ملف الأسبوع | “نهاية البوليساريو” في الحسابات التاريخية لأمريكا
غطى ما أعقب نهائي “الكان” على كل النقاشات.. وبالموازاة مع ذلك، كانت هناك بعض الأحداث ذات أهمية كبرى بالنسبة للمغرب، ويتعلق الأمر بزيارة وفد من البوليساريو إلى واشنطن الأسبوع الماضي، حيث روجت وسائل إعلام جزائرية لوصول وفد من جبهة البوليساريو الانفصالية إلى الولايات المتحدة، على أن ذلك يأتي للمشاركة في لقاء تمهيدي يندرج في إطار جسّ النبض واستطلاع مواقف الأطراف المعنية بشأن الجهود الرامية إلى تسوية نزاع الصحراء، ثم تطورت الأمور أكثر فأكثر.. ليتضح أن هناك جهودا من أجل حلحلة هذا الملف تقودها أمريكا فعلا، عندما قام مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، ليلة الإثنين، بزيارة إلى الجزائر قادما إليها من تونس وليبيا، مع العلم أن “الأسبوع الصحفي” كانت قد أشارت إلى أن أمريكا تستعد لوساطة بين المغرب والجزائر قبل أيام من هذه المستجدات.
أعد الملف: سعد الحمري
تنبيه أمريكي داخلي حول عدم استقبال أعضاء الجبهة بوزارة الخارجية الأمريكية
لا بد من الإشارة إلى أن ما أثار الانتباه خلال الزيارة الأخيرة لوفد البوليساريو إلى واشنطن، هو أن الإعلام الخاص بالجبهة والإعلام الجزائري، أكدوا أن الوفد ذهب إلى وزارة الخارجية الأمريكية للقاء المسؤولين الأمريكيين هناك، ثم اتضح فيما بعد أنهم التقوا مسؤولا من جهاز المخابرات الخارجية الأمريكية، ويبدو أن لذلك دلالة كبرى، حيث جرى في الأعراف الدبلوماسية أن تستقبل أي وزارة خارجية لدولة ما في العالم وفدا عن دولة معترف بها، وهو الأمر بالنسبة لما فعلته أمريكا، حيث حمل استقبال وفد البوليساريو من قبل مسؤول في المخابرات الأمريكية دلالة على أن بلاد العم سام تصنف الجبهة ضمن الحركات المسلحة وتتعامل مع ملفها بطابع أمني صرف.
وعند قراءة تاريخ تعاطي واشنطن مع جبهة البوليساريو منذ نشأتها، نجد أن واشنطن استقبلت وفدا من البوليساريو بوزارة خارجيتها مرة واحدة فقط، وكان ذلك نهاية شهر مارس 1980؛ يومها كانت أمريكا قد أعلنت أنها سترسل إلى المغرب دفعة من الأسلحة التي طلبها من أجل حرب الصحراء، وفي ذات الوقت استقبل مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية ممثلا لجبهة البوليساريو، حيث أرسل جيمس رينتشلر، عضو مجلس الأمن القومي الأمريكي، مذكرة إلى مساعد الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي يوم 7 أبريل 1980، تتمحور حول استقبال الخارجية الأمريكية للممثل عن الجبهة، واعتبر المسؤول الأمريكي أن أي استقبال لأي مسؤول عن الجبهة من طرف الخارجية الأمريكية سيربك المملكة المغربية وسيغضبها باعتبارها حليفا لأمريكا.
جدل حول عدد المحتجزين بتندوف من منظور أمريكي
هناك جانب آخر يمكن استخلاصه من خلال الوثائق والتقارير الرسمية الأمريكية، بخصوص طبيعة جبهة البوليساريو التي تريد أن تدخل في مفاوضات على أساس أنها ممثل للصحراويين، وكيف تراها أمريكا، وبين أيدينا تقرير أنجزته وزارة الخارجية الأمريكية يوم 16 دجنبر 1977، بعنوان: “جبهة البوليساريو.. العنصر الرابع في معادلة الصحراء”، يقدم معلومات كافية حول مكونات وطبيعة الجبهة، ومما جاء في التقرير، أن الصورة التي ظهرت عن جبهة البوليساريو في الصحافة الغربية المتعاطفة معها خلال سنة 1977، من أنها “مجموعة نبيلة من المحتجزين من الصحراء الإسبانية السابقة، الذين حملوا السلاح للنضال من أجل تقرير المصير ضد قوات الغزو التابعة لقوة احتلال”، غير دقيقة إلا جزئيا، على اعتبار أن التقرير الأمريكي جاء فيه ما يلي:
• إن عدد المحتجزين في تندوف مبالغ فيه إلى حد كبير من قبل البوليساريو، حيث أن نسبة كبيرة من الصحراويين المجموعين في مخيمات في الجزائر، ليسوا من الصحراء أصلا؛
• قادة البوليساريو، الذين ينتمي بعضهم على الأقل إلى المنشقين اليساريين من موريتانيا والمغرب، هم حلفاء إيديولوجيون للجزائر، ومن المحتمل أن تشمل أهدافهم الإطاحة بنظام ولد داداه في موريتانيا؛
• من الواضح أن الجزائر استخدمت البوليساريو لمعاقبة حليفتها السابقة موريتانيا على “خيانتها” ولإضعاف المغرب، منافسها الجيو-سياسي الوحيد في المنطقة، ولا يُعرف مدى تورط الجزائر المباشر في العمليات العسكرية للجبهة، لكن الأدلة تشير إلى أن مستشارين جزائريين يرافقون الجبهة في مهامها، وأن العديد منهم يقودون بالفعل وحدات مختلفة تابعة للجبهة، بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن أعدادا كبيرة من جنود الجبهة قد جُندوا من الصحراويين الذين لم يكونوا في الأصل من الصحراء الإسبانية السابقة؛
• حدد تعداد سكاني إسباني أجري عام 1974، أن هناك 74000 فقط من السكان الأصليين للصحراء في كل الصحراء الإسبانية؛
• تدعي الجزائر والبوليساريو علنا أن هناك أكثر من 100000 لاجئ، وأن رفض الجزائر المستمر السماح بإجراء مسح دقيق لأعداد وأصول السكان المتجمعين في المخيمات حول تندوف، يجعل هذه الادعاءات مشكوكا فيها؛
• إن الطبيعة البدوية للسكان الصحراويين، الذين تجاهلوا تقليديا الحدود الوطنية، تجعل عدد السكان في المنطقة يتقلب بشكل كبير، اعتمادا على الظروف الموسمية والمناخية، ومع ذلك، من الواضح أن الجزائر والبوليساريو جمعا في العامين الماضيين ما بين 30000 و80000 صحراوي قادرين على إظهار رغبتهم في الحرية والعودة إلى “وطنهم الصحراوي” أمام المراقبين الأجانب، ويشمل هذا العدد الأشخاص الذين عاشوا في الصحراء الإسبانية السابقة، وهناك أيضا عدد كبير (ربما حتى الأغلبية) من الصحراويين الذين وصلوا من مناطق أخرى من صحراء الجزائر وموريتانيا ومالي وحتى من المغرب، إما هربا من الجفاف في منطقة الساحل، أو لأن المتحدثين باسم الجزائر والبوليساريو حثوهم على القدوم.

تسييس ملف المحتجزين ومسألة من يتخذ القرار داخل الجبهة
جاء ضمن نفس التقرير الأمريكي، أن الجزائر وقيادة البوليساريو قامت ببرنامج لتلقين المحتجزين الصحراويين في الجزائر، حيث يخضع اللاجئون، الموزعون على 20 إلى 30 مخيما، لتدريب سياسي وعسكري يهدف إلى إعدادهم للعودة إلى “دولة صحراوية مستقلة”، ويتم أيضا تعليمهم مزيجا من الماركسية والعروبة القائمة على الإسلام، كما أنه من غير المعروف إلى أي مدى تمكنت قيادة البوليساريو من خلق شعور حقيقي بالهوية الوطنية بين شعب بدوي ظل يتنقل بحرية لعدة قرون.
أما من يسيطر على جبهة البوليساريو.. فقد ذكر التقرير الأمريكي، أن المغاربة والموريتانيين يؤكدون أن جبهة البوليساريو، التي يقودها في المقام الأول منشقون مغاربة وموريتانيون يساريون، هي أداة في يد الجزائر ولن يكون لها وجود إذا ما سُحب الدعم الجزائري. وبالطبع، يدعي الجزائريون عكس ذلك، وحسب نفس التقرير، يقولون إنهم يزودون الجبهة بمعدات وملاذ احتراما لما يسمونها “القضية المقدسة” المتمثلة في تقرير المصير، والتي “يناضل من أجلها مجموعة مستقلة من الوطنيين الصحراويين الذين لا يمارسون أي سيطرة عليهم”.
وذكر التقرير أيضا، أن تحليل الأدلة المتاحة يشير إلى الاستنتاجات التالية: تستخدم الجزائر مقاتلي الجبهة لإضعاف المغرب، منافسها الوحيد في المنطقة، ومعاقبة موريتانيا، التي كانت قبل نزاع الصحراء حليفا وثيقا للجزائر، على “خيانتها”، وبدون الملاذ الآمن والدعم المادي من الجزائر، ستتراجع العمليات العسكرية للبوليساريو ضد المغرب وموريتانيا إلى مستويات “يمكن التحكم فيها” في غضون بضعة أشهر، ومع ذلك، من المحتمل أن تواصل الجماعات المسلحة غاراتها المضايقة في داخل الأراضي لعدة سنوات، خاصة إذا تم العثور على مصادر بديلة للأسلحة.
وجاء ضمن نفس التقرير، أن القيادة السياسية الفعلية لجبهة البوليساريو هي على الأرجح عدد صغير نسبيا من المقاتلين الصحراويين المتعاطفين إيديولوجيا مع الجزائر، والذين تتسم تطلعاتهم والتزامهم بدولة صحراوية مستقلة، ومع ذلك، هناك أدلة متزايدة على أن هذه القيادة لديها طموحات إقليمية وإيديولوجية أوسع نطاقا؛ ففي وقت مبكر من عام 1975، سعى قادة البوليساريو إلى إنشاء دولة صحراوية واسعة النطاق تتمركز في موريتانيا، وربما يعكس هذا الطموح التأثير القوي للموريتانيين المنفيين داخل الحركة والأعداد المتزايدة من الموريتانيين الصحراويين في مخيمات المحتجزين، ويبدو أن الهدف الرئيسي من الهجوم الذي شُن في يونيو 1976 على العاصمة الموريتانية والجهود اللاحقة لتعطيل الاقتصاد الموريتاني، لم يكن فقط إجبار موريتانيا على الخروج من الحرب، بل أيضا محاولة الإطاحة بنظام ولد داداه واستبداله بجمهورية إسلامية اشتراكية متوافقة إيديولوجيا مع الجزائر.
إنه لا يُعرف مدى مشاركة الجزائر في صياغة أهداف واستراتيجية البوليساريو، يقول نفس التقرير، لكن من الواضح أن دوافع الجزائر تتجاوز الاهتمام بحقوق الصحراويين في تقرير المصير؛ ففي كثير من النواحي، تتوافق أهداف البوليساريو مع الأهداف الإقليمية الواضحة للجزائر، وعلى أقل تقدير، من المنطقي الافتراض أن جهود البوليساريو المتكررة لتعطيل الاقتصاد الموريتاني ما كانت لتحدث لولا موافقة الجزائر، إن لم يكن تشجيعها، وقد استشهد الفرنسيون بأدلة ظرفية تشير إلى دور جزائري كبير في صياغة الاستراتيجية العسكرية الشاملة للبوليساريو، وهناك مؤشرات على أن المستشارين العسكريين الجزائريين يلعبون دورا هاما في العمليات العسكرية للثوار، وربما يقودون وحدات تشارك في عمليات الثوار داخل الصحراء وموريتانيا.
كان هذا ما جاء في تقرير أمريكي نشر سنة 1977، ويبدو أنه رغم تقلبات مختلف الإدارات الأمريكية، إلا أن موقفها ظل هو عدم الاعتراف بجبهة البوليساريو، ومع حلول نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، جاء في وثيقة أمريكية مؤرخة بتاريخ 6 شتنبر 1986، أن بقاء إقليم الصحراء تحت السيطرة المغربية هو أفضل ما يخدم الاستقرار الإقليمي والموقف الاستراتيجي الأمريكي على المدى الطويل، ولن تخدم مصالحنا دولة مستقلة غير قابلة للحياة في الصحراء الغربية، خاضعة لتأثيرات ليبية أو سوفياتية أو غيرها من النفوذ المعادي، أو غير الداعم للمصالح الاستراتيجية الأمريكية.
كما أن نهاية الثمانينات شهدت جهودا أمريكية من أجل الوساطة بين المغرب والبوليساريو، ورغم الجهود الأمريكية من أجل الوساطة بين المغرب والجزائر للوصول إلى حل نهائي، إلا أن وزارة الخارجية الأمريكية وزعت وثيقة سياسية على سفارتيها بكل من الرباط والجزائر يوم 7 مارس 1987، تؤكد فيها أن حكومة الولايات المتحدة تقر بالمسؤولية الإدارية للمملكة المغربية في ذلك الجزء من الصحراء الخاضع للسيطرة المغربية، وهذا لا يعني قبولا بالسيادة المغربية، وهي مسألة تُحسم من خلال العملية السياسية، وأكدت الوثيقة أنه في تبادلات سرية مع الحكومة الجزائرية والحكومة المغربية، أعربت أمريكا عن تحفظاتها بشأن جدوى قيام “دولة صحراوية مستقلة”.
الآن، وقد أصبحت أمريكا تقر بالسيادة المغربية على الصحراء، كما أنها ترعى الوساطة من أجل إنهاء هذا الملف، فإنها بدأت فعليا في الاستماع إلى أطراف النزاع، وليس طرفي النزاع كما تدعي الجزائر، حيث أنه مباشرة بعد زيارة وفد البوليساريو إلى واشنطن، قام مسعد بولس ليلة الإثنين الماضي، بزيارة إلى الجزائر قادما إليها من تونس، وأفادت السفارة الأمريكية في الجزائر، في بيان لها، أن “بولوس في الجزائر في زيارة جديدة، ونتطلع إلى تعزيز شراكتنا ومواصلة العمل المشترك من أجل السلام والازدهار في المنطقة”، وهو ما يعطي مؤشرا على طبيعة الزيارة المرتبطة بملفات إقليمية، من بينها الأزمة في ليبيا، وأوضاع منطقة الساحل، والنزاع في منطقة الصحراء.
وتأتي زيارة بولس في وقت غادرت فيه السفيرة الأمريكية إليزابيث أوبين الجزائر بعد انتهاء مهمتها الدبلوماسية، في انتظار تعيين سفير جديد لواشنطن في الجزائر، عقب رفض لجنة الشؤون الخارجية في الكونغريس ترشيح مساعد وزير الخارجية السابق المكلف بشؤون شمال إفريقيا والساحل، جوشوا هاريس، لتولي المنصب.. فكيف ستقابله الجزائر ؟
مع العلم أنه من خلال تتبعنا لكل المؤثرين المحسوبين على جبهة البوليساريو، في تعليقاتهم على زيارة الوفد إلى واشنطن، كانت كل التعليقات متشائمة، حيث كتب أحدهم أن استقبال الوفد من طرف مسؤول في جهاز المخابرات الأمريكية دليل على أن بلاد العم سام تقارب البوليساريو مقاربة أمنية، إذ تعتبرها حركة مسلحة، ثم كتب آخر أن أمريكا نجحت في إخضاع حركة “حماس”، أقوى حركة مسلحة في العالم، وألزمتها بتنفيذ ما طلبته أمريكا، وهو ترك السلطة في غزة وعدم المشاركة فيها، وتبقى كل التعليقات متشائمة إلى درجة أن أحدهم طالب بالاكتفاء بإنشاء دولة صحراوية في ما يعتبرونه المناطق المحررة.




