بين السطور | هل انتهت الصحافة حين جفّ المداد ؟

شهدت قضية الصحافي حميد المهداوي، في الأيام الأخيرة، تصعيدا لافتا بعد نشره تسريبات من اجتماع لجنة أخلاقيات الصحافة، الأمر الذي أدى إلى جدل واسع داخل البرلمان، وبين المهنيين، وداخل الأحزاب، وفي الفضاء الرقمي.. بالتوازي مع مواجهته لسلسلة من المحاكمات المرتبطة بشكايات وزير العدل عبد اللطيف وهبي.
باختصار، القضية لم تعد مجرد نزاع شخصي بين المهداوي والوزير أو المجلس الوطني للصحافة، بل تحولت إلى ملف سياسي وإعلامي يعكس أزمة أعمق في شرعية المؤسسات وتنظيم الحقل الصحافي بالمغرب.
لن ندخل حيثيات من مع ومن ضد، ومن على خطأ ومن على صواب، لأن أي انحياز في هذه الحالة لأي طرف، سواء الأول أو الثاني، سيقودنا – للأسف – إلى “توجيه الرصاص” نحو أحد الزملاء، وهذا يتعارض مع أخلاقيات المهن الشريفة، لكن ما يمكن قوله هو أن الصحافة الحقيقية ليست صفحة تُفتح في دقيقتين على “الفايسبوك” أو “اليوتيوب”، بل هي تتجسد كلما عانى صاحبها من المحاكمات والمضايقات، أو حتى من الاختطاف ومحاولات التصفية في أزمنة سالفة، وكلما شكل صاحبها صلة وصل بين المغرب القوي والمغرب الضعيف..
والحقيقة، علاقة بما نعيشه اليوم، أن العطب لم يكن يومًا في المهنيين الحقيقيين، بل غزُرت مع تلك الفئة التي نزلت على القطاع بالمظلّات الحزبية أو الانتهازية، فحوّلته “دقة دقة” إلى ضيعة خاصة، وإلى بقرة حلوب، وإلى “غنيمة” تُقسم، حيث تحولت الديمقراطية، المبنية على الصراحة وعلى مقاييس العصر، والمنطلقة من حرية الصحافة، إلى ديمقراطية “النادي المقفول”، لا يدخله إلا من يرتدي ربطة العنق بلون متفق عليه(…)، مع غلق الآذان طبعا عن كل الأخبار التي تكشف عن تجاوزات وتصرفات لا تليق بسمعة دولة تحارب على عدة واجهات.. فهل هكذا لا يمكن القول أن الصحافة تخدم الدولة، أم فقط لأنها تخدم كل واحد على حدة ؟ هذا دون الخوض أو التساؤل ماذا عن الصحافة في عصرنا الحاضر، أو ما هي حدود الانهيار الأخلاقي الذي يهدد ما تبقى منها(…) ؟
يجب التذكير بأن النظام المغربي، في عهد السلاطين قبيل الحماية، كان يرى في الصحافة درعًا لمواجهة الأخطار الأجنبية..
حميد المهداوي، اليوم، صار رمزًا مزدوجًا؛ ففي أعين الدولة وأجهزتها، يُرى كـ”مسخوط”.. يخرق القوانين ويُشاغب المؤسسات، شيطان مهدد(…)، بينما في نظر فئة واسعة من المغاربة فهو “ملاك” يواجه السلطة بشجاعة، يكشف المسكوت عنه، ويجسد غضب الناس من اهتزاز الثقة في المؤسسات، ليصبح في آن واحد مكروهًا رسميًا ومحبوبًا شعبيًا، مرآةً للتناقض العميق بين الدولة والمجتمع.
“هذا ما كان..”، ويبقى الأمل معقودًا مع هذه التجربة، على خطوات تُعيد الثقة إلى النفوس التي بلغ منها اليأس مبلغه، وتضمن الاحترام الكامل لحقوق الإنسان، وتحمي الحريات العامة والخاصة للمواطنين، وفي مقدمتها حرية الصحافة والتعبير، عبر إلغاء الرقابة الغير قانونية، ووضع حد لاستعمال السلطة في إغلاق المنابر أو تقييدها، وإيقاف موجة التضييق على الصحافيين، وإعادة الحماس إلى الشعب حتى يمكن تجنيد سائر طبقاته في معركة البناء.. لأنه إذا كانت الصحافة في زمن الحبر والورق تُعبّر عن نفسها بوضوح وجرأة، فهل يمكن القول اليوم أنها اندثرت بانتهاء المداد ؟



