الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | جحيم الثورة الفاسية ضد الاستعمار الفرنسي

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 150"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

عندما اجتاحت المظاهرات كل جنبات مدينة فاس، أغلقت كل المتاجر أبوابها في لحظة واحدة، ويصف الفرنسيون في تقاريرهم واقع تلك اللحظات: ((إن المشاهد مفجعة، وأطراف البحث في كل ركن والفرنسيون يغتالون في بيوتهم، والرؤوس المقطوعة مرفوعة على أسنة الرماح)).

تتمة المقال تحت الإعلان

توجهت فرق النجدة الفرنسية من حي “دار دبيبغ” على ثلاثة محاور: في اتجاه المدينة بقيادة القبطان فيليبو، في اتجاه القصر الملكي بقيادة الكومندان فيلير، وفي اتجاه مستشفى “أوفير” بقيادة الضابط الطبيب فورنيال.

وهرب الفرنسيون الذين استطاعوا ذلك للاحتماء بالقنصلية الفرنسية، وخاض مدير البريد الفرنسي، بيارني، معارك بطولية من أجل إنقاذ الفرنسيين بعد أن شكل فيلقا من المتطوعين المدنيين الفرنسيين.

وجاء قائد حامية فاس، الجنرال برولارد، إلى المستشفى المركزي وحوله إلى مقر لقيادته، وأخذت المدافع التي وصلت لأطراف المدينة، تقنبل جنبات المدينة، ((ولكن زغردات النساء وصيحات “الله أكبر” لم تتوقف رغم القصف المدفعي))، حسب ما كتبه الضباط الفرنسيون الذين وصف أحدهم بوابة المستشفى وهي تفتح لإدخال الجثث الممزقة إربا.

ونامت فاس ليلة 17 أبريل 1912 تحت قصف المدافع الفرنسية، وقبل أن يسدل الليل ستائره على المدينة، كان الصحفي هوبير جاك يكتب مذكراته: ((لقد أخذنا نقول في أعماقنا إنه إذا كانت المدفعية قد تدخلت، فإن الأمر يدل على أن الحالة جد خطيرة، بيد أننا لم نسمع لحد الآن أصوات بنادق جيشنا العصرية.

فهل جيوشنا المرابطة بحي “دار دبيبغ”، على بعد أربع كيلو مترات من المدينة، لم تستطع أن تقترب من المدينة؟ وكيف أنه مضى يوم على نشوب الفتنة ولم يقع بصرنا على جندي واحد من الجيش الفرنسي في الشوارع.. ؟)).

في تلك الأثناء، كانت الإمدادات العسكرية تتوالى من الحاميات الفرنسية بمكناس تحت جنح الظلام لصباح اليوم الجديد.

إن الفرنسيين هم أصحاب المثل الذي يقول “الليل يسدي بالنصح”، لكنهم في تلك الليلة التعيسة من يوم 17 أبريل 1912، لم يكونوا يصغون إلى نصح الليل، وإنما كانوا وكأنهم ابتلعوا ألسنتهم، يعدون الأموات ويضمدون جروح المصابين. لقد كان يوما رهيبا، وخسائر كالتي تحصل في أضخم يوم من أيام الحروب الكبرى التي عاشتها فرنسا.

في يوم واحد، وفي ساحة المستشفى المركزي “أوفير”، كان التعرف على جثث الضحايا الفرنسيين يدعو إلى الغثيان:

– الضباط القتلى: الضابط لوروا؛ القبطان كوني؛ القبطان ليسباراد؛ القبطان دولافين؛ القبطان دولا مانتوار؛ القبطان ماريشال؛ وقد قتله خادمه المغربي بسيف وألقى بجثته من على السطح إلى الشارع؛ القبطان بوردونو؛ الليوتنان رينود؛ الليوتنان لابارت؛ الليوتنان روناهي؛ الليوتنان روسيني؛ الليوتنان أبريل.

– أعضاء البعثة العسكرية بقيادة الضابط مارينيي: وكان في مقدمة القتلى، ومعه اثنتا عشر جثة لضباط الصف والجنود؛

– الفرنسيون المدنيون: تسعة، وضمنهم المهندس بريكو وزوجته، وموظفة في مصلحة السياحة، مدام أمبيردي، التي كانت تدير فندق فاس، والموظفان بينكيو ومونتيل، وموظفو البريد: ميوكا؛ ريكار؛ دوكانيس؛ الراهب فابر؛ ومرافق الجيش.

هذا كان حصاد اليوم الأول من الثورة الفاسية ضد الاحتلال الفرنسي، وضد إعلان عقد الحماية.

ويقول الصحفي هوبير جاك في كتابه “الأيام الدموية”، عن تلك الليلة: ((لقد كنت أعلم منذ زمن طويل مدى الخلق الرفيع الذي يتملك الضباط الذين هم من طراز القبطان بوردونو، فإنهم من حيث نكران الذات شيء عظيم، ولذلك فقد كنت أعرف أن نصيبي منه سوف لن يكون شيئا رغم إلحاحي عليه.

لقد تركته وحيدا وذهبت إلى بيتي لأرتدي ثياب الخروج، وعندما رجعت، لاحظت أن القبطان قد أخفى رأسه في جيبه كأنما هو طفل ضبط وهو يرتكب مخالفة. لقد كان يحاول أن يقضم بأسنانه بعض فضلات من كسر الخبز، قال لي والخجل بادي عليه: “لقد غلبني الجوع”، ولكنه لم يلبث أن رمى كسرة الخبز وكأنما يخزي نفسه. لقد قذف بها دون أن ينال منها شيئا، فأهويت على يده أعصرها في حرارة، وفي صمت، وكان جوابه أن اغرورقت عيناه بالدموع قائلا: “هيا بنا سريعا، فإن مهمتي لم تنته بعد، إن زوجتي وطفلتي الصغيرة التي لا تتجاوز اثنتي عشر سنة تسكنان في فاس الجديد حيث مراكز الفتن ولا أعلم عن مصيرهما شيئا، ولا أدري هل تخلصا مما هما فيه؟ وماذا عساه أن يكون حدث لهما؟ وهل ما تزالان على قيد الحياة؟ هيا بنا.. هل أنتم على استعداد؟ فلنذهب..)).

أما اليوم الموالي، فقد كان التواجد الفرنسي فيه منعدما في كل أرجاء المدينة، لم يكونوا يضمدون جروحهم، وإنما كانوا يجترون خيبتهم، ويسكبون دموعهم مثل القبطان بوردونو، كما ورد في النص السابق.

وحتى نأخذ فكرة عن أحداث اليوم الموالي، نتتبع هذا القبطان بوردونو، الذي ذهب للاطمئنان على أحوال عائلته صباح يوم 18 أبريل، ولقد كتب عنه في مذكرات الصحفي هوبير جاك: ((لم يكن القبطان بوردونو يعرف أن مصيره المشؤوم ينتظره صباح يوم 18 أبريل، وقد كان على رأس فرقته حينما اخترقت رصاصتان صدره، فلفظ نفسه الأخير في المستشفى دون أن يعرف شيئا عن زوجته)).

لكن الإمدادات جاءت بسرعة البرق من الجزائر، بقيادة الكومندان فيليبو، الذي جاء توا على رأس فيلق من رجال “السباهي” الجزائريين.

إلا أن المغاربة كانوا يتصورون الحماية متجسمة في كل تواجد فرنسي، فأخذوا يبحثون في جنبات البيوت عن الضباط والعساكر الفرنسيين.

وإذا كان من الصعب إعطاء وصف لكل ما جرى في كل جنبات فاس، فإن الإحاطة بما جرى لأربعة ضباط فرنسيين كاف لإعطاء نظرة شمولية عما كان يجري في اليوم الثاني للتمرد.

قال الصحفي هوبير جاك في كتابه كما ذكر ذلك في جريدة “لوماتان” التي كان مراسلها: ((لم نعرف في أساطير المغامرات التي بلغت أقصى الغايات في المأساة أسطورة “أماكي”، أو تقارب هذه الظروف التي عاشها هؤلاء والتي وجدوا أنفسهم أمامها وجها لوجه.. ولنستعرض أمامنا، على سبيل المثال، تلك الساعات المضنية التي مر بها الضباط الأربعة: بوجارد، أودو، جيرما، وكاربانتي، أولئك الذين نجحوا بعد أهوال وأهوال من متابعة المغاربة التي كانت شديدة ومستمرة أيضا.

لقد كان الأربعة يسكنون دارا صغيرة في صميم المدينة، ولقد كانوا على مائدة الغذاء حوالي الساعة الثانية عشر والنصف، عندما ورد عليهم أحد المكلفين يحيطهم علما بأن الجنود المغاربة قد أعلنوا الثورة.

ولقد كانوا وهم في أثناء تلقيهم هذا النبأ، يسمعون بآذانهم إصرار ذلك الهيجان في الشارع العام، فعمدوا حينا إلى أبواب المنزل، فأوصدوها وجعلوا خلفها رتاجا لإحكام الإغلاق، وأخذوا كامل استعدادهم للمقاومة، فصعدوا إلى الطبقة الأولى ليتزودوا بالسلاح، وأول محاولة خطرت ببالهم، أن يزعموا على الفرار عن طريق السطوح المجاورة، بيد أن الفشل كان حليفهم في هذه الفكرة، إذ أنهم كانوا يستقبلون من لدن المتربصين لهم في السطوح بوابل من الرصاص.

فماذا فعل هؤلاء بعد ؟

لقد قرروا أن يلتجئوا إلى أحد البيوت التي توجد في الطبقة الأولى، حيث أن باب المنزل قد اقتحمت واخترقها المتظاهرون، بل إنهم انتشروا في فناء المنزل الداخلي، وقبل أن يغلقوا عليهم باب المخبأ الذي اختاروه للنجاة بأنفسهم، قبل ذلك تابعوا مقاومتهم من النافذة التي تشرف على فناء المنزل حيث كان الثوار يطلقون النار بدورهم، واضطر المتظاهرون إلى الرجوع القهقري إلى الممر الذي يؤدي إلى وسط الدار حيث استرسلوا في المقاومة.

إن كل واحد من الأربعة يحمل سلاحه الخاص به، وقد استمروا بأربعتهم يطلقون النار كلما بدا رأس أمام أعينهم.

وفي أثناء هذا، كان جانب من المغاربة يشتغلون بنهب ما في المنزل، ولكن لم تمض لحظات حتى كانوا على مقربة من المهاجمين لا تفصل بينهم إلا باب واهية، وهنا دخلوا بيت أودو، حيث عمد ثلاثة إلى بنادقهم يرسلون منها النار عبر النوافذ والباب، بينما ظل رابعهم يناولهم ما يحتاجون إليه من قراطيس.

فماذا كان بعد هذا ؟

إن عدد المغاربة ما انفك يزداد لحظة بعد لحظة، ودون انقطاع، وهكذا أخذ الأربعة يتصورون أمامهم الهزيمة المحققة، إنهم يوقنون الآن أنهم لا يستطيعون الاستمرار في المقاومة وقتا طويلا، لا سيما عندما أخذت ألسن النيران تتقاطع لتأخذ طريقها إليهم من كل جانب.

إنهم اهتدوا إلى الالتجاء بعد هذا إلى المرحاض الذي يتصل بالبيت، الذي أصبح مهددا هو الآخر بالاقتحام. نعم، ووجدوا في الكنيف كوة صغيرة فساورتهم فكرة الفرار بأنفسهم منها، إنها تؤدي إلى الخارج الذي ينشدونه، بيد أن الكوة كانت من الضيق بحيث لا يمكن أن ينفذ منها جسم رجل، فماذا يصنعون؟ لقد فكروا في توسيعها، وتعهد جيرما بالعمل هو بينما استمر كاربانتي وأودو حجر عشرة دون تقدم المعتدين، وذلك بنيرانهم المتتابعة التي يصبونها على المهاجمين من النافذتين معا، لكن ما هي الأدوات التي يتوصل عن طريقها جيرما إلى توسيع الكوة؟ فليس تحت يده إلا غمد سيف، ومع ذلك فقد أخذ ينقر بين الآجور، ويحاول نزع الملاط الذي يمسك الآجورة بأختها، ولكن عبثا ما كان يريد..)).

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى