تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | مسار تدخل أمريكا في “المفاوضات” حول الصحراء من 1979 إلى اليوم

أطل علينا وعلى حين غرة، تسريب من الصحافة الإسبانية مفاده أن الأطراف المعنية بقضية الصحراء، وهي المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، اجتمعوا في السفارة الأمريكية بمدريد، من أجل إطلاق مفاوضات حول قضية الصحراء المغربية برعاية أمريكية، وقد كان الخبر مفاجئا، وما تسرب عنه من معلومات يبقى قليلا سوى تأكيد أمريكا رسميا أن الاجتماع جرى فعلا في مدريد وأن هناك جولة جديدة ستكون في شهر ماي المقبل، والحال أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها جمع أطراف النزاع حول طاولة المفاوضات، أما ما تمخض عن الاجتماعات السابقة وأهم ما طرح خلالها، وما آلت إليه، فنقترحها على قرائنا في هذا الملف.

أعد الملف: سعد الحمري

اجتماع باريس 1979.. أول جلوس مغربي جزائري على طاولة المفاوضات

تتمة المقال تحت الإعلان

إن أول محاولة لجمع أطراف النزاع المفتعل حول الصحراء، ونقصد هنا المغرب والجزائر، وقعت بعد حوالي أربع سنوات من اندلاع قضية الصحراء؛ يومها وقع مستجد في الساحة كان مدخلا لمحاولة جمع أطراف النزاع حول طاولة المفاوضات، ويتعلق الأمر بالانقلاب الأول من نوعه الذي حصل في موريتانيا يوم 10 يوليوز 1978 بقيادة مصطفى ولد محمد السالك على المختار ولد داداه؛ يومها بدأت قضية الصحراء تشهد مستجدات، أولها وأبرزها إعلان موريتانيا تخليها عن الجزء الذي منح لها من الصحراء، على اعتبار أن الحرب تدمر اقتصادها.

تتمة المقال تحت الإعلان

التقطت فرنسا، التي كان يقودها فاليري جيسكار ديستان، الإشارة، وهي الأخرى كانت منخرطة في حرب الصحراء، حيث كانت تدافع عن موريتانيا في مواجهة البوليساريو، وبدأت أولى محاولاتها من أجل جمع أطراف النزاع ومحاولة إيجاد مخرج لهذه الأزمة، وقد نجح الرئيس الفرنسي في جمع المسؤولين المغاربة والجزائريين، حيث جاء في وثيقة أمريكية تحمل رقم 231 مؤرخة بـ 28 أبريل 1979، أن ذلك كان في نهاية أبريل 1979، وأن مبعوثين مغاربة وجزائريين توجهوا إلى باريس بدعوة من الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، وجاء في الوثيقة أن ما تسرب من معلومات هو أن الرئيس الفرنسي استقبل الوفدين بشكل منفصل ولم يتم عقد اجتماعات ثنائية، كما أشارت نفس الوثيقة إلى أن فرنسا التزمت الصمت والإبقاء على سرية اللقاء الذي لم يتجاوز لقاءً واحدا.

كما ذكرت نفس الوثيقة، أن اللقاء جاء في جو جديد تحسنت فيه آفاق التوصل إلى حل دبلوماسي بشكل كبير، خاصة بعد الانقلاب الذي وقع في موريتانيا، وأيضا بعد إعلان الحكام الجدد بوضوح عن نيتهم الخروج من الحرب التي تدمر اقتصاد موريتانيا الضعيف، وذكرت الوثيقة أن ما أكد أن هناك توجها ونية لإيجاد حل، هو إعلان جبهة البوليساريو وقف إطلاق النار في موريتانيا.

كما رجحت الوثيقة الأمريكية أن يكون المقترح الفرنسي قد تضمن إنشاء كيان سياسي صحراوي في المنطقة التي كانت تسيطر عليها موريتانيا، على اعتبار أن النظام الجديد في موريتانيا مستعد للتنازل عن هذه الأراضي، وما رجح وجود هذه الإمكانية، تخلي الجزائر عن مطالبتها بمنح البوليساريو فرصة إنشاء دولة صحراوية تشمل كل الأراضي التي كانت تحتلها إسبانيا، وفي الختام، ذكرت الوثيقة أن الذي يظل غير واضح هو مدى قبول المغاربة بالمقترح الفرنسي، خاصة وأنهم كانوا ما زالوا يتوفرون على قوات عسكرية في موريتانيا، بموجب اتفاقية المغرب مع موريتانيا الموقعة سنة 1976، والقاضية بحماية الجيش المغربي لموريتانيا من هجمات البوليساريو والجزائر.

وبهذا الخصوص، يقول المفكر عبد الله العروي، أن فرنسا كانت خلال هذه المرحلة، تسعى إلى فرض الأمر الواقع على المغرب؛ فقد ذكر ضمن “خواطر الصباح” ما يلي: ((حصل تغيير في الخطاب الرسمي الفرنسي. الهدف المعلن الآن هو إيجاد حل وسط يرضي الجزائر، وهذه الأخيرة لم تتوصل، في الخرطوم وفي بلغراد، إلى عزل المغرب وإدانة سياسته، وظلت أغلبية الدول المشاركة في الاجتماعين تنظر إلى مشكل الصحراء على أنه نزاع ثنائي، جزائري-مغربي، يجب حله في إطار إفريقي، لذا اقترحت تأسيس لجنة تحكيم، إلا أن الحكومة الفرنسية تستثمر اليوم الانقلاب في موريتانيا، فهي ترى الفرصة مواتية لتمرير تسوية تستجيب لتطلعات الجزائر (منفذ على المحيط وقيام دويلة تديرها البوليساريو وتفصل المغرب عن موريتانيا وباقي إفريقيا الغربية). المشروع كان في الأصل أمريكيا سعوديا، قد توافق عليه روسيا. عندها تسند مهمة تسويقه وتطبيقه إلى فرنسا على أساس أنها تحمي استقلال موريتانيا وتسلح المغرب، لكن الحاصل هو أن الجميع يتوخى الآن استرضاء الجزائر بسبب حضورها القوي في المحافل الدولية، لا يمكن للمغرب أن يعدل الكفة دون الإقدام على إصلاحات جذرية في الداخل، لا يوجد حل دبلوماسي للمسألة، إذ الجميع يعرف حقيقة الوضع في الصحراء.. كل تصريح يؤول على ضوء الواقع المعروف)).

الحسن الثاني وهواري بومدين أثناء التوقيع على «اتفاقية حسن الجوار» بإفران سنة 1969
الحسن الثاني وهواري بومدين أثناء التوقيع على «اتفاقية حسن الجوار» بإفران سنة 1969

تدخل أمريكا الأول سنة 1979

كان هذا التحرك الفرنسي هو الأول من نوعه، رغم أن المغرب لم يوافق عليه، أعقبته بداية اهتمام أمريكي بمسألة الوساطة بين المغرب والجزائر في هذا الملف، حيث تم تشكيل مجموعة عمل معنية بالصحراء المغربية بقيادة مساعد وزير الخارجية، هارولد ساوندرز، لاستكشاف إمكانيات مشاركة الولايات المتحدة في الجهود الرامية إلى التوسط في نزاع الصحراء، وقد حضر الاجتماع الأول للمجموعة في 5 أبريل 1979، ممثلون عن مجلس الأمن القومي، ووزارة الدفاع، وهيئة الأركان المشتركة، ووكالة الاستخبارات المركزية، ووكالة مراقبة الأسلحة ونزع السلاح، ووزارة الخارجية، ووفقا لتوصياته، تم اتخاذ الخطوات التالية:

– أولا: التقى سفراء أمريكا في مدريد والرباط والجزائر بوزير الخارجية الإسباني ومسؤولين إسبان كبار آخرين، في 19 أبريل 1979، لإجراء مناقشة. – ثانيا: عقد السفير باركر مشاورات مماثلة مع كبار المسؤولين في إسبانيا وباريس يوم 3 ماي 1979؛

– ثالثا: تم إرسال تعليمات إلى عدة عواصم إفريقية للتأكد من حالة جهود الوساطة التي تبذلها منظمة الوحدة الإفريقية.

وفعلا، انطلقت محادثات بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء، حيث كانت الجزائر الطرف الأضعف، لأن الحرب بدأت تستنزفها، وصرح الملك الحسن الثاني للصحافة أكثر من مرة بأن المغرب في وضع مريح، ثم ما لبث أن توفي الرئيس الجزائري هواري بومدين أواخر سنة 1978، وفي بداية سنة 1979، صرح الملك الحسن الثاني لأحد الصحفيين عندما سأله بالتالي: “ماذا كان سيسفر عنه لقاؤكم مع الرئيس الراحل بومدين؟”، فكان جواب الملك: ((إن الرئيس بومدين كان شخصا جادا ولقاؤنا لو تم لما كان لقاء راحة، لأنه كان شديد التدقيق في التفاصيل، ولأن هذا اللقاء كان قد تطلب استعدادا كبيرا، وكان لا يمكن تسوية الكل، ولكن كان سيتم تسوية الأهم))، وعندما سئل عن الرئيس الجديد وحول إمكانية عقد اجتماع به، صرح الحسن الثاني بأن الجزائريين لم يبدوا بعد استعدادا لذلك، وبعد ذلك ببضعة أشهر، طرح أحد الصحفيين على الملك السؤال التالي: “قلتم في إحدى المقابلات أنه كان عندك فكرة لمقابلة المرحوم هواري بومدين، هل هناك الآن اتصالات سرية أو محاولات لإحيائها مع الزعماء الجدد؟”، وكان جواب الحسن الثاني كالتالي: ((لو كانت هناك اتصالات سرية لطلبت منك ألا تطرح هـذا السؤال. إنني لا أعرف الكذب، ليست هناك أي اتصالات سرية)).

جيسكار ديستان
جيسكار ديستان

محاولة ثانية للمفاوضات سنة 1980

غير أنه في سنة 1980، بدأت محادثات سرية جديدة، حيث كشفت وثيقة أمريكية، رفع عنها طابع السرية مؤخرا مؤرخة بـ 5 فبراير 1980، أن الملك الحسن الثاني أخبر أحد المسؤولين الأمريكان بأنه جرى استئناف المحادثات مع الجزائريين، وأكد له أن اتصالات جرت قبل بضعة أيام ومن شأنها أن تستأنف في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر، كما ذكرت الوثيقة أن المستشار الملكي رضى اجديرة ذهب إلى فرنسا يوم 23 يناير والتقى بمسؤولين جزائريين بعد يومين، بينما أخبر مسؤول أمريكي البيت الأبيض بأن المغاربة فعلوا ما أرادته أمريكا من خلال إظهار استعدادهم للتحدث بجدية عن قضية الصحراء.

كما أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على خطوة جديدة، وهي استقبال ممثل عن جبهة البوليساريو في ماي 1980، والمسمى ماجد عبد الله، من طرف مسؤولين أمريكان، حيث حاولوا إقناعه بضرورة الانخراط في حل سلمي دبلوماسي، غير أنه لم يبد أي مرونة، ثم توقفت المفاوضات بعد ذلك، بفعل مناورات جزائرية في منظمة الوحدة الإفريقية، وازدياد عدد الدول التي اعترفت بالجبهة كممثل وحيد للصحراويين، بعد ذلك عقد اجتماع رفيع في واشنطن يوم 27 فبراير 1981، لتقييم الوضع بعد انسداد الأفق في الصحراء، وخرج الاجتماع بالخلاصات التالية:

– أولا: من الناحية العسكرية، الموقف المغربي أفضل بكثير مما كان عليه قبل عام، على العكس من ذلك، فإن جبهة البوليساريو تعاني من ضغوط (انخفاض المعنويات، بعض النضوب في القوة القتالية، صعوبات في التجنيد).

– ثانيا: التكاليف الاقتصادية للحرب باهظة للغاية (2 مليون دولار في اليوم أو أكثر) بالنسبة للمغرب، ولا تزال جبهة البوليساريو تتمتع بالأفضلية على الصعيد الدبلوماسي (مع منظمة الوحدة الإفريقية، وفي الأمم المتحدة، ومع الدول غير المنحازة بشكل عام).

– ثالثا: يظل الحل العملي الوحيد هو التوصل إلى تسوية دبلوماسية تفاوضية مقبولة لجميع الأطراف الرئيسية (المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو).

ومع ذلك، حاولت أمريكا مجددا جر الأطراف إلى طاولة المفاوضات، إلا أن هناك وثيقة أمريكية مؤرخة بـ 29 ماي 1981، جاء فيها أن مسؤولا أمريكيا أخبر رؤساءه في البيت الأبيض بأن الجزائريين كانوا مترددين في الانخراط في المفاوضات خشية أن يواجهوا أسئلة حول عدالة التعديلات الإقليمية التي أجرتها فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية، والتي خسر المغرب فيها بعض ترابه لصالح الجزائر، وأقر بوكيتا بأن المناقشات المغربية – الجزائرية جرت في فرنسا وسويسرا ومدينة الطائف السعودية، ووافقت الجزائر، مثل المغرب، على دعم دعوة منظمة الوحدة الإفريقية لوقف إطلاق النار وإجراء استفتاء.

ورغم المحاولات الأمريكية، إلا أن الرفض وظهور مستجدات دولية جعلت الجزائر تحاول دائما التنصل من الدخول مع المغرب في مفاوضات من أجل إيجاد حل سياسي مقبول لدى الأطراف.. إلى أن حلت سنة 1988، عندما بدأت الجزائر تطلب من أمريكا التوسط بينها وبين المغرب من أجل إيجاد حل يقوم على منح الحكم الذاتي للصحراويين، إلا أن المغرب رفض، ثم قامت الجزائر بعد ذلك بالمصالحة مع المغرب، وظلت قضية الصحراء معلقة..

اليوم، يبدو الوضع مختلفا تماما.. فرغم أن ما تسرب عن الاجتماع الأخير قليل جدا، إلا أنه يمكننا تسجيل بعض الملاحظات: أولا؛ يمثل حضور الجزائر للاجتماع قبولها بصيغة الموائد المستديرة. ثانيا؛ جلوس الجزائر إلى طاولة المفاوضات، يعني إقرارها بأنها طرف في النزاع. ثالثا؛ تسربت أخبار تفيد بأن المغرب قدم نسخة محينة من الحكم الذاتي في 40 صفحة، ونستحضر هنا الوزير ناصر بوريطة في إحدى خرجاته الإعلامية العام الماضي، عندما عقب على المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، الذي قال بأن على المغرب أن يقدم مقترحه حول الحكم الذاتي، حيث عقب عليه بوريطة يومها بأن المغرب سيقدم مقترح الحكم الذاتي عندما يرى أن الظروف أصبحت مواتية.. فهل تقديم المغرب لمقترح الحكم الذاتي المحين في 40 صفحة معناه أن الظروف أصبحت مواتية ؟

‫2 تعليقات

  1. لم أفهم لحد الآن ما شأن الجزائر، وما الذي يجعلها طرفا في النزاع؟

    مجرد التصريح ب : “الجزائريين كانوا مترددين في الانخراط في المفاوضات خشية أن يواجهوا أسئلة حول عدالة التعديلات الإقليمية التي أجرتها فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية، والتي خسر المغرب فيها بعض ترابه لصالح الجزائر”
    يبرز هوس الجزائر بدعم البوليساريو من حيث المصلحة، لكن بالرغم من ذلك، كيف لها ان تكون طرفا مركزيا بالنظر لهذه الأهمية التي يكتسيها الإصرار على وجودها في المفاوضات!!!؟

    ماذا هناك من أسرار لم يكشف عنها بعد؟ ما يدور الآن وما يتم الكشف عنه ب”التقطير” يجعل السردية المتعلقة بهذا الملف متجاوزة وغير صحيحة بشكل تام. منه فالحقيقة تبقى ضائعة أو على الأرجح “مخفية”.

  2. Un peu de respect comment vous pouvez mettre un torchon d’une bande de marionnettes hommes de services a la solde de la mafia du régime Harki alge-rien vaurien parmi les drapeaux des pays souverains vraiment quelle manque de respect envers le peuple marocain

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى