بين السطور | فاجعة “ورا اختها”..


بين فاجعة فاس، التي خلّفت خدشًا في صورة البلاد في زمن المشاريع الكبرى، حيث قضى “عباد الله” نَحْبَهُم تحت أنقاض الحجارة، وبين فاجعة أسفي، حيث المواطنون “هزّهم الما”، والتي تحوّلت مأساتها الإنسانية إلى اختبار حقيقي لمصداقية السياسات العمومية.. لم تفصل بين الحدثين سوى خمسة أيام فقط.
وبغضّ النظر عن التحقيقات القضائية التي اعتدنا متابعتها عقب كل فاجعة، من مساءلة لهذا الطرف أو ذاك، ومن متابعات لا تخلو غالبًا من الطابع الشكلي، بدأ يتضح أن العقاب وحده لا يُنتج أثره المرجو، ليس لأن الموت حدث جديد، بل لأن طريقة التعاطي معه تكشف أعطابًا أعمق من الحدث نفسه؛ فحتى “التعامل المخزني” مع الفواجع، كما أظهرت تجارب(…)، يظل حذرًا من التعاطف العلني، لأنه ليس فعلًا إنسانيًا صرفًا، بل خطوة سياسية محفوفة بالمخاطر.. الزيارة الميدانية، أو الخطاب المباشر، أو التعزية القوية(…)، كلها قد تفتح باب السؤال عن المسؤولية: من تجاهل هذا؟ ومن سمح بذاك؟ وهي أسئلة تقود حتمًا إلى المحاسبة، والمحاسبة نقيض لمنطق منظومة حكم تعود أسسها إلى الدولة السلطانية، تقوم على الاستمرارية أكثر مما تقوم على المساءلة.. لكن ذلك حديث آخر.
إن ما يشتد في دواخلنا ونحن نرى أرواح الناس تسقط بهذا الاستخفاف، هو سؤال الوقاية لا العقاب، وسؤال ما الذي يجب فعله قبل الفاجعة لا بعدها؟ كيف يشعر منتخبون محليون وهم يعبرون شوارع مدنهم وأزقتها؟ هل يمرّون دومًا داخل سيارات رباعية الدفع، أم أحيانًا مغمضي الأعين؟ ألا يخجلون وهم يرون الأمور تُترك لهذا المصير، أم أن الوعود الانتخابية تسير في طريق والواقع في طريق آخر؟ ألم تعد هذه الأوضاع تحرّك فيهم شعورًا بالمسؤولية، أم أن الإحساس بها أصلع لا يُنبت ؟
ما وقع في فاس فاجعة رحم الله ضحاياها، وما جرى في أسفي فاجعة رحم الله ضحاياها، وكل واحدة منهما حافلة بالعِبر والدروس، غير أن الفاجعة الكبرى، والمستديمة، هي أن نعيش العام المقبل خيبة أمل جديدة، قد تتحول معها البلاد نفسها إلى ضحية، نتيجة الاستمرار في تناوب حكومات مُشكَّلة تعجز عن الوفاء بما تعلنه، وتُضعِف مع الزمن أسس العلاقة بين الشعب ومن يُفترض أنهم مسؤولون عن تدبير شؤونه.. وزراء بات بعضهم أشبه بملوك طوائف، يتنازعون في صمت حدود مكاتبهم، فبالأحرى التنازل عن مواقعهم، حتى غدت حكايتهم شبيهة بحكايات ألف ليلة وليلة، حيث تسكت شهرزاد كلما أدركها الصباح عن الكلام المباح.
لم تعد لنا القدرة على تحمل فاجعة أخرى، ولا فرصة جديدة نعيش فيها فاجعة الانتخابات، نندب خلالها حظنا، ونلطم وجوهنا، ونبكي باب الحسين، لنخسر مرة أخرى آمالنا ومصداقيتنا، ونعود، ككل مرة، إلى الإشارة بأصابعنا نحو “عدوّنا المشترك”..



