الحقيقة الضائعة | الهروب الكبير من البالوعة إلى مستشفى “ظهر المهراز”
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 151"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

قال الصحفي هوبير جاك في كتابه: “أيام فاس الدامية”: ((استطاع جيرما أن يستجمع أنفاسه ليصيح في صديقيه قائلا: “إن عليكم أن تحاولوا المرور من هذا الثقب على ما هو عليه، وإن ذلك سيكلفكم دعك الأجسام وجرحها، بل وربما سيكون الوسيلة الوحيدة لإنقاذكم من الموت، ولكنه على كل حال، هذا هو الجحيم، وهنا أشار بوجارد على جيرما بأن يستعين بمقبض بندقيته، وأخذ هذا يقوم بالتجربة مرة أخرى، وكان يشتغل وهو أكثر ما يكون احتياطا على بندقيته التي فيها الأمل المنشود، وضرب على جانب اللبنة، وكان أن تزعزعت هذه المرة فالتجأ إلى غمد السيف وجعل منه أداة لهلهلة الآجور، وتم الأمل، فأذعنت اللبنة الأولى.
وفي ظرف عشرة دقائق، نجحوا في توسيع الثقب، وهنا اقتلعوا إطار الكوة الخشبي، ولم يبق عليهم إلا أن يرتموا الواحد بعد الآخر ليصبحوا في نجوة من النار والدمار))..
ولكن ماذا يكون هذا الخارج الذي سيجدون أنفسهم فيه ؟
يقول هوبير: ((إن الكوة تنفذ إلى بالوعة تنزل من وادي فاس، هذا إلا أن بينهم وبين أرضها نحو عشرة أمتار، فالمسافة من البعد بحيث تمنع من النزول بوسيلة عادية، بيد أنهم كانوا على خبرة تامة بالمنهاج التقليدي الذي يسلكه الفارون في المغامرات الروائية، إنهم فتلوا حبلا من الثوب الذي كان يغطي السرير وتظافرت جهودهم على عقده، ولكن ما يجعلون في طرف هذا الحبل لينشبوه على جانب الكوة؟ لقد طافت عيونهم على ما في البيت.. آه. هذه قطعة من حديد هنا، هل سيصبحون في عداد الناجين؟ وحينما جعلوا الحديد كمخلب بين آجرتين، وهكذا أسلمهم الحبل الجديد إلى خارج هذه البوتقة، بيد أنه خلال هذه المدة التي استغرقوها في الاستعداد، لم يفتأ المغاربة عن مضاعفة عنفهم ومتابعة هجومهم. إن عيون كاربانتي وبوجارد عميت تماما نتيجة للغبار المنبعث من الجبس الذي يسقط تحت الرصاص، والبخار المتصاعد من الخشب المحترق من فعل هذه النيران التي شبت حواليهم.
نعم، كانوا في هذا الوقت إلى جانب هذا العنت يسمعون ضربات عنيفة على السقف. إنهم المعتدون يحاولون ثقب السقف من أعلى السطح كما فعلوا في منازل أخرى، وذلك ليصبوا من تلك الثغرات مقادير من البترول يحرقون بها المختفين والملتجئين.
وحتى اللحظة الأخيرة، كان هؤلاء المدافعون يستعملون السلاح، ولم يغادروا بيتا إلى آخر إلا في الوقت الذي يجابههم فيه الخطر وجها لوجه، وكلما دخلوا بيتا أحكموا غلقه، ووجد جيرما وأودو متسعا من الوقت ليهيئا وسائل الإفلات.
وتقدم جيرما أولا، فنزل وتبعه أودو، ثم كان الثالث كاربانتي، أما بوجارد، فلم يهم بالهروب إلا عندما سقطت الباب الأخيرة تحت ضربات الفؤوس، ولكن هل كان سهلا عليه أن يلوذ بالفرار ؟
وحاول كاربانتي – رابع الأربعة – أن يفلت بدوره من الكوة، ولكنه لم يصل إليها، لقد فقد توازنه وسقط على الأرض، وهو يرسل نيران مسدسه على المغاربة انبسط على بطنه، وأخذ يرجع القهقري نحو المنفذ؛ فقد أدخل رجليه أولا، وحيث أنه لم يكن في استطاعته أن ينتصب، فكان مضطرا لأن يعتمد بيسراه على البندقية، بينما استمرت يمناه تضغط على زناد السلاح.
وأخيرا اجتاز المسلك، ورغم أنه سقط على الأرض مرة أخرى، فقد استطاع أن ينهض من جديد دون أن يصيبه كبير أذى، وهكذا وجد نفسه أمام أصدقائه الذين كانوا ينتظرونه.
إنهم جميعا الآن على شفير بالوعة تغلي في درب ضيق يؤدي إلى شارع “الطالعة”، وبما أنهم كانوا لا يخشون أن تنالهم أعين، فلقد فروا بأربعتهم إلى الداخل، وأخذوا يشعرون بأنهم في مأمن من الفضيحة.
ولاحظوا أن كاربانتي أصابته جروح في جبهته نتيجة لوثبة قام بها، ولكنهم ظلوا ينفذون خطتهم، وصعدوا حيث اختفوا تحت قنطرة هناك، وهنا داعبتهم فكرة اقتفاء أثر المياه عساهم يصلون إلى خارج المدينة، ولكنهم لم يعبروا نحوا من مائة متر حتى اصطدموا بعائق. إنه شباك من حديد ينزل من فوق، ويقع على الماء فيسد المسالك، ولكنهم غطسوا في الماء ونجحوا في اقتحام هذه العرقلة، ومع الأسف وجدوا أنفسهم أمام باب أخرى من العود، ولكن القضبان هذه المرة كانت تنزل إلى أعماق الماء..
وجدد جيرما محاولاته عدة مرات، فنجح في اقتلاع إحدى الركائز، ولكن مجهوداته ذهبت سدى في محاولة اقتلاع الثانية، وهنا قال لأصدقائه: “ومع ذلك نستطيع أن نخترق هذه الحواجز متى تظافرت جهودنا عليها”، وقصد جيرما الجانب الآخر من الحاجز، وتبعه كاربانتي، ولكن الجروح كانت قد أضنته فسقط في الماء، وكاد أن يختنق، فبادر أودو وارتمى عليه فأخذ بساقه وأنقذه وأعان جيرما على الرجوع إلى الوراء.
وهكذا لم تبق أمامهم إلا وسيلة واحدة، ألا وهي الانتظار، ولكن في أي مكان؟
في الماء المتعفن، المختلط بالأزبال والقاذورات والغثاء من سائر الأشكال والألوان. إن الماء كان يصل حتى وجوههم…
وحوالي العاشرة ليلا، رجعوا وهم على ما ترى حتى وصلوا إلى المدخل الذي صدروا منه، إلى هذا المخبأ، إنهم يريدون الاستطلاع، وعندما وصلوا إلى المكان لمحوا شخصين، يحمل أحدهما في يده مصباحا وهو يلتفت يمنة ويسره ينقب عله يعثر على هؤلاء الفارين، وهنا رجعوا أدراجهم والتصقوا بشفير الوادي، ثم اختفوا في المياه.
لقد صعدوا إلى مكان أعلى بقليل بعد ذلك، وقضوا ليلهم قريبا من رحى صاخبة يستمعون للمارة الذين يبحثون عنهم جيئة وذهابا. نعم، قضوا ليلتهم في ذعر قاتل، وسط أسراب من الفئران الكبيرة تحوم حواليهم، وجوههم مغطاة بنسيج العناكب الفتاكة، يلتحق أحدهم بالآخر، البرد القارس يميت جوارحهم، يتملكهم الشعور بالتهديد، تهديد جرف المياه الموبوءة التي تحمل الأحجار وشقق الزجاج.
إنهم عندما فوجئوا في منزلهم لأول مرة كانوا في أثناء الغذاء، ولم يكونوا منتعلين إلا أحذية مغربية لم تصمد أمام تيار الماء، فذهبت معه حيث ذهب، وراحوا وأرجلهم حافية يخطون على الحجر والزجاج الذي يدميهم.
وزيادة في وطأة المصاب، اندلعت عاصفة قوية في أثناء الليل صاحبتها أمطار طوفانية، وهكذا أخذ الوادي يتصاعد شيئا فشيئا، ووصل وقت أخذوا يترقبون اللحظة الرهيبة التي تغمرهم فيها المياه، واضطروا لأن يبحثوا عن محل آخر في البالوعة تكون أعلى بقليل من التي يوجدون بها، وذلك عساهم ينجحون على الأقل في الاحتفاظ برؤوسهم خارج الماء.
وكما يقول أحد هؤلاء الضباط في تقريره، فقد كانوا يغيبون من وقت لآخر ليستيقظوا من نوبتهم ويتفقد أحدهم الآخر.
وظلوا طيلة اليوم الموالي هكذا، تتطارح أمامهم أسوأ الاحتمالات، ولكن دون أن يستطيعوا أي حراك.
لقد كانوا يسمعون من وقت لآخر بعض الطلقات النارية المتوالية، ولكنهم كانوا يعتقدون أنها فقط طلقات من الأهالي يقصدون منها إعلان فرحتهم بالانتصار الذي أحرزوا عليه ذلك اليوم.
حقيقة يجب أن نقرأ التقرير الرسمي الذي حرره الليوتنان بوجارد، أكبر الأربعة، فقد كتب في بساطة هذه الجملة: “ولقد مر اليوم دون حادث، وكذلك كان الشأن في الليلة بعده”.
هكذا قال في تقريره، ونحن نعلم أن الأربعة ظلوا هناك منذ ست وثلاثين ساعة دون غذاء، وداخل ماء قارس يصل منهم الأعناق، وفي مكان على نحو ما سمعتم، وفي حال من الرعب بحيث أنهم كانوا ينتظرون مباغتة الأعداء ليقتلوهم ويقطعوهم.
نعم أحد هؤلاء هو الذي كتب قائلا: “مر اليوم دون حادث، وكذلك كان الشأن في الليلة بعده“.
لم يكن على كاربانتي سوى سروال وقميص، واستفحل أمر جرحه الذي يشتكي منه. إن البرد قهره، وفي كثير من المرات كان أصدقاؤه يؤوونه بين ضلوعهم حتى يأخذ قليلا من الدفء.
وهكذا أيضا مرت ليلة اليوم التاسع عشر دون حادث، وانبثق فجر اليوم التاسع عشر من أبريل، فأخذوا يقتنعون أكثر من أي وقت مضى بأنه من المستطاع بالنسبة إليهم أن يزيدوا يوما واحدا على هذا الحال.
إنهم قرروا أن يرجعوا ليخرجوا من نفس المنفذ الذي أدخلهم، وسيتخذون كل وسائل الاحتياط.
إنهم أشبه بأموات منهم بأحياء، وإنهم إلى العراة أقرب منهم إلى المكتسين.
تقدم كاربانتي في مهارة: آه، آه إنهم الآن في الدرب الذي يؤدي إلى “الطالعة” ولكنه صحراء، فلا مارة، ولا حركة.. تقدموا قليلا. وإذا بهم أمام باب موصدة.
وعلى حين غفلة، لمحوا مغربيا شاكي السلاح وهو مقبل ليفتح الباب، فالتصقوا بالجدار، وبمجرد ما شهدوا الباب فتح استجمعوا قواهم وارتموا على هذا المغربي فخنقوه حتى استولوا على سلاحه.
يا لها من مفاجأة، إن المغربي كان يضمر لهم خيرا، إنه صديق لهم ودود، مبعوثا من لدن القائد الدمناتي لينقذهم، فهو صديق لفرنسا يرجوهم أن يتبعوه، فارتدى بوجارد وجيرما البرانس التي حملها هذا المغربي، أما الاثنان الآخران فقد رأيا أن من الحزم سوء الظن، ورفضا الالتحاق بالمغربي إلا على شرط أن يستدل لهما بورقة ممضاة من الجنرال برولارد.
وبعد نصف ساعة، وصل مغربي آخر يحمل “الورقة المطلوبة”.. وهكذا أخذ الاثنان طريقهما والتحقا بالزميلين حيث ضمهم بعد ذلك بيت واحد، وجدوا فيه الدفء والحياة، وكؤوس الشاي المنعشة.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحا.. غلبهم النوم فارتموا على الفراش حتى الخامسة مساء، حيث استيقظوا على صدى أصوات المدافع التي كانت تنطلق لتسكت الثائرين.
لقد وضع حدا لمغامرتهم المروعة، وأمسوا نهارهم هذا بين جدران المستشفى العسكري بـ”ظهر المهراز”)).
هذا السرد المشوق الذي كتبه الصحفي هوبير جاك، ينتهي بالعنصر الجيد الذي استطاع به الفرنسيون اختراق الحصار الفاسي، وهو عنصر الخيانة. إذن، عنصر السياسة والمناورات السياسية، ذلك أنه لم يبق للفرنسيين خيار غير اللجوء إلى الأساليب الكبرى لفك الحصار عن بقايا الضباط والجنود الذين كانوا في مواقع أخرى ربما أسوأ حالا من هؤلاء الأربعة الذين قرأنا مغامرتهم.
هل نتصور حالة الفرنسيين وهم ينصتون لمختلف الروايات من الجرحى، أو الهاربين، أو ما تنطق به حالة الجثث والأشلاء البشرية، أو ما هو أفظع من هذا عندما لا تبقى جثث، كما هو الحال بالنسبة للضابط ريني، الذي أراد الهروب رفقة مساعده لوري بالصعود إلى سطح بيته، والهروب عبر السطوح، فاعترضتهما مجموعة من النساء المغربيات فقيدنهما وأخذن يقطعن أطراف الضابطين ويحرقنها قطعة قطعة ؟



