بين السطور | بداية النهاية..

أحدث إعلان عزيز أخنوش عدم رغبته في قيادة التجمع الوطني للأحرار لولاية ثالثة، رجّة قوية داخل الحزب، إذ بدا القرار أشبه بصفحة تُطوى أكثر منه خطوة تنظيمية عادية.. لقد خرج الرجل من الواجهة في صمت محسوب (…)، لكن وقع غيابه كان مدوياً في الكواليس، حيث ارتبكت الحسابات وتبدّلت ملامح الكثيرين..
شهادات من داخل الحزب تفيد بأن عدداً من الوجوه البارزة لم تُخفِ تأثرها، خصوصاً أولئك الذين ارتبط مسارهم السياسي بوجود أخنوش، واستفادوا من قربهم من مركز النفوذ، فالمسألة لم تكن مرتبطة بزعيم يغادر موقعه فقط، بل بانتهاء مرحلة كاملة كانت توفر حماية وفرصاً ومسارات صعود سريعة. رحيل أخنوش يعني أيضاً تراجع ذلك الغطاء الذي مكّن بعض الأسماء من الوصول إلى مواقع وزارية وانتخابية بسهولة غير مألوفة. رهانات بُنيت على استمرار الرجل في القيادة وعلى قدرته على إعادة ترتيب المواقع، وجدت نفسها فجأة بلا أرضية تستند إليها.
داخل الحزب، كانوا من أصبحوا بين عشية وضحاها يُسمَّون بـ”أيتام السي عزيز”، ينتظرون محطة سياسية مقبلة يعتقدون أنها ستكون أكثر سخاء، اعتماداً على ثقل الرجل وشبكة علاقاته، لكن هذا الأفق اختفى في لحظة، وتحول إلى مجرد احتمال لم يكتمل؛ فاليوم، ومع خروج أخنوش من المشهد القيادي، يطفو سؤال ثقيل: من سيؤمّن الحماية السياسية لأولئك الذين صعدوا في ظل المرحلة السابقة داخل حزب اعتاد أن تُمنح فيه المواقع من الأعلى، لا عبر التدرج ولا عبر تنافس تنظيمي طبيعي؟ ما مصير كل صغير كان يتلقى عطف السي عزيز، وكان يرى نفسه خلفا مستقبليا للإمبراطورية الخنوشية؟ أولئك الذين كانوا يحلمون بتجسيد ذلك المولود الذي ازداد بلحيته، بينما كثيرون فاقوا مبكّراً وعاقوا.. وتهاوت مشاريعهم رغم ذلك..
من هنا نأخذ العبرة.. دون أن نتيه بعيدا في متاهات القرون أو نماذج المقربين (…) الذين نزلوا أو كيف نزلوا لأسفل سافلين، فيكفي الغور في مثال بسيط للولد الصغير، الذي يتلقى ما يكفي من العطف في إطار الأمومة، أو الأبوة، أو الأخوة، أو حتى العادة (…)، ونرى كيف يفرح كل قلب لمّا يرى طفلا بريئا، جميلا بحكم أن الله قال لنا: “خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”، فإنه من البديهي ألا يكون للعطف مدلول في كل شخص رده الله “أسفل سافلين”، بين ثنايا القرآن الذي كان سبّاقا لمعرفة كل مصير زائل (…)، نظرا لِما يكون لها من أخطار على القوم، قديما وحديثا..
فإن أيتام السي عزيز، نعود بهم كذلك اليوم (…) إلى قديم الزمن، الذي قال فيه أجدادنا: “التَّكْلان على الناس بحال اللي تكّا على حيط بلا ساس”، فالناس الذين اتكلوا عليهم، وعلى برامجهم ومهرجاناتهم، ومخططاتهم ومناظراتهم، وأسفارهم وخبرائهم، ومستخدميهم وعمّالهم، هم الحيط الذي كان بلا ساس، فلا يمكن أن تروا وأنتم واقفون على جدار تسقط منه طوبة كل يوم منذ خمس سنوات، أن تدعوا إلى رجعة أو تتوقوا إلى دفعة، فالحالة هاته تماما مثلما قال فيها المثل المغربي: “مشى للملّاح وقال فينكم يا العاشقين فالنبي”.



