها موريتانيا عن وضعها كسلطة إدارية على الكويرة، واعتبر أن موريتانيا لا تريد الدخول في صراعات اليوم بشأن الكويرة بالنظر إلى “القضايا المتعلقة بأمن حدودها وعدم اليقين المحيط بمستقبل الصحراء الغربية في حد ذاتها”))، وردا عن الأخبار التي راجت بخصوص إعمار المغرب للكويرة، قال المحامي الموريتاني: ((إن تنازل موريتانيا عن جميع مطالبها بشأن الصحراء الغربية، لا يحرمها من الحق في الحفاظ على هذه الأرض وإدارتها باعتبارها دولة “قائمة بالإدارة”، في انتظار تسوية نهائية تقبلها السلطات والأطراف وتقرها الأمم المتحدة)).

وقد قابل هذا التصريح، تصريح آخر سنة 2024، قدمه مصطفى سلمة ولد سيدي مولود، القيادي العسكري السابق في البوليساريو، لموقع “هسبريس”، قال من خلاله” ((إن موريتانيا لا تعتبر مدينة الكويرة أرضا موريتانية، لا في خرائطها ولا في خطابها الرسمي، وإن كان هناك بالفعل تخوف في نواكشوط من إقدام المغرب على أي خطوة نحو إعادة إعمار هذه المدينة والاستثمار فيها لأسباب سيادية واقتصادية بالدرجة الأولى، وأوضح أن الكويرة محاذية لمدينة نواذيبو، التي تعد الشريان الاقتصادي لموريتانيا ومركز الصيد البحري وتصدير المعادن في هذا البلد؛ وعليه، فإن أي استثمارات مغربية في المنطقة ستكون حتما ومنطقيا على حساب الاقتصاد الموريتاني، ما ينطوي على الكثير من الحساسية بالنسبة للحكومة في نواكشوط))، وأشار المتحدث ذاته إلى أن ((وضع الكويرة مرتبط بطبيعة النزاع حول الصحراء وتاريخه، حيث يعود التواجد العسكري الموريتاني في هذه المدينة إلى أواسط سبعينات القرن الماضي، إبان توقيع اتفاقية مدريد، وزاد: كما أن اتفاق السلام الذي وقعته موريتانيا مع جبهة البوليساريو في غشت 1979، كان ينص على إشراف الموريتانيين على الكويرة إلى حين حل مشكل الصحراء، حماية للأمن القومي الموريتاني، كما أن الجبهة نفسها لم يسبق لها تاريخيا أن وطأت هذه المدينة)).

وتابع القيادي السابق في البوليساريو موضحا بأن ((مخاوف موريتانيا بشأن الكويرة مخاوف سيادية بالدرجة الأولى، فيما المغرب واعٍ بهذا المعطى وغير مستعجل في الوقت الحالي لاتخاذ أي خطوة استثمارية تبقى رهينة توافق موريتاني مغربي في هذا الشأن، كما أن المملكة المغربية لا تريد إغضاب موريتانيا رغم ضعفها، لأنها تدرك جيدا أن هذا البلد امتدادها الطبيعي نحو إفريقيا، التي تراهن عليها الرباط في سياستها الخارجية)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى