بين السطور | من الجهاد الأصغر إلى الحكم الذاتي


تحتفل الأمة المغربية بالذكرى السبعين لرجوع ملكها وأبيها وزعيمها ومحررها محمد الخامس، طبعا عبر التوقف عن العمل، بين من يطلب يوما ومن يطلب يومين إضافيين، أيام تتجمد فيها عروق الدولة المغربية، معلنة بذلك تمردها على أول نصيحة قدمها هذا الملك الصالح عندما وطئت قدماه أرض المغرب، وخاطب الملايين التي كانت محتشدة لرجوعه قائلا: “جئنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، والجهاد الأكبر هو العمل، هو البناء”، وربما محمد الخامس كان يعرف حق المعرفة ما ينتظر المغاربة، وهو الذي أوصاهم كأول وصية بالجهاد الأكبر، فحتى من أبانوا نيتهم من أجل العمل الجاد، فها هي المكونات السياسية المغربية وقد أصبحت تفضل الجهاد في سبيل النفوذ والمال.
فبين الجيل الذي عايش فجر الاستقلال، وحالفه حظ الزمان والمكان(…)، لمشاهدة الملك محمد الخامس وهو يتجول بسيارته في شوارع الرباط الهادئة صباحا في الأيام الأولى التي تلت عودته، وبجانبه سائقه العجوز الفرنسي مارتي، ويحرص بعد الظهر في أيام كثيرة على أن يتوجه عند صانعي الخزف في ولجة سلا ليتناول الشاي معهم، إلى هذا الجيل الذي يعيش ذكرى الاستقلال بالتزامن مع القرار الأممي المعتمد من لدن مجلس الأمن، في 31 أكتوبر 2025، الخبر الذي تلقاه الناس ليس في الولجة(…) وإنما خلف شاشات هواتفهم، أو لوحاتهم الإلكترونية، أو من المحظوظين(…) الذين تلقوا الخبر بسرعة البرق عبر ساعاتهم الرقمية “آي واتش”.
بين هذا الزمن وذاك.. حصلت أمور كثيرة، بين أحزاب “تناوبت” على خدمة مصالحها بدل خدمة المواطنين، حتى ساقها الزمن إلى أن صارت مجرد ديكور سياسي، صوتها محدود ومصداقيتها على المحك، وبين تيارات استهدفت الاستقرار قبل أن تعود إلى رشدها، ليظهر أن الملك الحسن الثاني كان ملكا مظلوما(..)، وها هو التاريخ يشهد للرجل بعظمة المسيرة الخضراء التي تزامنت مع اعتراف مجلس الأمن الدولي بمقترح الحكم الذاتي، بعد معركة دبلوماسية كبيرة قادها الملك محمد السادس شخصيا.
فمن الجهاد الأصغر إلى فصول الجهاد الأكبر، ظل حدث استقلال المغرب موشوما في ذاكرة المغاربة بذلك التلاحم بين العرش والشعب.. الشعب الذي قاوم، هو نفسه الشعب الذي تظاهر من أجل الحفاظ على الملكية، وهو نفسه الشعب الذي خرج من رحمه شباب “20 فبراير”، وأخيرا شباب “جيل زيد”، وفي كل مرة كانت الملكية هي صمام الأمان، في انتظار أن تلتحق الأحزاب بالركب، وتقتنع بأن الوطن للجميع والوطنية للجميع..



