إهدار مصلحة المواطن بين “الدولة الاجتماعية” وتغول “الدولة الإدارية”

الرباط. – الأسبوع
في ظل السياسات العمومية التي تنهجها حكومة أخنوش على صعيد الكثير من القطاعات الأساسية في المجتمع، والتي لها علاقة بشكل مباشر أو غير مباشر بحياة المغاربة، يظهر جليا انحراف الحكومة عن الشعارات الاجتماعية التي رفعتها خلال بدايتها وخلال تسويقها للمشاريع الملكية التي نسبتها إليها، للظهور أمام الرأي العام بأنها حكومة الكفاءات والإنجازات، وهي في الحقيقة حكومة التناقضات والامتيازات والريع وتضارب المصالح.
منذ تنصيب حكومة أخنوش، عاش المواطن المغربي الكثير من الأزمات والضربات التي استهدفت بشكل مباشر القدرة الشرائية والقفة اليومية والمعيشة والفواتير، وأصبح من سابع المستحيلات أن يتمكن أي موظف أو أجير في عهد هذه الحكومة، من الادخار أو توفير بعض المال لقضاء بعض أمور الحياة، خاصة وأن العديد من المنتجات الضرورية عرفت زيادات قياسية، بالرغم من أسطوانة الدعم التي ترددها الحكومة في البرلمان وأمام وسائل الإعلام الرسمية، والتي لا يستفيد منها المواطن وتذهب فقط إلى جيوب الإقطاعيين و”الفراقشية” الكبار.
يقول الحقوقي مصطفى المنوزي: “لم تعد التحولات التي تعرفها السياسات العمومية مجرد تعديلات تقنية في آليات التدبير، بل أضحت تعبيرا عميقا عن اختلال في البوصلة السياسية والحقوقية، حيث تتقاطع مفارقتان صارختان: خوصصة قطاعات حيوية تمسّ شروط الحياة الأساسية، كالماء والكهرباء، وإخضاعهما لمنطق الربح مما يحولهما من حق عمومي إلى سلعة، ومن التزام دستوري إلى مجال استثمار، بما يفضي إلى إضعاف مفهوم الخدمة العمومية، وتوسيع الفوارق الاجتماعية والمجالية، وإعادة إنتاج الهشاشة؛ فحين تتحول الحياة اليومية إلى معادلة مالية بحتة، يتآكل الإحساس بالمواطنة، وتُستبدل علاقة الثقة بين الدولة والمجتمع بعلاقة تعاقد هشّ غير متكافئ”، وأضاف: “بدل أن تكون الإدارة أداة لخدمة المشروع الاجتماعي، تحولت إلى غاية في ذاتها، تنتج المساطر بدل الحلول، وتراكم الإجراءات بدل الحقوق، وتستثمر في الضبط أكثر مما تستثمر في التمكين. وهكذا، تتراجع الدولة الاجتماعية من كونها مشروعا للتحرر والكرامة إلى مجرد برامج تقنية محدودة الأثر، مثقلة بالبيروقراطية، ومنزوعة البعد الإنساني.
إن الدولة الإدارية، حين تنفصل عن بعدها الاجتماعي، تتحول إلى آلة تنظيم باردة، تدبر المجتمع بدل أن تخدمه، وتراقب المواطنين بدل أن تمكّنهم، وتنتج الامتثال بدل المشاركة. في هذا السياق، يصبح منطق الأمن والنظام والإدارة بديلا عن منطق العدالة والإنصاف والتضامن، فتُسلّع شروط العيش باسم النجاعة الاقتصادية، وتُقنَّن الحرية باسم التنظيم، وتُختزل المواطنة في الامتثال الإداري”.
فالرهان الحقيقي، يقول المنوزي، لا يكمن في الاختيار بين الدولة الإدارية والدولة الاجتماعية، بل في إعادة تركيب العلاقة بينهما على نحو يجعل من الإدارة أداة تمكين لا وسيلة ضبط، ومن الدولة الاجتماعية أفقا استراتيجيا لا شعارا سياسويا؛ فإدارة قوية بخدمتها للمجتمع، ودولة اجتماعية فعالة بقدرتها على الاستثمار في الإنسان، هما شرطا الاستقرار المستدام والتنمية العادلة.
وحسب المنوزي، فإن تحصين استقلال المحاماة، باعتبارها جزءً من الأمن القضائي والحقوقي، لا يقل أهمية عن تحصين الحق في الماء والطاقة، باعتبارهما جزءً من الأمن الإنساني، وقال: في زمن تتسارع فيه التحولات وتختلط فيه الأولويات.. يصبح السؤال الجوهري المطروح: أي دولة نريد، دولة تضبط المجتمع أم دولة تحرره؟ دولة تسلّع الحياة أم تحميها؟ دولة تؤمم الدفاع أم تصونه ؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست نظرية، بل عملية، تتجسد في السياسات العمومية وفي اختيارات الحكامة، وهنا بالضبط يتحدد أفق الإصلاح الحقيقي، باعتباره انتقالا من منطق التدبير التقني إلى منطق المعنى، ومن منطق السيطرة إلى منطق الكرامة، ومن دولة الإدارة إلى دولة الحق والعدالة الاجتماعية.



