الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما اتهم الفرنسيون مولاي حفيظ بتدبير الثورة

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 152"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

إن أنفاس الرواة والكتاب تتقطع وتتوقف عن السرد كلما زادوا تعمقا في جزئيات أحداث فاس.. فنراهم جميعا يتحدثون عن مجازر ثلاثة أيام، 17 و18 و19 أبريل 1912، وينتهي كل شيء.

تتمة المقال تحت الإعلان

لكن كل الأحداث تكذب الروايات الفرنسية، ذلك أن ثورة فاس 1912 لم تتوقف وإنما لجأ الفرنسيون إلى استعمال سلاح الغدر والخيانة، وإطلاق عملائهم وجواسيسهم لإنقاذ حياة الفرنسيين مقابل وعود بالأموال والمناصب، ولكن الذي يهمنا بالدرجة الأولى هو الرجوع إلى نبع المناورات الفرنسية، نبحث في مجراه عن ردود الفعل الفرنسية على أحداث فاس.

فقد اجتمعت القيادة العسكرية الفرنسية بقيادة الجنرال برولارد، لدراسة الموقف، وكان يقدم عرضا للكومندان فيليبو، الذي جاء من الجزائر، كما سبق ذكره، لدراسة الخطوات القادمة؛ وقتها قدم الجنرال برولارد خلاصة الدرس الذي استخلصه من أحداث فاس: ((إن أسباب الحادثة عميقة، وإنني شخصيا كنت أتوقع نشوب أمثال هذه الفتن، لأن هناك عاملين بارزين هما اللذان سببا القلاقل الحاصلة؛ فمن جهة، هناك كاتب الأخبار التي ترد على الفرنسيين المهتمين بالقضايا، وكلها تذكر أن المغاربة ممتعضون من توقيع معاهدة الحماية، ومن جهة أخرى، فإن المغاربة غير مرتاحين لخبر الإعلان عن ذهاب السلطان دون رجعة)).

التقرير السياسي الذي حرر بشأنه محضر عن تلك الجلسة، نقله الكولونيل فوانو في كتابه: “على أثار أعمال التهدئة بالمغرب”، واختصر فيه موقف السلطان من الأحداث، فكتب: ((إن مولاي حفيظ هو مدبر ثورة فاس))..

والذي كنا نريد استخلاصه، هو الدرس الذي لقنه جنرال فرنسي أول لجنرال فرنسي ثاني.

فتقرير الجنرال برولارد يهزئ تصريحات الجنرال موانيي، الذي نشر الأخبار والتصريحات، مرددا: ((إن سكان فاس خونة، تواطؤوا مع قطاع الطرق، وأن فاس أصبحت تسمى المدينة المجرمة)).

والحق هو ما جاء في تصريح الجنرال برولارد.

إن ثورة فاس كانت ضد الحماية (سبعة عشر يوما بعد إعلانها)، وكانت ثورة لجيش السلطان مولاي عبد الحفيظ الذي ناقش جنوده كثيرا قبل الثورة، وبمحضر الفرنسيين، فقال لهم ما فهموه على أنه دعوة إلى الثورة.

وماذا كان ينتظر من رجل ثائر ضد الاحتلال طول حياته.. ؟

ورغم أن مولاي حفيظ تحاشى أن يصارح جيوشه بدعوتهم إلى الثورة فاستخدم الأسلوب الدبلوماسي بمحضر الفرنسيين، فإن الفرنسيين فهموا الحقيقة وكتبوا أن السلطان هو الذي دفع جيشه إلى الثورة.

هنا، لا بد إذن من مراجعة محضر ذلك اللقاء الذي تم بين المولى عبد الحفيظ وبين جنوده على قلتهم، ورغم أنهم مؤطرون بضباط فرنسيين، وسيفهم القارئ من بين سطور كلمات المولى عبد الحفيظ، أنه كان يريد إعطاء الفرنسيين الدرس الذي تستحقه مؤامراتهم ومناوراتهم..

لكنه، وبمحضر الضباط الفرنسيين، والمستشار الفرنسي مورا، كان لبقا، دبلوماسيا، وكل كلمة من كلماته توحي بأنه يقول لجيوشه: افهموني.

يقول وصف المقابلة: ((في اليوم السابع عشر من أبريل عند الزوال، بعدما تناول السلطان طعام الغذاء، كان يوجد صحبة الوزير المقري في السرادق الصغير للمشور، حيث كان قد استقبل رجال القنصلية بعد الغذاء الفاخر الذي أعده على شرفهم بمناسبة وداعهم.

وفي الحجرة المجاورة، كان يوجد الدكتور مورا وزوجته، اللذان وردا لتوديع السلطان، حيث أنهما لم يستطيعا أن يصحباه إلى الرباط، وقد كان من المقرر أن يسافر الملك غداة اليوم الثامن عشر من أبريل.

وحوالي الساعة الثانية عشر وربع، سمع السلطان صياحا بعيدا كان يرد من جهة ساحة المشور، واعتقد بادئ ذي بدء أن الأمر يتعلق بخيول شردت من معاقلها، فصعد إلى الطبقة العليا للرواق لتكون رؤيته أتم وأكمل، ولكنه لاحظ أن الواردين هم عصبة من الجنود، أخذت تقترب شيئا فشيئا من المكان الذي يشرف عليه، وتوجه المولى عبد الحفيظ نحو الثائرين يسألهم عما إذا كانوا يرغبون في شيء؟ فكان جوابهم: إنك سلطاننا، وردنا عليك لنقدم شكوانا بالضباط الفرنسيين الذين يعاملوننا معاملة قاسية، والذين يحتفظون لنا بالأعمال الشاقة التي يقوم بها عادة البغال والحمير، هذا إلى أنهم ينقصون من أجرتنا، فأجابهم السلطان قائلا: عليكم أن تذهبوا إلى الوزير المقري لترفعوا أمامه شكواكم، وحالما تعرض علي سأدرسها بإمعان، فانصرفوا إذن..

فاتجه الجنود في الحين إلى بنيقة الوزير المقري الذي استقبلهم مباشرة، وبعد هذه الحادثة، غادر الملك وهو أشد ما يكون ثائرا. أقول غادر السرادق الذي كان به من باب مختفية، وأصبح بداخل القصر.

فهل وقف الأمر عند هذا الحد ؟

إن جماعة أخرى من العساكر تحمل هذه المرة سلاحا، نجحت في اختراق أبواب القصر بعد هذا بلحظات، ووصلت إلى ساحة المشور، ثم اتجهت نحو الباب الأخير طالبة رؤية السلطان في شكل خطير ومثير.

لقد رفض السلطان بادئ ذي بدء أن يستقبلهم، بيد أنه إزاء الإلحاح الشديد من هؤلاء الجنود، وإزاء النصائح التي كان أسداها إليه رجال حاشيته، خضع للأمر، ولكنه قبل فقط أن يمثل بين يديه ثلاثة من أولئك الجنود وعلى شرط أن يتجردوا من كل سلاح.

وتقدم النواب الثلاثة، وعرضوا على العاهل وهم على حال بالغة من الهيجان، عرضوا عليه نفس الشكوى التي عرضها أسلافهم، فهم يتأففون من سوء معاملة الضباط الفرنسيين، واحتقارهم لهم وبخسهم أجورهم، فأجاب مولاي حفيظ: سأدرس مقترحاتكم، وفي انتظار ذلك، ينبغي لكم أن تنصرفوا، اقصدوا ضريح مولاي عبد الله، وتوجهوا إلى الله.

وبمجرد ما انصرف الجنود الثلاثة، أخذت بوادر عصابة ثالثة للعساكر تظهر في جوانب القصر، ولقد كانت من حيث الثورة والهيجان أسوأ حالا من السابقتين؛ فلقد اندفعت نحو غرفة السلطان صارخة صائحة، تطلب بكل شدة أن ترى صاحب الجلالة.

وبعد لحظة قضاها السلطان في التردد والتأمل، قبل أيضا أن يستقبل ثلاثة مندوبين آخرين، وكما كان في الأولين، فقد جرد هؤلاء من السلاح قبل أن يدخلوا ردهة الملك.

ولقد عبر هؤلاء أيضا عن مطالبهم، بيد أن هذه الطائفة امتازت عن السابقتين بأنها أفرغت ذلك في عبارات جد قاسية لدرجة أن السلطان تأثر أيما تأثر.

لقد قالوا في جملة ما قالوا: نريد أن تتدخل حينا لفائدتنا، فإن شخصك ما انفك عندنا دائما الشخص المحترم، فأنت سيدنا الوحيد، ونحن جنودك الأوفياء، ولكنك ستفارقنا، وستغادر فاس إلى غير رجعة، فكان جواب الملك وقد ظهرت على محياه أمارات الاضطراب: أبدا.. سوف لن أغادركم نهائيا، وإنما سأذهب إلى الرباط فقط، ولكن الجنود أجابوه في وقاحة نادرة قائلين: ليس هذا صحيحا، فإننا نعلم أن عليك أن تغادر المغرب كله لتتجه نحو بلاد الروم.. وإذا كان حقا ما تقول من أنك إنما ستذهب فقط إلى الرباط، فلم إذن لا نصحبك نحن إلى هذا الرباط؟ إنك سلطاننا ولا يمكن بأي حال أن نتنازل عنك، ولذلك، فإن رغبتنا أن لا تفارق هذه الديار.

وهنا كان التأثر بلغ أقصى منتهاه بالمولى عبد الحفيظ، فأجابهم بصوت مرتجف: نعم، إنني أعلم أنكم جنود مخلصون لي، وإنه في استطاعتي أن أعتمد عليكم، نعم ستصحبونني جميعا إلى الرباط، فاذهبوا من الآن لانتظاري في نزالة فرجي – على بعد نحو خمس كيلومترات من فاس – فإنني سألتحق بكم بعد حين، وكدليل على أنني أمنحكم ثقتي، فإنني أعهد إليكم بأن تسهروا على حراسة أسرتي التي وصلت إلى ذلك المكان ونزلت فيه فعلا.

وفي إصرار غريب، أجابه الجنود الثائرون قائلين: إننا نرغب في أن نلتحق بنزالة فرجي ولكن يجب أن تمكننا حينها من العتاد العسكري.

ولقد حاول مولاي حفيظ أن يعقب على طلبهم هذا، وقد أخذ يشعر بنوع من المضايقة والحرج، فقال لهم: ولكن تحت أيديكم الكفاية من العتاد، فاعترضوا عليه قائلين: أبدا ليس لدينا ما يكفي من الرصاص، يجب أن تجعل سائر مخازن السلاح والذخائر تحت أيدينا، وذلك حتى نتمكن من أن نستغلها كما يجب متى دعت إليها الحاجة)).

إن الأيام التي أعقبت هذه المقابلة بين السلطان وضباط جيشه، عرفت تمارجا كبيرا على الصعيد الوطني بين الجيش المخزني وسكان فاس، وفي اليوم التالي، أخذت قيادات الثورة ترسل المبعوثين إلى القبائل طالبين نجدتهم، وفي الوقت الذي كانت الصحافة والبرلمان الفرنسيون يشيدون بشجاعة النساء المغربيات، حتى أن جان جوريس قال في البرلمان الفرنسي: ((إنهن نساء شجاعات.. لقد كن يطردن الجيوش الفرنسية ويقلن بصوت عال: سنقتلكم أيها الرجال إذا ما وليتم الأدبار)).. في هذا الوقت شب الصراع بين الأطراف الفرنسية، ونقلت الصحافة الفرنسية أحداث فاس إلى الساحة السياسية في باريس.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى