تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | هل يتجه حزب الأحرار للاصطدام مع الملكية ؟

أعضاء حزب أخنوش في "مزايدات" أكبر من الحزب

المفروض في بلد ديمقراطي يعتمد على التمثيلية(..)، أن المنتخبين مهما كانت درجتهم، مسؤولون أمام المواطنين، كما يفترض أن الذين يرتبط انتدابهم بمسؤولية معينة (رئيس جماعة، رئيس مجلس مقاطعة، رئيس جهة…)، هم من يتحملون المسؤولية في تدبير الشأن العام، ويتحملون مسؤولية القرارات المرتبطة بصرف المال العام.. لكن تصوروا لو حصل العكس، ما فائدة الانتخابات؟ وما فائدة هذا التمثيل الذي يندرج في إطار المسرح ولا يندرج في إطار العمل السياسي(..)؟ كيف يمكن محاربة الفساد، ومحاربة نهب المال العام..؟ أليست قمة المفارقة هي أن يصرخ واحد من أحزاب الإدارة نفسها بهذا العطب ؟

إعداد: سعيد الريحاني

محمد أوجار، الدبلوماسي والوزير السابق(..)، عضو في حزب الإدارة، لكن عشرات المواقع الصحفية نقلت عنه قوله: ((إن الدولة ما تزال تُبقي هامشا ضيقا أمام الأحزاب لممارسة أدوارها؛ فالجماعات الترابية ـ التي يفترض أن تكون رافعة للديمقراطية المحلية ـ لا تدبر حتى 10 في المائة من الميزانيات، فيما تبقى السلطات الفعلية بيد الولاة والعمال وممثلي الإدارة الترابية.. وقال الوزير السابق أيضا: لا يمكن أن نحمّل المنتخبين كل شرور الدولة.. فمن يحاسب الولاة والعمال وكبار الإدارات المدبرة للمال العام؟ وأكد أن رؤساء الجماعات لا يستطيعون اتخاذ أي قرار جوهري دون استشارة ممثل السلطة، ما يجعل الحديث عن اللامركزية أو ديمقراطية محلية، خطابا دون مضمون عملي..

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي تحليله لتجربة الوزراء داخل الحكومات، اعتبر أوجار أن أي وزير جديد يجد نفسه مكبلا ببنية إدارية متجذرة منذ الحقبة البصرية، قائلا: الوزير يرث بيروقراطية ثقيلة تتحكم فيها الدولة العميقة.. الكتاب العامون والمديرون لا يتبعون إرادته فعليا)) (المصدر: موقع نيشان).

تتمة المقال تحت الإعلان

ولم يقف أوجار، الذي يفترض أنه عضو في حزب الأحرار البرجوازيين إلى جانب أخنوش ومن معه، عند هذا الحد؛ ((ففي رده على من يختزل أزمة السياسة المغربية في فساد النخب، اعترف أوجار بضرورة العقاب الصارم لكل من يختلس المال العام، لكنه تساءل بحدة: هل يمكن لرئيس جماعة أن يسرق وحده على مدى ربع قرن؟ أين هي آليات المراقبة؟ وكيف تمر الصفقات العمومية؟ ومن يجلس في لجانها؟ وأشار إلى أن التركيز على المنتخبين وحدهم يخفي أعطابا بنيوية مرتبطة بضعف الرقابة الحقيقية على الإدارات الترابية، وبغياب مساءلة فعلية للأطر التي تدبر الموارد العمومية)) (نفس المصدر).

صحيح أن محمد أوجار لا ينتمي لنفس الطبقة التي ينتمي إليها أخنوش ومن معه، من أصحاب الطائرات، والمطارات داخل المنازل(..)، لكنه محسوب على حزب إداري، وعلى حزب يقود الحكومة، فإن صحت تساؤلات أوجار، لماذا يتبجح حزب الأحرار بقوله أنه يسيّر الحكومة إذا لم يكن حزبا إداريا صرفا، ومنديلا في يد الإدارة أو “البنية العميقة” ؟

إن أفضل من يمكن أن يقرأ خرجة أوجار، هم الاتحاديون، رغم أفول نجمهم في السنوات الأخيرة، بعد توالي ارتكاب أخطاء على مستوى القيادة، لنقرأ في صحيفة “الاتحاد الاشتراكي” ما يلي: ((لم يكن خروج محمد أوجار، القيادي البارز في حزب التجمع الوطني للأحرار، وزير العدل السابق والدبلوماسي المرموق الذي راكم تجربة طويلة في دواليب الدولة، حدثا عاديا في المشهد السياسي المغربي؛ فالرجل لم يكتف بإبداء رأي، ولم يكن بصدد تحليل أكاديمي، بل اختار، بوعي تام، أن يعصف بالمسلمات التي تسهر الأغلبية الحكومية على ترويجها يوميا. لقد قال أوجار، بصوت مرتفع ومن داخل بيت السلطة، ما كانت المعارضة الاتحادية تنبه إليه منذ سنوات: “الإدارة تحكم.. والسياسة تُستعمل واجهة”.

منذ الجملة الأولى، كان واضحا أن القيادي التجمعي لا يريد الالتفاف حول الحقيقة. فالوزراء، في نظره، يتحركون داخل مساحة ضيقة، محاصرين ببنية إدارية لم تتغير منذ زمن إدريس البصري، بل ما تزال تعمل بنفس آليات الضبط والتحكم، رغم كل ما قيل عن المفهوم الجديد للسلطة ودستور 2011 والجهوية المتقدمة. المنتخبون، حسب شهادته، لا يملكون من القرار إلا ما يُسمح لهم به، ورؤساء الجماعات لا يرفعون القلم إلا بعد استشارة ممثل الداخلية، والولاة والعمال يمسكون بمفاتيح التنمية كما لو أنهم الفاعل السياسي الأول.. هكذا، بكل بساطة، أعاد أوجار ترتيب خريطة السلطة الحقيقية في المغرب، مُسقطا القناع عن العلاقة المعقدة بين السياسة والإدارة.

لكن وقع كلامه لا يكمن فقط في جرأته، بل في مصدره؛ فحين يأتي هذا النقد من قلب الحزب الذي يقود الحكومة، تصبح الرسالة أشد وقعا وأكثر عمقا، فالأغلبية الحكومية ظلت تسوق صورة وردية عن “الإنجازات الكبرى”، بينما يكشف أحد أبرز وجوهها أن الحكومة لا تحكم، وأن الوزراء عاجزون، وأن القرار يُصنع خارج المؤسسات المنتخبة. هنا تتجاوز المسألة حدود الرأي السياسي لتصبح إدانة داخلية لمنظومة كاملة تُحاول إخفاء هشاشتها خلف لغة الأرقام والشعارات)) (الكاتب: محمد السوعلي).

نفس المصدر يمعن في شرح كلام أوجار: ((لم يكتف القيادي التجمعي بذلك، بل اتجه مباشرة إلى قلب المؤسسة التشريعية، ليعلن أن البرلمان لم يعد فضاءً للتمثيل الشعبي، بل منصة تُصنع داخلها الأغلبية وفق منطق المال لا منطق الكفاءة؛ فالوجوه التي تعكس المجتمع، تمر مرورا سريعا، بينما يُحكم رجال الأعمال قبضتهم على المقاعد بفضل الموارد المالية التي تسمح لهم بتجديد مواقعهم. هذا التشخيص، الذي يضع اليد على جرح التمثيلية الديمقراطية، ينسف كل خطاب حول التمكين السياسي وتجديد النخب، ويكشف أن العملية الانتخابية، كما صممتها الأغلبية ذاتها، أصبحت أداة لإعادة إنتاج نفس التوازنات.. والمثير في خرجة أوجار، أن رسالته لم تكن إدارية فقط، بل سياسية، حين ربط هذا الاختناق المؤسساتي بالمرحلة الجديدة التي يدخلها المغرب بعد القرار الأخير لمجلس الأمن حول الصحراء، حيث قال بوضوح: إن الهندسة المؤسساتية الحالية لم تعد كافية، وإن المغرب يحتاج إلى تعديل دستوري وهندسة سياسية قادرة على مواكبة التحولات الجيو-استراتيجية الكبرى. هذا التصريح وحده كافٍ ليقلب أسس القراءة الحكومية للمرحلة، لأنه يعني أن الأزمة ليست عرضية، ولا راجعة إلى صعوبات ظرفية، بل هي أزمة نموذج تدبير للشأن العام يحتاج إلى إعادة البناء)) (نفس المصدر).

في حقيقة الأمر، ما قام به أوجار هو نسف لكل خطابات تنزيل دستور 2011، بل إنه نسف شرعية عمل المؤسسات والحكومة، ولولا أن كلامه يدخل في إطار حرية التعبير السياسية، لكانت البلاد قد انقلبت رأسا على عقب، فضلا عن فتح تحقيق حزبي داخلي(..)، ولكن في حالة التواطؤ، يفهم الجميع ما يجب أن يكون، لكن لا أحد يتحرك، خاصة في حزب ينهل من محبرة الإدارة في كل خرجاته، فمن الخطأ الاعتقاد بأن حزب الأحرار ليس حزب الإدارة بمعناه القديم، حيث يتم تعويض رجل السياسة برجل قريب من الإدارة(..).

من يقول إن الكلام سالف الذكر خطير، عليه أن يستمع لخرجة أخرى من خرجات أوجار، وصلت إلى حد “نقد” التعيينات الملكية في مؤسسات الحكامة، بل إنه دعا إلى فتح الحوار بهذا الخصوص مع جلالة الملك.. هل يعرف أوجار ما يقول؟ ربما، لكن قبل ذلك، لنقرأ ما نقلته الصحافة عن أوجار حيث قالت: ((عبر محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، عن استيائه من سيطرة ما وصفه بـ”تيار واحد” على رئاسة كل مؤسسات الحكامة.. وخلال استضافته في لقاء لمؤسسة الفقيه التطواني، أمس في أحد فنادق مدينة سلا، قال أوجار: “كلهم – رؤساء هذه المؤسسات – ينتمون لتيار سياسي يساري، سواء تعلق الأمر بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين (يقصد الحبيب المالكي سابقا)، أو المجلس الوطني لحقوق الإنسان (أمينة بوعياش)، أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي (أحمد رضى الشامي)، وباقي المؤسسات.. وأضاف في إشارة إلى حزب الاتحاد الاشتراكي: هذا وضع يدعو إلى التساؤل: ما معنى أن يستفرد حزب واحد برئاسة كل مؤسسات الحكامة ؟ وردا عن سؤال حول تشنج حكومة أخنوش كلما صدر تقرير من مؤسسات الحكامة ينتقد وضعية قطاع معين، قال أوجار: إن انتماء مسؤولي هذه الهيئات يؤثر في عمل المؤسسات، قائلا إن “الإنسان لا يمكن أن ينفلت من ثقافته وجلده وممارسته.. فحياته كلها وهو يساري”، وأضاف: لا بد لبلادنا أن تضمن توازنا للمؤسسات، فأحزاب التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، الموجودة في الحكومة، لا تتواجد في مؤسسات الحكامة، وكذلك الحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية وغيرهما، لا تتواجد في رئاسة هذه المؤسسات، وهذا إشكال”، وأوضح: حينما نقوم بالانتخابات وتفرز هذه الأخيرة أغلبية، تبقى مؤسسات الحكامة تنتمي إلى زمن سياسي وإيديولوجي ما، وهذا الزمن كان دائما بأشخاصه في لحظة تعارض، واليوم في لحظة صدام)) (المصدر: موقع اليوم 24).

بين الدفاع عن أخنوش و”حشيان الهضرة”.. تساءل أوجار: ((هل من الطبيعي أن يكون توقيت التقارير الصادرة عن هذه المؤسسات لحظة تقديم رئيس الحكومة لعرضه أمام البرلمان؟”، في إشارة إلى تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي بشأن بطالة الشباب، وتزامن إصداره مع الحصيلة النصفية للحكومة، وردا عن سؤال حول كون الملك هو من له صلاحية تعيين رؤساء هذه المؤسسات، قال أوجار: “لا بد أن نثير، بكل الوقار لجلالة الملك، أن الجهات التي تقترح هذه الأسماء يجب أن يعاد فيها النظر)) (نفس المصدر).

يمكن القول إن التنافس الانتخابي هو سبب حمى التصريحات التي انتقلت بين عشية وضحاها من رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، الذي أثار اسم المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة في صراعه مع “البام”، إلى محمد أوجار القيادي في حزب الأحرار، لكن خرجة أوجار تبقى أكبر من مجرد تصريح انتخابي، بل إنه “تبليغ” عن وضع سياسي خطير، وهو ما لا يمكن أن يتفق عليه حتى بعض القياديين في حزبه، ولحسن حظه أن التصريحات لم تؤخذ لحد الآن على محمل الجد، وإلا فإنه سيكون لها ما بعدها(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى