تحليل إخباري | كيف تدخلت “الجهات العليا” لإنهاء مشروع “أخنشة الدولة”
الليلة الأخيرة في العمر السياسي لأخنوش
يوم السبت 10 يناير 2026، كان عزيز أخنوش رئيس الحكومة، يترأس بكامل أريحيته دورة المجلس الوطني للحزب، وقد كان كالعادة محاطا بجحافل المتملقين، والانتهازيين، الذين وجدوا مكانهم بسهولة داخل هذا التنظيم، الذي لا يشترط في أصحابه الحصول على شرعية تاريخية أو إيديولوجية.. فقد يكون مجرد القرب من الزعيم سلما كافيا لتسلق جميع الحواجز(..)، كما أن أخنوش بصفته القائد “السوبرمان”، لم يجحد أي معارضة وهو يتحدث عن “التمديد لنفسه” ولأجهزة الحزب إلى ما بعد إجراء الانتخابات.. أخنوش قال وهو واثق من نفسه، والمتحكم في كل شيء: “إن المكتب السياسي سيدعو – إن ارتأى ذلك – إلى تمديد انتداب مختلف الهياكل الحزبية، وفقا لمقتضيات المادة 34 من القانون الأساسي للحزب، حرصا على ضمان استمرارية العمل الميداني دون انقطاع”.
إعداد: سعيد الريحاني
أخنوش هو نفسه الذي دعا إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات، استعرض حصيلة مسار المستقبل، وهو تلك الجولات الحزبية التي تكلف مئات الملايين، بمختلف المدن، وطمأن كافة التنظيمات، والمصالح، بأنها مستمرة في مكانها، حيث قال، إنه يدرك “الدور المحوري الذي تضطلع به المنظمات والهيئات الموازية، من هيئات الصحة، وهيئة المهندسين، ومنظمات الشباب والمرأة، وباقي التنظيمات القطاعية.. باعتبارها فضاءات حيوية لتأطير الكفاءات، وصقل الطاقات، وتقوية الحضور الميداني للحزب”.
هكذا انصرف المناضلون، وغير المناضلين، يوم السبت، قبل اجتماع المكتب السياسي في اليوم الموالي (يوم الأحد)، وقد كان منتظرا منه تزكية ما قيل أمام المجلس الوطني في اليوم السابق (يوم السبت)(..)، لكن أعضاء المكتب السياسي، بمن فيهم الذين حضروا جدول الأعمال، الذي لا يخلو من التملق للرئيس عبر الحديث عن تقوية الحزب والمحطات المستقبلية(..)، لم يتوقعوا أن يتدخل أخنوش في نسخته “المعدلة” يوم الأحد، ليطالب بإدراج نقطة مفاجئة تتعلق بإعادة انتخاب “الرئيس”.
الصدمة بدت يوم الأحد على محيا الجميع.. فهذا السيناريو لم يكن متوقعا، فإذا ذهب الرئيس، ماذا يبقى؟ ولكن مع ذلك، تدخل بعض الكبار الذين يفهمون القيادة في مثل هذه المواقف، تمكن الحاضرون من إتمام الاجتماع بنجاح، ولكن الصدمة حملها البلاغ الصادر عقب اجتماع المكتب السياسي، والذي أكد فتح باب المنافسة لخلافة الرئيس عزيز أخنوش على رأس الحزب، وهو ما أكدته تحديدا الفقرة التي قالت: “ارتباطا بتمديد هياكل وأجهزة الحزب، وبمبادرة من الأخ الرئيس، يقرر المكتب السياسي عقد مؤتمره الاستثنائي بمركز المعارض بمدينة الجديدة، يوم 7 فبراير 2026 ابتداء من الساعة الرابعة بعد الزوال، وعملا بمقتضيات النظام الأساسي للحزب، صادق المكتب السياسي على لائحة اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي التي ستنكب على التحضير لهذا الاستحقاق التنظيمي، وفي هذا الإطار، يعلن عن تلقي الترشيحات لرئاسة الحزب بالإدارة المركزية بالرباط ابتداء من 12 يناير 2026 إلى غاية 28 يناير 2026، مع تمام الساعة الثانية عشر والنصف زوالا.. هذا، ويؤكد المكتب السياسي مواصلة مساندته للأخ عزيز أخنوش رئيسا للحكومة، ومؤازرته للأغلبية الحكومية عبر فريقيه البرلمانيين ومختلف هياكله وأجهزته، لتمكين الحكومة من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، ولاستكمال تفعيل برامجها إلى غاية انتهاء ولايتها الدستورية..”.

أي نوع من الأحزاب هذا الذي يجمع مجلسا وطنيا يتكون من مئات المشاركين دون فائدة، وعن غير علم بما سيحدث، فالرئيس الذي كان يتحدث عن “التمديد لنفسه” هو نفسه الذي استيقظ في اليوم الموالي يتحدث عن ضرورة الرحيل وترك الفرصة للآخرين والديمقراطية.. هل نصدق أن هذا قرارا شخصيا من أخنوش، أم أن الإملاءات فرضت نفسها؟ أليس الخطأ الذي عجل برحيل أخنوش هو تمديده لنفسه دون التشاور(..) ؟
طبعا، تحركت فيما بعد عدة جهات مستفيدة لتجعل من قرار وقف مسيرة أخنوش الاضطراري، درسا في الديمقراطية، والواقع أننا أمام انهيار كيان الحزب في حالة عدم وجود شخص آخر مثل أخنوش يمكنه قيادة الحزب بنفس دائرة المنافع والمستفيدين(..). هؤلاء المستفيدون هم أنفسهم اليتامى الذين سيتركهم أخنوش خلفه، بعد أن بنوا وجودهم السياسي والإعلامي والإداري على شبكة المصالح الحزبية الضيقة(..).
أخنوش ورغم ملكيته لآلة إعلامية ضخمة من المجندين، إلا أنه اختار أن يعبر عن صوته من خارج دائرة الحزب وخارج بلاغ الحزب، حيث اختار وسائل إعلام بعينها، وهي التي كتبت: ((أعلن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، اليوم الأحد، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، وأدلى أخنوش بهذا التصريح مؤكدا فتح الباب أمام من سيخلفه خلال المؤتمر الاستثنائي لحزب الحمامة، المزمع عقده يوم 7 فبراير المقبل بمدينة الجديدة.. وذكر في تصريحه أن الحزب له هياكله ومقراته، وله مسار جيد، ولا داعي لأن أكون خالدا في كرسي رئاسة الحزب، وأضاف: “أعطيت 10 سنوات من عمري للحزب، وحان الوقت لتسليم المشعل إلى أعضاء الحزب رغم تشبثهم بي. لقد أقنعتهم بضرورة إعطاء صورة جيدة للديمقراطية في حزب التجمع الوطني للأحرار”.. وختم تصريحه قائلا: “لقد حان الوقت لمنح الفرصة للآخرين لقيادة حزب الأحرار، وعليهم الآن أن يختاروا من سيقود سفينة حزبنا السياسي”)) (المصدر: موقع هسبريس).
هكذا إذن، اختار أخنوش وضع مسافة بينه وبين مؤتمر الحزب، كما وضع حدا لأي تفسير محتمل لكلامه.. والواقع أنه بهذا القرار سيضع نفسه ليس بعيدا عن رئاسة الحزب فقط، بل بعيدا عن إمكانية رئاسته للحكومة المقبلة في حال فوز حزب الأحرار في الانتخابات، وهو الأمر الذي أصبح مستبعدا، لكون كل شيء كان يدور حول أخنوش وليس حول الحزب، كما أن أخنوش نفسه لم يكن في يوم من الأيام جزء من قواعد حزب الأحرار، وكل ما حصل هو تأكيد لطبيعة هذا الحزب(..).
إن أخنوش لم يكن مجرد رئيس حكومة، بل هو دائرة من المنافع والمصالح المترابطة، وبغض النظر عن صفقات بالملايير، في إطار التنافي استفاد منها شخصيا، واستفاد منها مقربوه بمن فيهم وزراء، وبغض النظر عن المنافع العينية المادية من خلال الشيكات التي كان يتسلمها المتملقون(..)، فقد تحولت بعض الإدارات نفسها إلى مشاتل لإنتاج الأطر على مقاس حزب التجمع الوطني للأحرار، بل إن وزراء تابعين لأحزاب أخرى لم تكن مهمتهم خلال عهد أخنوش القوي سوى تبرير “التوظيفات” للتابعين لحزب التجمع الوطني للأحرار(..).
لنأخذ وزيرا مثل عز الدين الميداوي في التعليم العالي، فهذا الأخير لم يكن سوى أداة لتطبيق أفكار حزب الأحرار مهما كلف الثمن، ومهما كتبت الصحف والمقالات، ومن المقالات من قالت ما يلي: ((تشهد وزارة التعليم العالي منذ أسابيع، عاصفة حقيقية فجرها الوزير عز الدين الميداوي عبر موجة تعيينات غير مسبوقة، وصفت داخل أروقة الوزارة بأنها أقرب إلى عملية فرز سياسي ممنهج أكثر من كونها إصلاحا إداريا.. فبدلا من فتح نقاش وطني حول حكامة الجامعات وتقييم المرحلة، فضل الوزير إطلاق سلسلة تغييرات أثارت الشكوك حول غياب المعايير وعودة منطق الولاءات الحزبية الضيقة.. مصادر داخل القطاع تؤكد أن عدد المسؤولين الذين شملتهم التعيينات الأخيرة يفوق اثني عشر إطارا، توزعوا بين دواوين وزارية، مواقع القرار المالي، ورئاسة جامعات.. واللافت – وفق متابعين – ليس عدد التعيينات فقط، بل الانحياز الواضح لكوادر مقربة من حزب الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار، مقابل استبعاد أسماء كان قد عينها أو ثبتها وزراء سابقون، خصوصا المحسوبين على حزب الأصالة والمعاصرة.. وبهذا الشكل تحولت التعيينات إلى مؤشر على صراع سياسي صامت داخل التعليم العالي، بدل أن تكون جزء من رؤية إصلاحية شاملة)) (المصدر: موقع هاشتاغ).
من محطات تحلية المياه التي فاز أخنوش بصفقاتها، رغم وجود تضارب المصالح، إلى لوبي وزارة الصحة، وصولا إلى تعيينات على المقاس، وتوزيع الإكراميات على “إعلام معين”.. تحول أخنوش من مجرد رئيس حكومة إلى أخطبوط سياسي، قادر على تحريك الغضب الشعبي، ونقمة الطبقة المتوسطة، بل إن الرجل الذي لا يجيد التواصل السياسي، ظل دائما يختبئ وراء صفة الملياردير لقضاء مصالحه، وبينما يقال إن السياسة تنقص من رأس المال المادي، ازداد أخنوش في غناه، رغم الأزمات التي اجتازتها البلاد، وقد كشفت أحدث قائمة لمجلة “فوربس” الخاصة بأغنى الشخصيات في العالم، أن ((عزيز أخنوش حافظ على مرتبته كثاني أغنى رجل في المغرب، بثروة تقدر بـ 1.6 مليار دولار، وأضافت المجلة أن ثروته عرفت ارتفاعا بنحو 100 مليون دولار منذ شهر غشت الماضي)).
إن أخنوش يعد مثالا صارخا للجمع بين السياسة والمال والسلطة والنفوذ، وهي الوصفة الكفيلة بتفجير الأوضاع، إذا أضيف إليها مخطط “أخنشة الدولة”، الذي أكدته تعيينات على المقاس في الإدارة، بعد إبعاد خصوم رئيس الحكومة عن رئاسة مؤسسات الحكامة(..).




