الحقيقة الضائعة | لعبة الشطرنج الملكي
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 143"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

عندما نقول أن السلطان مولاي حفيظ كان أسيرا لدى الجنرال ليوطي فإننا لا نبالغ، لأن الجنرال ليوطي نفسه اعترف بهذا الواقع.
تقول “مذكرات ليوطي”، المنشورة بقلم أندري لوريفيران (الصفحة 352): ((من بين المشاكل التي كانت مطروحة على ليوطي، قضية السلطان، ولقد أعطاه ليوطي رخصة السفر إلى الرباط(…) شريطة أن لا يتكلم عن التنازل عن العرش)).
ومتى كنا نرى ملكا عظيما ينتظر رخصة للتوجه إلى الرباط، ويلتزم بأن لا يتحدث عن التنازل عن العرش..؟ ومتى كنا نرى ملكا عظيما يصر على التنازل عن عرش كافح من أجله السنوات الطوال ؟
هنا نصل لقضية الشيك، الذي نسجت حوله خيوط المناورات والدعايات لتحطيم سمعة السلطان مولاي حفيظ.
في نفس “مذكرات ليوطي”، نجد هذه الفقرة التي تتحدث عن الشيك، وإذا لم نكن قادرين على استكناه الجرأة لنصدق عواطفنا، فلنصدق الجنرال ليوطي الذي كتب: ((لقد استقبل ليوطي من طرف السلطان الذي كان مصرا على الاستقالة، وكانت حكومة كايو قد وعدته في نونبر 1911 – إذن قبل إمضاء الحماية – بقدر من المال إذا التزم بمغادرة التراب المغربي، لأنه رفض التعاون مع فرنسا)).
وإذا عرفنا أن فكرة الحماية لم تكن واردة على الإطلاق في نونبر 1911، وأنها أمضيت في 30 مارس 1912، بدليل تقرير ليوطي السابق، فكيف نربط بين التعويض المالي وإمضاء عقد الحماية، بينما نجد بعض المؤرخين الفرنسيين يصرون على ربط إمضاء الحماية بتعويض مالي ؟
إنه لا مناص من الرجوع إلى المصدر الكبير الذي ورد الحديث عنه في الأعداد السابقة، المؤلف مارتان صاحب كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب”، لنأخذ منه، وهو الكاتب الفرنسي المنصف الوحيد، ظروف وحقيقة ما أحاط بإمضاء عقد الحماية، ولعله من الواجب علينا وفاء لما سرده من حقائق واقعية وإيجابية في كتابه، أن ننقل عنه بكل أمانة وصفه لظروف إمضاء الحماية، وقد حكاها كما يلي: ((لقد كان الشخص الذي حمل من باريز وثيقة الحماية من أجل عرضها على السلطان هو الوزير الفرنسي المسيو رونيول، ولقد خرج من مدينة طنجة يوم السادس عشر من مارس ووصل إلى القصر الكبير يوم 19، حيث استقبل من طرف الكولونيل سيلفستر وسائر الضباط الإسبانيين استقبالا بالغا للغاية في التودد، وبعثوا معه من الغد حرسا شرفيا حتى وادي اللكوس.
وفي اليوم 21، وصل الوزير الأول إلى “دار الزراري”، وفي اليوم 24، كانت لقياه بالجنرال موانيي قبيل فاس في الجهة الأمامية، وكان ثالثهما في هذه الملاقاة الصدر الأعظم، المقري.
ومنذ اليوم السادس والعشرين، استقبل من طرف السلطان المولى عبد الحفيظ وكانت تصحبه حاشية مهمة تتركب من عدة جنرالات علاوة على القنصل الفرنسي، وكان يحيط بالسلطان رجال مخزنه على ذلك العهد.
وهنا تليت رسالة الحكومة الفرنسية التي كانت بمثابة تقديم للمعاهدة التي عرضت على المولى عبد الحفيظ.
وهنا أخذ الوزير الفرنسي يتحدث إلى جلالة السلطان، وبعد برهة من الزمن، ودع الوزير الفرنسي مع حاشيته القصر الملكي تاركا السلطان ووزراءه وجها لوجه مع الوثيقة المحمولة من باريس)).
ويضيف مارتان: ((وأمام هذه الوثيقة فهم السلطان ماذا كان ينتظره من عناء، وما ينتظر الإسلام كذلك من مذلة وهوان، ذلك الإسلام الذي عرف منذ أيامه الأولى بمناوأته لكل تدخل أجنبي.. إن قبول التدخل الأجنبي من طرف المولى عبد العزيز كان من أبرز ما حفز المولى عبد الحفيظ إلى القيام ضد أخيه، فكيف يذعن اليوم لما قاومه بالأمس؟ هذا هو المولى عبد الحفيظ الذي استطاع بفضل الله أن يتقلد مهام الخلافة العظمى التي حظي بها أجداده الأبطال؛ لقد اختير المولى عبد الحفيظ ليكون كنموذج للمولى إسماعيل.. فكيف يرضى أن يتنازل قيد شبر عن الواجب الذي ينتظره؟ وهل يرضى أن يقبل هذا المكتوب الذي حررته أدمغة مسيحية محتالة في أسلوب مكشوف من الفصل الأول إلى الآخر، يشهد بذلك كل من له إلمام بالفقه الإسلامي؟ نعم هل يرضى أن يفرق بين الأشياء التي لا تقبل التفرقة والتي يكون مجموعها ذلك الواجب المقدس الملقى على عاتقه من لدن الله، والذي نزل به الوحي على رسوله عليه أزكى التحيات والتسليمات)).
وهكذا نرى السلطان مولاي عبد الحفيظ سلطان العمل، سلطان الإصلاح، يقول مارتان: ((يتحول بكل صراحة من شخص مجامل إلى شخص يصارع وزراءه وسائر أفراد حاشيته..)).
لقد أظهر في نفس حية كاملة وقوة هائمة بالاستقلال المتوارث عن أبيه العربي الشريف وعن أمه التي لا تقل عروبة هي الأخرى عن أبيه، أقول أظهر ما يكنه من اشمئزاز وتقزز. آه.. يا ليتني لم أطلب منهم عونا، ويا ليتهم لم يكونوا ورائي في هذا الوقت العصيب الذي يتطلب المزيد من العمل؛ إنني أريد الاستمرار في الكفاح، إني أريد أن أجعل المسلمين في مأمن من هذه الكارثة التي تهددهم من جراء هذه الوصاية الأجنبية وهذا النفوذ المسيحي دمره الله ومحقه.
وأطرق الحاضرون برؤوسهم إلى الأرض، سواء منهم الوزراء أو الشرفاء، والعلماء كذلك، وبعد هنيهة، تقدم الوزير المسن الحاج محمد المقري، واتجه في هدوء نحو السلطان بهذه الكلمات: “إنا لله وإنا إليه راجعون”، وأخذ المقري يحكي للمرة المائة، يحكي للعاهل أمام الجماعة الحاضرة سائر ما رآه عند المسيحيين، سواء قواتهم العسكرية ومؤسساتهم الصناعية ونفوذهم القوي، أو قطعهم الحربية التي استفاد السلطان نفسه منها زمنا طويلا، كما استفاد منها المتقدمون في المصالح المخزنية، وأخيرا ذكر السلطان بالموقف المهم الذي اتخذته فرنسا تجاه الدول الأخرى؛ فلقد استطاعت أن تشتري التنازل البريطاني والإذعان الألماني، والعدول الإيطالي، فرنسا التي استطاعت واستطاعت.. في إمكانها كذلك أن تضرب الترددات الإسبانية بعرض الحائط وتستغل الخلافات التي تنشب بين “القبائل المسيحية” الأخرى، فكانت كلمة السلطان: ((لله الأمر من قبل ومن بعد))، وساد الجمع سكون ظل مخيما مدة من الزمن، ورجع السلطان بعد لحظات إلى فورته القوية العنيفة واستمر الأمر على ما ترى طيلة الليل واليوم الموالي.
فماذا كان السلطان يريد؟ إنه يريد أن ينصرف، يريد أن يلتحق ببلاد زيان، يريد أن يعتصم بجبال البربر وبلاد الشلوح من حيث يشن الجهاد مرة أخرى، ولكن الوزير المقري انتحى جهة السلطان وفي ملاطفة وتحنن قال له: ((مولانا.. إن ذاتك الشريفة هي الأمل الوحيد الذي بقي للإسلام والذي سيقف حجر عثرة في طريق من يريد النيل منه، وإنه بمجرد ما يغيب عنا وجهك، فإن المسلمين هنا سيغرقون في بحر لجي من العار والشنار، وستكون النهاية الموت المحقق للجميع. نعم سيكون ذلك مصيرا إذا لم تقم أنت بإرجاع السكينة إلى القلوب.. إن “المكتوب” هو ما ترى، فيجب أن يستسلم المرء لقضاء الله ويقلع عن كل حركة..
هذا، وماذا كان يجري في هذا الوقت خارج قاعة الاجتماع؟ إنها أصداء أصوات السلاح، فإن الفرنسيين لهم هنا خمسة آلاف جندي أخذت صفوفها مع الجيش المخزني الذي أخذت على عاتقها تمرينه؛ لقد كان من المقرر أن ينظم استعراض عسكري عظيم يحضره بالإضافة إلى الوزير الفرنسي وحاشيته، أمير المؤمنين.
وأخيرا، قبل 30 مارس، وقعت معاهدة الحماية وحملت منذ هذا اليوم الطابع السلطاني الشريف)).
إنها “مكتوب الله”.. لكن بقي علينا أن نعرف أن الفرنسيين منذ البداية أخذوا يسيرون بسرعة.. فلقد أخذوا منذ الآن ينظمون الجيش المخزني.
لقد قبلت معاهدة الحماية، ولكن بقي علينا أن نرى ماذا سيعقب الأقوال من أعمال؟ فكيف تصبح الحماية حينا حقيقة واقعة في هذه البلاد المضطربة التي يشب فيها التمرد والعصيان في لمح البرق الخاطف، هذه البلاد التي نراها طيلة المفاوضات التي كانت جارية من أجل المعاهدة تستعد وتتأهب للمقاومة، سواء في ناحية أزمور، كروان، أيت يوسي، زيان، أيت سغروشن، غياثة، بني وراين، التسول، البرانس، أو قبائل أخرى لا نذكرها…



