الحقيقة الضائعة | يوميات المقاومة.. فاس وأيامها الدموية
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 149"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

يقول علماء الأرصاد، إنه كلما وقع كسوف للشمس تعرضت الطبيعة لهزات غالبا ما تكون مأساوية على البشر، ويقولون أن كسوف الشمس تتحرك له بعض الجبال، وتفيض بسببه بعض الوديان، ويقولون أشياء كثيرة عن الكسوف..
ولكننا لم نكن نتصور أن كسوف الشمس يحرك الجماهير ضد المحتل الغاضب، ويثير حمية الجهاد في سبيل الله.
ورغم أن العلماء لم يقولوا لنا هذا، فقد وقع فعلا.
فصباح يوم 29 ربيع الثاني 1330، الموافق لسابع عشر أبريل 1912، كان كسوف الشمس على منطقة فاس شاملا، خيم فيه ظلام دامس على المدينة سرعان ما انفجرت معه بطن السماء بأمطار طوفانية مضى زمن طويل لم تشهد فاس مثلها.
وعندما كان الضباط والجنود الفرنسيون المحيطون بالقصر الملكي في فاس يتبادلون الشروح عن كسوف الشمس وعيونهم كلها متوجهة إلى الفضاء، انطلقت صيحة من حنجرة أحد الجنود المغاربة الذين كانوا يشكلون ما أسماه الفرنسيون بـ”الطابور المخزني”، جنود الملك، واخترقت تلك الصيحة كبد الصمت، وكانت جليلة مؤثرة: الله أكبر، اللهم صلي عليك يا رسول الله.
وانطلقت أصوات أفواج النساء اللواتي كن مجتمعات هناك لا بالصدفة، وإنما بسابق استعداد، فأطلقن زغاريد اهتزت لها قلوب الجنود الفرنسيين.
وبغتة، رفع أحد الجنود المغاربة بندقية ووجهها نحو رأس أحد الضباط الفرنسيين وضغط على الزناد.
وبذلك انطلقت ثورة فاس تحت كسوف الشمس، وسيول الأمطار، ومفاجأة الجنود الفرنسيين.
لم تكن ثورة في باب القصر، وإنما انطلقت في نفس اللحظة في كل جنبات المدينة، المدينة القديمة، المدينة الجديدة، وكانت قد سميت “دار دبيبغ” في “باب فتوح”، حيث هجمت في نفس الوقت القبائل المجاورة لفاس، وحي على الجهاد، وبدأ القتل في حق كل نصراني ويهودي، وحتى الجزائري.
نصراني، لأن النصارى هم الفرنسيون الذين يريدون احتلال البلاد، واليهود، لأن اليهود هم الذين صفقوا وحدهم لدخول القوات الفرنسية وتراصوا على جنبات الشوارع هاتفين “تحيا فرنسا”، بشهادة المؤرخ ويز بيرغر الذي كتب هذا في كتابه: “على عتبة المغرب العصري”.
وما ذنب الجزائري؟ إنه خديم الفرنسيين وجاسوسهم الذي ينقل إليهم الأخبار.
يقول الصحفي الفرنسي هوبير جاك مؤلف كتاب: “أيام فاس الدامية” واصفا قصة أحد الجزائريين كما عاشها صباح يوم 17 أبريل 1912 بفاس: ((رفض خادمنا الجزائري أن يخرج لالتقاط بعض الأخبار محتجا بأن بدلته كجزائري تفضحه وأن الناس يعتبرونه كخادم لأوروبيين يجب القضاء على حياته، فقررنا أن نشتغل بالمهم، أعني أن نتناول طعام الغذاء تاركين الأخبار إلى ما بعد.
بيد أن خادمنا أخذ يلح في الاحتياط ويذكر أن الحالة من الخطورة بمكان، ولقد كدنا أن نتوجه إليه بالعتاب واللوم، ولكن سرعان ما سمعنا أصداء معادية تصعد من الشارع.
وطلعنا إلى سطح الدار لنتمكن من رؤية المناظر، إن سائر سطوح فاس مكتظة بالنساء، فلا ترى إلا رؤوسهن تبدو وهن يزغردن. إن الحركة تزداد لحظة بعد لحظة في الشارع المجاور، وأن عدد الجنود المدججين بالسلاح ينمو عددهم من وقت لآخر.
ماذا يجري ؟
إن الإشاعات التي انتشرت والتي كنا نتلقفها، تذكر أن هؤلاء الجنود ثاروا، وأنهم قتلوا ضباطهم وهم يقصدون اللحظة مولاي إدريس.
وفي هذا الوقت بالذات، نصحنا أحد الجيران من المسلمين الأتقياء، ألا نبقى أبدا على سطح المنزل حتى لا نثير علينا غضب الجمهور وثورته، فرجعنا إذن لبيت بيرو، وأرسلنا طباخنا المغربي خارج البيت، وذلك قصد أن يحمل إلينا بعد التدقيقات حول الموقف الذي أخذت بوادر الخطر تكتنفه من سائر الجهات، إن طباخنا شيخ مسن، وهو مغربي كما قلت لكم يرتدي لباسا حسب قاعدة البلاد، فهو إذن بعيد أن يثير أي انتباه حوله، كما كان الأمر بالنسبة لخادمنا الجزائري.
وفي هذه الأثناء، أخذنا نستعد للمعركة، استحضرنا جميعا أسلحتنا ومعداتنا، ولكن وا حسرتاه! إننا لا نملك إلا مسدسين اثنين مع كل مسدس ثلاثون خرطوشة، فالمجموع ستون. لقد أخذ بيرو مسدسه، وأمسكت أنا مسدسي، أما ثالثنا مينو، الذي أتى للمغرب لأول مرة، فهل كان معه سلاح؟ اسمعوا مني أسطورته: عندما كان في طريقه لفاس، كان سأل وهو في طنجة القبطان بيطلا، الضابط الملازم للمسيو رونيول، هل ما إذا كان في حاجة إلى أن يتزود بالسلاح وهو يتوجه نحو فاس؟ فأرسل القبطان ضحكة عالية وأجاب مينو على سؤاله قائلا: تريد السلاح من أجل الدخول لفاس؟ وماذا تصنع به، يا الله من تفكيرك يا مينو، أتريد أن تمزح بسلاحك ؟ لا.. لأجل الدخول لفاس ليس عليك إلا أن تريد الدخول وستدخل.
لهذا كان رفيقنا لا يتوفر على سلاح هنا، أما خدامنا فهم الآخرون لم يكن بيدهم ما يدافعون به عن أنفسهم.
وهكذا، فبعد أن أغلقنا الأبواب في إحكام زائد وممعن، قررنا أن نعتصم ببيت بيرو، الذي يوجد في الطبقة الثانية، وبهذا الوضع كان في استطاعتنا أن نضبط تمام الضبط الباب الذي يؤدي إلى ساحة الدار، وذلك في حالة ما إذا تغلب عليه متغلب، أو اقتحمها مقتحم، ولقد كان علي وعلى صديقي بيرو أن لا نستعمل السلاح إلا في آخر لحظة عندما نضطر اضطرارا، لماذا؟ لأن المواد الحربية – كما ذكرت لكم – كانت ضئيلة جدا، أما مينو، فقد كانت وظيفته أن يتكلف بحشو المسدسين بكل سرعة متى استنفدنا ما فيها.
هذه الساعة الثانية والنصف بعد الزوال.
الصيحات تتعالى من كل ناحية، والطلقات النارية أخذت تنبعث من كل مكان، وكل الدكاكين أخذت تغلق أبوابها في سرعة البرق الخاطف، وعلامة أخرى للهيجان أدل على الخطوة مما سبق، تلك زغاريد النساء الحادة المتواصلة، فأنت لا تسمع إلا “يو. يو. يو. يو” ممزوجة بالانفجارات النارية.
وعلى ماذا تدل “يو. يو” عند المرأة المغربية؟ لقد اعتدنا هذا الوقت أن نسمع هذا الصوت في الحفلات، ولكن هل كان وقفا على ساعات الأفراح والسرور؟ وهل كانت تلك الصيحات تختص بساعات الولادة أو الزواج أو أي مناسبة مشابهة؟ لا، بل هي صيحات إنذار بالموت بالنسبة إلينا. نعم “يو. يو” تتحول من بشير بالسعد إلى نعيق للغراب. يا لها من صيحات مشؤومة..
قلت لكم أرسلنا طباخنا المغربي، ها نحن نراه الآن وقد اشتبك مع عدد من المغاربة.. إنه المسكين أصبح هدفا للتهديد، لقد أمسك أحد المغاربة بحنجرته وأخذ يحاول أن يجهز عليه بخنجر كان في يده، لقد أسفنا أن نرى صديقنا على هذا الحال، ولهذا، فقد صوب بيرو مسدسه نحو المعتدي بكل دقة، وكانت مجرد حركة زائدة من ذلك المغربي كافية لأن يضغط بيرو على زناد مسدسه صوب المغربي، وكنا نعلم مدى الخطر الذي كان يتمثل أمامنا من جراء هذا التدخل الذي يبرر – في نظر الفاسيين – كل هجوم علينا. أقول بالرغم من أننا كنا نعلم سوء المصير، فإننا لم نستطع أن نتحمل ذبح طباخنا المخلص تحت أعيننا، ولكن سرعان ما نجح هذا من التملص من هؤلاء وفتحنا له الباب فدخل يلهث، وماذا يحمل معه من أخبار؟ لقد قال لنا: إن الجنود هم الذين ثاروا، وإن السكان المدنيين التحقوا بالثوار بدورهم، ولقد قتل بالفعل من الفرنسيين ثمانية، لقد رأيت بعيني -يقول الطباخ- على بعد خمسين مترا فقط من هذه الدار ضابطا فرنسيا يحمل بدلة حمراء، لعله الضابط كوني، كان يمتطي صهوة جواده فاجتمع عليه الناس يصبون عليه شتائمهم، لقد غطوا وجهه تماما ببصاقهم. إنهم أوقفوا فرسه وعمد أحد الجنود إلى رأسه فنزع القبعة التي كانت عليه، ولما عمد الضابط إلى مسدسه ليدافع عن نفسه، ارتمى جزار من حانوته على الضابط المذكور وأنزل على رأسه ضربة شاقور جعلت رأسه نصفين. لقد فررت إذ لم أستطع أن أرى أكثر من هذا.
هكذا حكى صديقنا. ولقد اتخذت الطلقات في هذه اللحظة شكلا أعنف، فمن كل ناحية تصعد شرارة، بل إن إحدى الطلقات انبعثت من سطح بجوارنا، وقد أخذنا نسمع لجلجة الأبواب وهي تكسر هنا وهناك.. أما “يو. يو” فقد تضاعفت حدته. وشيء آخر، أخذ الفاسيون يتجمعون حول منزلنا، إنهم الآن يطرقون الباب، صحنا في خدمنا مرة أخرى: إياكم وفتح الأبواب، أمعنوا في غلقها..
إن الطلقات النارية تتوالى أكثر من ذي قبل، وهؤلاء خدامنا يتهامسون فيما بينهم، إن حديثهم لا يصل إلينا بيد أن هناك شيئا لاحظناه أثار انتباهنا، فماذا هناك؟ إن خدامنا يزيلون المتاريس التي جمعناها وراء الباب…)).
لقد كان وقع المفاجآت كبيرا كما تروي مذكرات الضباط الفرنسيين، الذين بقوا على قيد الحياة: ((لقد كانت أجهزة مخابراتنا تتوقف شيئا ما، ولكن المفاجأة كانت أكبر، لقد أطلقت الرصاصة الأولى في الساعة الثانية عشر، وفي قصبة الشراردة كانت المعركة الحامية الأولى، وكان أول القتلى الضباط الفرنسيون الذين كانوا يؤطرون “الجيش المخزني”؛ فقد كان الاتفاق شبه مسبق على اغتيال الضباط الفرنسيين في كل أنحاء المدينة، وفي كل أنحاء المدينة كان الفرنسيون يسمعون صيحات “الله أكبر” وزغردات النساء، مثلما سمعها الصحفي هوبير جاك وهو في مخبئه في بيت بحي الطالعة)).



