تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | أخطر ملفات الصحافة في عهد الملك محمد السادس

رحلة في زمن "الصحيفة" و"لوجورنال"

أحمد بوز، الصحافي المشاغب والصارم، وصاحب المقالات البعيدة المدى(..)، هو نفسه الذي أصبح فيما بعد دكتورا، وخبيرا في القانون الدستوري، وأحد أطر جامعة محمد الخامس الذين لا يشق لهم غبار.. جمعه الزمان ذات يوم بصديقه محمد حفيظ، المناضل الاتحادي الذي اشتهر بالتنازل عن مقعد برلماني، قربانا للنضال ضد تزوير الإرادة الشعبية، وفي نفس عجلة ذلك الزمن كانت تدور أسماء أخرى ليس بالضرورة في نفس الدوامة، والتي اتخذت من الوفاء للديمقراطية منهجا لعقيدتها، غير بعيد عن المناضل محمد الساسي، الذي ظلمه الزمن وظلمه الحزب(..)، ولكن مع ذلك، لا يمكن إغفال أن تلك الفترة كانت أيضا فترة بزوغ صحافيين مثيرين للجدل، منهم أبو بكر الجامعي، الذي يشتهر اليوم بحواراته مع “جيل زيد”، والصحافي عبد العزيز كوكاس الذي ينهل من محبرة الأدب ليكتب في السياسة بأسلوب فريد لا يخلو من جرأة، بل إن هذا الأخير، الذي أسس جريدة “الأسبوعية الجديدة”، قاده إيمانه بحرية التعبير إلى درجة نشر حوار مع ندية ياسين، نجلة مرشد جماعة “العدل والإحسان” الراحل، تقول فيه إن “الملكية لا تصلح للمغرب”، وهو الحوار الذي نتجت عنه محاكمة، لم تنته بعد.. ولكن البرقية مفهومة(..). في ذلك الزمن بزغ نجم الصحافي نور الدين مفتاح، الذي قادته “الأيام” إلى تأسيس تجربة صحافية فريدة، ما زالت مستمرة إلى اليوم، ولا غرابة أن يتوج مسار الرجل بشبكة علاقات إعلامية أهلته على مدى سنوات لترأس “فيدرالية الناشرين” قبل أن يقع ما وقع(..).

إعداد: سعيد الريحاني

مناسبة الحديث عن أحمد بوز ومن معه(..)، هو إصداره مؤخرا لكتاب تحت عنوان: “سنوات الصحافة”، في هذا الزمن الذي لم يعد فيه للصحافة نفس الطعم(..)، ولكن الصحافي يبقى صحافيا مهما حصل، وهو نفسه يقول: ((ما أخطه في هذه الأوراق من وقائع وأحداث، يعود للفترة الممتدة ما بين 2001 و2008، السنة الأولى التي التحقت فيها بـ”الصحيفة الأسبوعية” قادما من أسبوعية “النشرة”، والسنة الثانية هي التي غادرتها فيها، بل وغادرت العمل الصحافي ككل، قبل أن ينتهي بي المطاف حيث كان يجب أن أكون، التدريس الجامعي، الذي هيأت نفسي له وتعلمت وثابرت من أجل أن أحظى بشرف الانتماء إليه.. وها أنا قد قضيت فيه أزيد من خمسة عشر سنة، وانغمست فيه بكل ما أملك من طاقة وجهد، تدريسا وتأطيرا وبحثا، دون أن أفقد حاسة الاهتمام بالصحافة وبما يجري في عوالمها، لأن من يحب الصحافة كمن يصاب بمرض مزمن، أو كما يقول دوستوفسكي، يمكن للمرء أن يقول وداعا وكل شيء فيه يريد البقاء، وحتى لو أنني، ولا أظنني وحدي في ذلك، لم أعد أتمثل شراء جريدة، باعتباره تسجيل انتماء)) (المصدر: كتاب سنوات الصحافة/ أوراق من زمن الصحيفة ولوجورنال/ أحمد بوز).

تتمة المقال تحت الإعلان

الحق يقال أن الحديث عن التجربة الإعلامية لجريدة “الصحيفة” و”لوجورنال” في صيغتهما الورقية الأصلية(..)، هو حديث عن صحافة أخرى لا نرى مثيلا لها اليوم، حيث ((لم تكن الصحيفة ومعها توأمها لوجورنال، مجرد منبرين إعلاميين، بل إنهما كانا أشبه بحزب سياسي، لم نؤسسه وفق الإجراءات والشكليات والمساطر المطلوبة في تأسيس الأحزاب السياسية، ولكننا وجدنا أنفسنا منخرطين فيه وصانعين لاختياراته، ومدافعين عن خطه التحريري..)).

تتمة المقال تحت الإعلان

يقول الكاتب أحمد بوز، الذي ينتظر أن يشهد كتابه تفاعلا كبيرا في القادم من الأيام، بسبب تسليطه الضوء على ما كان يجري في قاعات التحرير الساخنة، عندما كان الزملاء يختلفون، وتتضارب وجهات نظرهم حول ما يجب أن ينشر وما لا يجب أن ينشر، ويختلفون حول العناوين وزوايا المعالجة، ومهام التحرير والإدارة.. وهي الخلافات التي لم تعد تعيشها قاعات التحرير الباردة اليوم، اللهم من الحسابات(..).

تلك الصحافة، ارتبطت بمرحلة معينة، يحكي عنها أحمد بوز كما يلي (تنشر “الأسبوع” فقرات من كتابه كما هي حفاظا على سلامة النصوص):

تجربة فريدة في زمن مختلف

((ما يعطي لهذه التجربة هذا البعد، هو أنها تأسست في مرحلة حساسة من تاريخ المغرب، حيث تزامن صدور العدد الأول من الصحيفة الجديدة، بتاريخ 11 شتنبر 1998، مع حدثين مترابطين ومتداخلين وعلى درجة كبيرة من الأهمية:

الحدث الأول، يتمثل في وصول حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض حتى ذلك الوقت، في 4 فبراير 1998، إلى قيادة الحكومة لأول مرة منذ حوالي 40 سنة على حكومة عبد الله إبراهيم، التي لطالما ظلت تقدم في أدبيات هذا الحزب باعتبارها الحكومة الوطنية الأولى في تاريخ المغرب، حيث لم يكن يفصل بين صدور الصحيفة وقيادة الحزب المعارض للحكومة، سوى سبعة أشهر، بكل ما أطلقه هذا الحدث من تطلعات بالنسبة لفئات عريضة من المجتمع نحو التغيير وطي صفحة الماضي، وما طرحه من أسئلة حول مدى قدرة هذا الحزب اليساري، الذي خبر مراحل وتجارب صعبة من تاريخه، حتى أن تيارات من داخله كانت قد انخرطت في المواجهة المباشرة مع الملكية، على أن يصنع التغيير وأن يكون في مستوى الآمال التي علقت عليه، وعلى قدر الشعارات التي ظل ينادي بها والرسالة التي كان يدافع عنها.

– أما الحدث الثاني، فيتمثل في انتقال العرش من الملك الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس، بعد أقل من سنة على صدور الأسبوعية المذكورة، بكل الآمال والأحلام التي علقت عليه هو الآخر من أجل طي صفحة الماضي، والتأسيس لتجربة سياسية جديدة، قد لا تشكل بالضرورة قطيعة مع كل الإرث السياسي للملك الراحل، الذي تميز عهده بالكثير من الاحتقانات السياسية والاجتماعية، حيث رحل مخلفا وراءه مغربا ترسخت فيه مؤسسات الدولة، واستتب فيه الأمن إلى حد بعيد، وأخذ يعرف انفتاحا سياسيا ملحوظا، لكنه ظل يقبع في مراتب متأخرة في سلم تصنيف الدول، إن على صعيد التنمية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، لكن يمكنها على الأقل أن تجعل الناس يشعرون بأن النظام يتغير وبأن الملكية تريد أن تحكم بطريقة أخرى، لا سيما وأن الملك الجديد لم يعرف عنه أنه كان منغمسا في دهاليز السياسة كما مارسها والده، وبالتالي، فلن يكون بالضرورة محكوما بصراعات الماضي وضغائنه وحزازاته وألاعيب شخوصه والفاعلين فيه)) (المصدر: كتاب “سنوات الصحافة”).

أحمد بوز
أحمد بوز

أسباب المنع..

يحكي الكاتب: ليس سرا إن قلت اليوم، بعد مرور أزيد من 20 سنة على حادث نشر “لوجورنال”، في عددها الصادر بتاريخ 25 نونبر 2000، للرسالة المنسوبة إلى محمد الفقيه البصري، إن قيادة الحزب المذكور (الاتحاد الاشتراكي)، وفي المقدمة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، اعتبرت أن ذلك النشر كان بمثابة قنبلة وضعتها الأجهزة من أجل تفجير التناوب التوافقي، وربما تقوى اعتقادهم هذا مع لجوء الأسبوعية نفسها إلى نشر غلاف تقول فيه: “على اليوسفي أن يرحل” (Youssoufi doit partir)، الشيء الذي يفسر رد الفعل القاسي لليوسفي تجاهها، إذ لم يكتف فقط بمنع الأسبوعية التي نشرت النسخة الأصلية والكاملة للوثيقة، بل لجأ أيضا إلى منع “الصحيفة الجديدة” و”دومان” رغم أنهما لم تنشراها، وإنما اكتفتا فقط بنشر مقاطع منها وتعليقات عليها، بل إن مجلة “Demain” طرحت موضوع هذه الرسالة في صيغة تساؤل: هل شارك اليوسفي في الانقلاب ضد الملكية ؟

ورغم أن فتح الله ولعلو، القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي ووزير الاقتصاد والمالية آنذاك، قد اختار بعد مرور خمسة وعشرين سنة على الواقعة، وبعد وفاة عبد الرحمان اليوسفي، أن يقدم رواية جديدة لقرار منع “لوجورنال”، زاعما أن السبب لم يكن نشر رسالة الفقيه البصري، وإنما ملفا في العدد ذاته اعتبر مسا بشرف الجيش الملكي، وذلك حسب ما نسبه لليوسفي نفسه، فإن هذا التفسير، في نظرنا، لا يتجاوز كونه محاولة متأخرة لتبرئة اليوسفي من مسؤوليته في القرار. فهو يتجاهل خمس معطيات جوهرية في هذه القضية:

أولا: أن حشر القوات المسلحة الملكية في تبرير هذا المنع، ليس جديدا؛ فبلاغ المنع هو نفسه برر قرار الحكومة بنشر مقالات وتعليقات استهدفت الأسس السياسية للمغرب والإساءة إلى المؤسسات الدستورية والقوات المسلحة المغربية وتهدف إلى زعزعة استقرار البلاد والنيل من المسار الديمقراطي، لكن ذلك لم يمنع من أن يرتبط ذلك القرار برسالة الفقيه البصري؛

ثانيا: لو كان قرار المنع مرتبطا فعلا بما نشر في “لوجورنال” حول الجيش، فبأي منطق شمل المنع جريدتي “الصحيفة” و”دومان” هل نشرتا بدورهما موادا تعتبر مسيئة للمؤسسة العسكرية؟ الواقع يكذب هذا الزعم؛

ثالثا: القاسم المشترك بين الصحف الثلاثة التي طالها القرار هو نشرها أو إعادة نشرها لرسالة الفقيه البصري.. فقد نشرت “لوجورنال” و”الصحيفة” نص الرسالة كاملا، في حين أعادت “دومان” نشر مقتطفات منها؛

رابعا: ما هو معروف ومتداول – داخل الحزب وخارجه – وورد في عدد من المنابر الإعلامية في حينه، أن اليوسفي بمجرد صدور الرسالة، بادر إلى لقاء الفقيه البصري وطلب منه سحبها أو التبرؤ منها، وهو ما رفضه الأخير، وقد نشر هذا المعطى حينها نقلا عن الفقيه البصري نفسه، دون أن يصدر أي نفي أو تكذيب من اليوسفي؛

خامسا: وأخيرا: ما أورده الراحل عبد العزيز النويضي، الذي كان شاهدا على تلك المرحلة من موقعه كمستشار للوزير الأول، في مذكراته، من أنه: كان في مكتب اليوسفي لما زاره مستشار الملك محمد السادس، أندري أزولاي، يوم جمعة، وقد فهم أن اللقاء كان خاصا، فاستأذن بالمغادرة، وفي اليوم التالي، أعلن عن قرار المنع، مرجحا أن يكون القرار قد أبلغ لليوسفي من طرف أزولاي، خاصة وأن اليوسفي كان مستاء من الرسالة، واعتبر نشرها بمثابة تقويض لجهوده في بناء الثقة مع المؤسسة الملكية.

جرد ذكريات من أيام «الصحيفة» و«لوجورنال» (المصدر: كتاب سنوات الصحافة)

رسالة الفقيه البصري

يحكي أحمد بوز عن رسالة الفقيه البصري، التي كادت أن تفجر المشاريع الإعلامية المذكورة، كما يلي:

كانت الرسالة منسوبة إلى الفقيه محمد البصري، الذي كان لا يزال على قيد الحياة وقت نشرها، لكن دون أن يخرج لا ليؤكدها ولا لينفيها، وموجهة إلى زميليه وقتها في قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي، الشيء الذي جعل نشرها من طرف أسبوعية “لوجورنال” يثير ضجة كبيرة في الأوساط السياسية المغربية، خاصة بعد أن لجأت الحكومة في بداية دجنبر من سنة 2000 إلى اتخاذ قرار بمنع الأسبوعيات الثلاث.

ما أثار الضجة أكثر حول هذه الرسالة، هو توقيت نشرها وليس مضامينها في حد ذاتها، لأن جانبا منها كان معروفا ومتداولا في أوساط الطبقة السياسية، قبل أن يصبح في حكم المؤكد من خلال شهادتين: الأولى، مصدرها أحد مهندسي ذلك الانقلاب، الراحل عمر الخطابي، الذي لجأ مباشرة بعد منع الصحف الثلاثة، إلى إصدار بيان يقول فيه إنه هو مصدر المعلومات التي نشرتها “لوجورنال” حول ذلك الانقلاب، أما الثانية، فمصدرها إبراهيم أوشلح، أحد المقربين من عبد الرحمان اليوسفي ومن الفقيه محمد البصري، وأحد المنفيين السابقين بمعيتهما، الذي قال في حوار له: “أخبرني الفقيه بالانقلاب قبل شهر من وقوعه، قبل أن يضيف أن الفقيه البصري أرسل شقيقه بباقة ورد وتحية إلى أمقران، إشارة إلى موافقته على الانقلاب”، وأنه بعد مقتل أوفقير أوصانا اليوسفي قائلا: “اذكروا محاسن أمواتكم في الإذاعة”.

فاللجوء إلى نشر تلك الرسالة، ولأول مرة، في ظل قيادة حكومة التناوب التوافقي من طرف عبد الرحمان اليوسفي، أحد أكثر الأشخاص المعنيين بها، وفي سياق انتقال العرش لملك جديد، لم يكن له أي تفسير آخر في نظر الكثير من المتابعين والمهتمين، وفي نظر قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي على وجه الخصوص، سوى محاولة الإيقاع بين الملكية الجديدة والحزب المذكور، وقيادة انقلاب ضد الحكومة التي كان الملك الجديد قد زكى استمرارها في أول خطاب يلقيه بعد تسلمه العرش، الشيء الذي يفسر رد فعل الحزب تجاه تلك الرسالة، التي سربها قيادي سابق بشبيبته (عمر السغروشني) كان من المحسوبين في التصنيف الحزبي السائد وقتها على الفقيه البصري وعبد الرحمان اليوسفي، قبل أن يبتعد عنهما.

تعود الرسالة، التي ظل يحتفظ بها عبد الغني بوستة السرايري، أحد المنفيين المغاربة السابقين بفرنسا، قبل أن يسلمها إلى من سربها لأسبوعية “لوجورنال”، إلى بداية السبعينات من القرن الماضي، لتحكي لنا عن تفاصيل تخطيط مفترض لقياديين بحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وقتها، الذين سيؤسسون الاتحاد الاشتراكي لاحقا، وضمنهم عبد الرحيم بوعبيد والفقيه محمد البصري وعبد الرحمان اليوسفي، للانقلاب على نظام الحسن الثاني بمعية الجنرال أوفقير. وتورد على لسان كاتبها المفترض، الراحل محمد الفقيه البصري، عددا من المعلومات والتفاصيل التي جرى تبادلها في تلك الفترة بين المهندسين المفترضين للانقلاب الثاني على الملكية.

الانفجار الكبير.. حوار مع المنظري

بضعة أشهر على هذا التعايش.. حتى انفجر الخلاف من جديد داخل “الصحيفة الأسبوعية”، حيث سيؤدي هذه المرة إلى القطيعة، بعد أن غادر كل من عبد العزيز كوكاس وسعيد الوزان، في غشت 2003، ملتحقين بمصطفى حيران، الذي لم يعد إلى الجريدة منذ حادث عدم نشر حوار هشام المنظري، واختفت بالتالي أسماء هؤلاء الثلاثة من ترويسة الجريدة انطلاقا من العدد 126 الصادر بتاريخ 5 شتنبر 2003. وبعد مدة ليست بالطويلة، غادر أيضا نور الدين بنمالك، الذي سيلتحق بالعمل بالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.

ولم يبق من فريق الإنقاذ إلا أنا وغفور دهشور وخالد الورعي، وإن كان ذلك لم يجعلنا نحتاج إلى فريق إنقاذ جديد، لأن هيئة التحرير كانت قد توسعت، وتعزز طاقمها التحريري بصحافيين شباب ستصبح لهم هم الآخرون بصمتهم في استمرار هذا المنبر الإعلامي وسيفرض نفسه ضمن سوق للأسبوعيات أصبح تنافسيا بشكل كبير، بعد صدور جرائد أسبوعية أخرى، مثل “الجريدة الأخرى”، التي أسسها كل من علي أنوزلا وتوفيق بوعشرين، قبل أن يشتريها أحمد رضى بنشمسي، ناشر أسبوعية “تيل كيل” ويحولها إلى “نيشان”. هذا دون أن ننسى أن رئيس التحرير السابق لـ”الصحيفة الأسبوعية”، منذ انطلاقتها الثانية ومدير تحريرها إلى حين مغادرتها، أطلق هو الآخر تجربة إعلامية جديدة ممثلة في أسبوعية “الأخبار المغربية”، وكان ذلك بمعية الكاتب والإعلامي والسفير السابق عبد القادر الشاوي، قبل أن يخوض غمار تجربة صحافية أخرى ممثلة في “الأسبوعية الجديدة”.

كانت النقطة التي أفاضت كأس الخلاف الجديد داخل “الصحيفة الأسبوعية”، وجعلت مع الأسف أربعة ممن ساهموا في التأسيس الثاني لها يغادرونها دفعة واحدة، حوار أجراه الزميل مصطفى حيران مع الهارب المغربي هشام المنظري، لكنه لم ينشر بقرار من أبو بكر الجامعي شخصيا، بعدما كان مقررا له أن يكون هو غلاف عدد ذلك الأسبوع من “الصحيفة الأسبوعية”، بما كان لذلك القرار من تأثير على صدور الجريدة في الوقت المقرر لها، حيث كان مطلوبا منا في ساعة متأخرة من الليل، أن نبحث عن موضوع آخر ونعده ليكون غلافا للعدد، مع أن أبو بكر الجامعي كان يعتبر أن هذا القرار يجب أن ينفذ حتى ولو صدرت الجريدة بدون ملف.

لم يكن لنا موقف مبدئي من استجواب هشام المنظري أو نقل أخبار عنه، حيث سبق لنا أن نشرنا معلومات تتعلق به وأجرينا حوارا معه، كما قمنا لاحقا بإعادة نشر آخر حوار أجرته معه Le Journal Hebdo قبل أن يلقى حتفه، حيث عنوناه بـ”هذه قصتي مع القصر”، لكن بالنظر إلى المسار الذي اتخذته قضيته، وطبيعة التصريحات التي أضحى يقدمها.. ومن باب الاحتياط، أصبح تداول أخبار عنه أو إجراء حوارات معه، يحاط بكثير من الحذر، ويفرض علينا ممارسة نوع من “الرقابة الذاتية”، لا سيما في المرحلة الأخيرة من حياته التي كثف فيها من خرجاته، وأضحى النظام الجزائري يستغلها في صراعه مع المغرب، وهذا بالضبط هو السبب الذي دفع أبو بكر الجامعي إلى الإقدام على هذه الخطوة غير المسبوقة من جانبه، حيث لم يكن من عاداته أن يتدخل في الجوانب التحريرية لـ”الصحيفة”، فبالأحرى أن يطلب عدم نشر مادة إعلامية.

الراحل مصطفى العلوي
الراحل مصطفى العلوي

صحافة ما بعد 16 ماي.. مصطفى العلوي وآخرون

في كتابه “سنوات الصحافة”، يتحدث أحمد بوز عن تلك الأجواء التي تلت أحداث 16 ماي الإرهابية(..)، حيث وجدت الصحافة نفسها في قلب أحداث متشابكة، من الضغط على حزب العدالة والتنمية لتقليص صفوفه، وصولا إلى ملفات ساخنة، منها ملف بلعيرج، وملفات أخرى كانت مرتبطة بقوانين ما بعد 16 ماي.. بل إن قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي وبعضهم أعضاء وقتها في حكومة إدريس جطو، مثل محمد اليازغي، طالب في تصريحات أدلى بها إلى “القناة الثانية”، بحل حزب العدالة والتنمية، لأنه “يشكل خطرا على التجربة الديمقراطية في البلد”.

يعطي بوز أيضا مثالا بمحمد الكحص، الذي سيقول بصريح العبارة إنه مع مقولة “لا ديمقراطية مع غير الديمقراطيين”، إلى الدرجة التي دفعت الباحث محمد ضريف إلى أن يتحدث عن أن “هناك من يمارس التكفير الديني وهناك من يمارس التكفير السياسي”.. وحتى بعد مرور أزيد من سنتين على أحداث 16 ماي، ظلت أجواء هذا الحادث تطارد الحزب، حيث أصبحت سلوكات ومواقف قيادييه ومنظماته الموازية، وما ينشر في إعلامه، موضوع مراقبة شديدة من لدن معارضيه، أو ما كان يطلق عليهم “الاستئصاليين”. لذلك، فقد كان نشر جريدة “التجديد” لمقال حول زلزال شرق آسيا بعنوان: “غضب الله يضرب الشواذ الجنسيين والمتاجرين بالأطفال”، منطلقا لإثارة حملة إعلامية كبيرة حول الحزب، قادتها على وجه التحديد “القناة الثانية”.. وإلى جانب حزب العدالة والتنمية، أصحبت تنظيمات “إسلامية” أخرى هي كذلك على رادار السلطة.

وستتابع نجلة الشيخ عبد السلام ياسين، الزعيم الروحي لجماعة “العدل والإحسان”، بتهمة ثقيلة تتعلق بـ”إهانة المقدسات والإخلال بالنظام العام”، على خلفية تصريحها لجريدة “الأسبوعية الجديدة” بأن “النظام الملكي لا يصلح للمغرب”، وأنها تميل إلى تفضيل “نظام جمهوري إسلامي يقوم على أساس الشورى”، وستستمر محاكمتها لعدة سنوات دون أن يتمخض عنها صدور أي حكم، بعدما كانت قد دفعت السفارة الأمريكية بالرباط إلى إبلاغ السلطات المغربية بانزعاجها من هذه المتابعة انطلاقا من تقديرها أن نادية ياسين عبرت عن موقفها في إطار حرية التعبير ولم تدع إلى العنف لتغيير النظام.

وبقدر ما وفر تسارع هذه الأحداث مادة غنية للاشتغال بالنسبة للصحافة عموما وللصحافة المستقلة على وجه الخصوص، جعل هذه الأخيرة في مواجهة مباشرة مع السلطات، حيث وجدت نفسها هي الأخرى محكومة بقانون “ما بعد 16 ماي” وبتداعياته المختلفة.
فقد توبع بنفس القانون مصطفى العلوي، مدير “الأسبوع الصحفي”، على خلفية نشره رسالة مجهولة موقعة من طرف شخص يسمي نفسه “القعقاع”، يتبنى من خلالها تفجيرات الدار البيضاء، تنظيم يطلق على نفسه اسم “الصاعقة”، حيث حكم عليه بالسجن سنة موقوفة التنفيذ بتهمة “إخفاء وثيقة من شأنها أن تسهل البحث عن جناية أو جنحة”، بعدما قضى قيدوم الصحافيين حوالي شهر تحت الحراسة النظرية، وكان من الممكن أن تلقى أسبوعيتا “لوجورنال إبدو” و”الصحيفة الأسبوعية” نفس المصير لولا أن مدير نشرهما أبو بكر الجامعي، فضل أن يحضر لدى الشرطة لكي يخبرها بالرسالة التي توصل بها بدل أن يعمد إلى نشرها (المصدر: كتاب “سنوات الصحافة”/ الكاتب أحمد بوز).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى