تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | مهنة المحاماة.. من المقاومة لأجل الاستقلال إلى الصراع مع قوانين وهبي

يبدو أن وزارة العدل عازمة، في عهد استوزار عبد اللطيف وهبي، على إصدار عدة قوانين تنظم مهن قطاعات مرتبطة بها، لعل أبرزها قطاعي العدل والمحاماة؛ فهذا القطاع الأخير، أثار الكثير من النقاش في أوساط المحامين أنفسهم، الذين عبروا عن رفضهم القاطع لمشروع “قانون المهنة”، الذي تعتبره الهيئات ماسّا بحصانة الدفاع واستقلالية المهنة، وتشمل الأزمات توتر العلاقة مع وزارة العدل، التي فرضت إكراهات ضريبية واجتماعية، إلى جانب المطالبة بإصلاح شامل للمسطرة المدنية والجنائية، ويسعى هذا الملف إلى إبراز تطور مهنة المحاماة بالمغرب والنضال من أجل استقلالية المحامي، وصولا إلى مرحلة وزير العدل الحالي عبد اللطيف وهبي.

أعد الملف: سعد الحمري

هكذا قاتل أول المحامين بالمغرب من أجل فرض مبدأ استقلال المهنة

تتمة المقال تحت الإعلان

عندما فرضت فرنسا الحماية على المغرب سنة 1912، لم تكن مهنة المحاماة معروفة بالشكل الحديث في بلادنا، غير أنه ومع بداية المحتل في وضع الإطار القانوني للمملكة، ووضع القوانين المنظمة للمهن، كان من بين أول المهن التي صدر في حقها قانون ينظمها هي مهنة المحاماة، حيث صدر بالجريدة الرسمية يوم 12 غشت 1913 أول قانون ينظم المهنة بالمغرب، والذي سمح بممارسة المهنة للفرنسيين والأجانب الذين مارسوا المهنة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات. وقد كانت محكمة الاستئناف بمقتضى القانون المنظم للمهنة، هي التي تبت في التقييد في الجدول، وفي القبول في التمرين، كما كانت هي من يعين النقيب من بين المحامين ذوي الجنسية الفرنسية، وكان التأديب من اختصاص المحكمة الابتدائية مع إمكانية الطعن بالاستئناف، ولم يكن للنقيب سوى رأي استشاري إلا في حالة توجيه إنذار، كما كان هذا القانون الأول من نوعه بالمغرب، المنظم للمهنة، يحتوي على بعض الفصول الغريبة المقيدة لمهنة المحامي، ويتعلق الأمر بالفصل 42 منه، الذي كان يعطي لمحكمة الاستئناف إمكانية تشديد العقوبة الصادرة عن المحكمة الابتدائية، ولو كان المحامي المحكوم عليه هو المستأنف وحده ضدا على المبدأ التعارف عليه فقها، وهو “لا يضار أحد باستئنافه”.

تتمة المقال تحت الإعلان

بعد عشر سنوات من اعتماد هذا القانون الأول من نوعه، بدأ المحامون الذين يمارسون المهنة بالمغرب، يطالبون بإصلاح قانون المهنة على اعتبار أن القانون المعمول به لا يحمي استقلالهم، ويُمَكِّنُ القضاء من التدخل بشكل قوي في مهنتهم، وبعد نقاش مستفيض بين سلطات الإقامة ونقباء المحامين، اقترحت الإقامة العامة سنة 1923، مشروع قانون جديد ينظم المهنة، غير أن المشروع أقبر في مهده لأنه كان أكثر تشددا من الأول ويمنح القضاء مساحة أكبر لفرض الوصاية على هيئة المحامين.. وهكذا لم تجن سلطات الحماية سوى غضبا وسخطا في أوساط المحامين، وتوقفهم عن العمل، وقد بلغت درجة الاحتجاج حدّ إقدام نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء، على تقديم استقالته احتجاجا على المشروع الجديد المنظم للمهنة.

ظل السجال قويا طيلة سنة كاملة، حتى هيأ المحامون مقترح قانون تبنته سلطات الحماية، وربما كان هذا أول قانون في المغرب يهيئه مهنيو القطاع، حيث صدر ظهير 10 يناير 1924 المتعلق بتنظيم هيئة المحامين ومزاولة مهنة المحاماة، الذي اعتبر يومها تشريعا تقدميا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ذلك أنه أعطى للمهنيين نفسا جديدا وسمح لهم بتدبير أمورهم بأنفسهم، ورغم أن القانون الجديد لم ينص على استقلال المحاماة بالمغرب بصفة صريحة، إلا أن الاستقلال جاء من خلال روح تنظيم الأجهزة المهنية التي يتم انتخابها مباشرة من قبل الجمعية العامة للمحامين، عن طريق الاقتراع من خلال اللائحة بالأغلبية المطلقة لأصوات الحاضرين بالنسبة لمجلس الهيئة، وبالاقتراع الفردي بأغلبية أصوات الحاضرين بالنسبة للنقيب، الذي ينتخب قبل انتخاب أعضاء مجلس الهيئة، حسب الفصلين 11 و14 من ظهير 1924، كما برز من خلال القانون الجديد استقلال المحامين بالنسبة لمهام مجلس الهيئة، الذي أصبح هو الذي يبت في تقييد المحامين بالجدول، وفي الإسقاط من الجدول، وفي القبول في التمرين، وفي إدارة أموال الهيئة، وفي التأديب وغيره..

الملك محمد الخامس المحكمة العليا
الملك محمد الخامس أثناء افتتاح السنة القضائية في المحكمة العليا (أكتوبر 1958)

مرحلة الاستقلال.. استمرار حصد المكاسب

ظل هذا القانون هو المعمول به على صعيد المغرب رغم التطورات التي عرفتها مهنة المحاماة على الصعيد الدولي، ومن أبرزها إعلان أثينا يوم 18 يونيو 1955، الصادر عن اللجنة الدولية للحقوقيين حول سيادة القانون، الذي أكد على استقلال مهنة المحاماة وتحررها من التدخل الخارجي، لضمان سيادة القانون. وبعد ضغوط من طرف هيئات المحامين من أجل مواكبة التشريعات الوطنية للتشريعات الكونية، أبرزها ما جاء في المؤتمر العاشر لجمعية هيئات المحامين بالمغرب، المنعقد بتاريخ 25-27 نونبر 1971 بمدينة تطوان تحث شعار: “عدالة كريمة ودفاع حر”، الذي دافع عن استقلال مهنة المحاماة، ثم المؤتمر السادس عشر لنفس الجمعية، والمنعقد بمدينة مكناس بتاريخ 2-4 نونبر 1978، تحت شعار: “حصانة الدفاع واستقلاله ضمان لحرية المواطن وكرامته”، والمؤتمر السابع عشر الذي انعقد بمراكش بتاريخ 3-5 يونيو 1982 تحت شعار: “لا ديمقراطية بدون دفاع حر وقضاء مستقل”.. كل هذا جعل الدولة تفكر في التنصيص صراحة على استقلال مهنة المحاماة من قبل المشرع المغربي، الذي أصدر ظهير 8 نونبر 1979 القاضي بتنفيذ القانون رقم 19/79 الذي نظمت بموجبه نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة والذي نص في الفصل الأول على: “المحامون جزء من أسرة القضاء، مهنتهم حرة ومستقلة”، كما نص في الفصل الثاني على أن “الهيئة تتمتع بالشخصية المدنية”.

ثم صدر بعد ذلك ظهير 10 شتنبر 1993، والذي يعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، حيث نص الفصل الأول منه على أن “المحاماة مهنة حرة مستقلة تساعد القضاء في تحقيق العدالة، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء”، وسطر الظهير في الفصل الرابع أيضا على أن “كل هيئة تتمتع بالشخصية المدنية”، وصولا إلى سنة 2008، إذ صدر قانون جديد ينظم المهنة، جاء في مادته الأولى أن “المحاماة مهنة حرة مستقلة تساعد القضاء وتساهم في تحقيق العدالة”، و”المحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء”، كما جاء في المادة 4 من نفس القانون المنظم لمهنة المحاماة، أن “كل هيئة تتمتع بالشخصية المدنية والاستقلال المالي”، وهو ما يكرس دائما الاستقلال الجماعي لمهنة المحاماة، أما المادة الثالثة من نفس القانون، فإنها تفرض على المحامي “التقيد في سلوكه المهني بمبادئ الاستقلال”، كما تفرض عليه المادة العاشرة أن “يقسم على ممارسة مهام الدفاع بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية”..

وهبي
وهبي

مرحلة عبد اللطيف وهبي ومحاولة فرض الأمر الواقع

أما اليوم، فقد مر إعداد مشروع قانون مهنة المحاماة بمسار طويل تخللته توترات أسفرت عن تأخير صدوره، وبعد التوصل إلى صيغة توافقية بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين في سنة 2019، قررت الوزارة بعد تولي الوزير الحالي عبد اللطيف وهبي منصبه في 2021، وضع أرضية جديدة وتعديلات أثارت غضب هيئات المحامين، ومع ذلك، وضعته الوزارة لدى الأمانة العامة للحكومة يوم 31 أكتوبر 2024، ما دفع هيئات المحامين إلى تنظيم حراك احتجاجي ضده، وانتهى الأمر بسحبه ووضع لجنة لمناقشة جميع مطالبهم الاجتماعية والضريبية والتشريعية.

وقد تضمن مشروع القانون عدة مستجدات، أبرزها اعتماد شروط ومعايير جديدة لممارسة المهنة، وفتح باب الممارسة أمام المحامين الأجانب، ومنع التظاهر داخل المحاكم في أثناء انعقاد الجلسات، واتجه إلى اعتماد نظام المباراة لممارسة المهنة عوض الامتحان كما هو الحال في القانون الحالي، مشترطا ألا يتجاوز سن المرشح 40 سنة عوض 45، بهدف وضع وسائل عملية للتحكم في أعداد الوافدين إلى المهنة وتمكينهم من الحصول على التكوين اللازم لهم واستقطاب أجود الكفاءات، حسب المذكرة نفسها، وبعد أن كان القانون الحالي يشترط شهادة الإجازة في الحقوق ثم اجتياز امتحان الأهلية في المحاماة والخضوع للتدريب لمدة 3 سنوات، اشترط القانون الجديد شهادة الماجستير في الحقوق لاجتياز مباراة ولوج المهنة، ثم الخضوع لتكوين نظري لمدة سنة في معهد التكوين، ثم التدريب لمدة عامين تحت إشراف هيئة المحامين المعنية، وبعد قضاء فترة التدريب، يجتاز المحامي المتدرب امتحانا يحصل إثره على شهادة الكفاءة لممارسة المهنة، كما نص القانون لأول مرة على ضرورة أن يتوفر المحامي على تكليف مكتوب من موكله يتضمن عددا من البيانات، وعلى إحداث مجلس هيئات المحامين واعتباره الممثل الوحيد لها أمام السلطات والإدارات العمومية.

في المقابل، اعترض المحامون على عدد من المواد التي قالوا إنها “تتضمن عيوبا تمس باستقلالية مهنة المحاماة وبالمكتسبات التي حققتها”، ومن بين هذه المواد، مَنح عدد من اختصاصات مجلس الهيئة التي ينتمي إليها المحامي، لغير المجلس، ووجوب تبليغ وزارة العدل بعدد من قرارات النقيب والمجلس لكونه يكرس تبعيتها للحكومة، كما يعيبون تقليص مهام المحامي بدل توسيعها، والسماح للمحامين الأجانب بممارسة المهنة دون التوفر على الشروط اللازمة لذلك في المغرب، وإمكانية الإذن لهم بفتح مكاتب دون استشارة نقيب الهيئة.

ظل النقاش بعد ذلك قائما بين وزارة العدل وهيئة المحامين، إلى مطلع السنة الحالية، عندما صادقت الحكومة في مجلسها الأسبوعي على قانون مهنة المحاماة، ما خلف رفضا واسعا داخل الجسم المهني واتهامات صريحة للوزارة باعتماد “سياسة الأمر الواقع” وتجاوز منطق التوافق الذي يفترض أن يؤطر إصلاح مهنة دستورية وحساسة.. فقد دعت جمعية هيئات المحامين إلى التوقف عن أداء مهامهم المهنية يومي 15 و16 يناير 2026، ثم 20 و21 يناير، وأخيرا 28 و29 يناير، موازاة مع تنظيم ندوة وطنية يوم 15 يناير، والإعداد لوقفة احتجاجية وطنية سيُعلن عن تفاصيلها لاحقا، بدأت مطلع هذا الشهر.

ويُقرأ هذا التصعيد، في سياقه الأوسع، على أنه جزء من توتر أعمق يطبع علاقة عدد من المهن القانونية والقضائية بوزارة العدل خلال الولاية الحكومية الحالية، في ظل جدل متكرر حول مشاريع إصلاح كبرى تُتهم فيها الحكومة من قبل مهنيين بعدم إشراك الفاعلين الأساسيين بالقدر الكافي، غير أن خصوصية ملف المحاماة تكمن في رمزيته وفي الوزن المؤسساتي والحقوقي الذي تمثله هذه المهنة داخل منظومة العدالة.

ألا يجب علينا القول إن العدالة كما باقي القطاعات الأخرى ليست ساحة اختبار للعناد السياسي، ولا مهنة المحاماة مجالا لفرض الوصاية التشريعية دون نقاش؟ فأي إصلاح يُنجز خارج منطق الإشراك والحوار محكوم عليه، مهما طال الزمن، بأن يعود إلى نقطة البداية، لكن بعد أن تكون الثقة قد تآكلت، والكلفة قد تضاعفت.. ((من هنا، فإن العودة العاجلة إلى الحوار ليست تنازلا، بل قرارا سياسيا مسؤولا، يحفظ هيبة كافة الأطراف بدل أن يضعها في مواجهة غير ضرورية مع مكون أساسي من منظومة العدالة، أما الاستمرار في تجاهل هذا المعطى، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وإرسال رسالة مقلقة إلى الداخل والخارج مفادها أن تدبير الشأن العام ما زال يُختزل في منطق القرار الأحادي، لا في منطق الحكم الرشيد، والتاريخ السياسي القريب يعلّمنا أن بعض المسؤولين الحكوميين الذين لا يصغون في الوقت المناسب، يجبرون على الإصغاء لاحقا، ولكن بثمن أعلى،​ والسؤال اليوم ليس من سينتصر في هذا الصراع، بل من سيتحمل كلفة تأخير الحوار، ومن سيدفع ثمن انسداد كان يمكن تفاديه منذ البداية)) ((المصدر: موقع “فبراير.كوم” بتاريخ 1 فبراير 2026))

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى