تحليل إخباري | الحكم الذاتي لـ”الصحراء الغربية المغربية” في إطار الجهوية الموسعة
السقف الذي لن يتنازل عنه المغرب

في ظرف 10 أيام، وهي مدة ليست طويلة، بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، المتعلق باعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للمفاوضات حول الصحراء، تم بداية الأسبوع الجاري تعبئة كافة الأحزاب الممثلة في البرلمان، لاجتماع كبير ترأسه المستشارون الكبار للملك محمد السادس، وعلى رأسهم فؤاد عالي الهمة والطيب الفاسي الفهري، وهما الرجلان اللذان يقفان تاريخيا وراء المقترح منذ سنة 2007(..)، بالإضافة إلى عمر عزيمان الذي “تأهل” لهذه المهمة عقب دوره الكبير خلال ترأسه للجنة الاستشارية الملكية حول الجهوية سنة 2010.. من هنا يمكن القول إن الخيط الناظم لهذا الاجتماع ذي النفس الحزبي، هو “الجهوية الموسعة”(..).
إعداد: سعيد الريحاني
الاجتماع احتضنه الديوان الملكي وجمع كافة زعماء الأحزاب السياسية الممثلين في البرلمان، بالإضافة إلى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، وانظروا لدورة الزمان؛ فقد جلس على نفس الطاولة الخصوم السياسيون.. من كان يتصور أن يجتمع عبد الإله بن كيران وإدريس لشكر من جديد؟ من كان يتوقع أن يجتمع الثلاثي أخنوش وبن كيران ولشكر.. بعد معركة سياسية انتهت بالقطيعة؟ ولكن القضية الوطنية تجمع ما لا يجتمع في قضايا أخرى(..).
تقول مصادر “الأسبوع”: إن زعماء الأحزاب تلقوا “تنويرا” حول الخطوط العريضة التي يمكن أن تتضمنها المقترحات التفصيلية لمبادرة الحكم الذاتي(..)، رغم أن السقف معروف مسبقا، وهو ما أكده بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 10 نونبر 2025، حيث قال: ((خصص هذا الاجتماع، بناء على تعليمات جلالته، لموضوع تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، في إطار السيادة المغربية، تنفيذا للقرار الملكي الوارد في خطاب جلالته السامي إلى شعبه الوفي، في 31 أكتوبر الماضي، في أعقاب صدور قرار مجلس الأمن 2797.. وفي هذا الصدد، أبلغ مستشارو جلالة الملك زعماء الأحزاب السياسية الحاضرة، حرص جلالته على استشارتهم في هذه القضية المصيرية التي تهم جميع المغاربة، مع دعوتهم إلى تقديم تصورات ومقترحات تنظيماتهم بشأن تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي)) (المصدر: بلاغ الديوان الملكي).
نفس البلاغ أكد أن الغاية من الاجتماع هي ((بلورة تصور متكامل، محين ومفصل، لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، في إطار السيادة المغربية، بما يضمن عودة إخواننا بمخيمات تندوف، ولمّ شملهم بأهلهم وذويهم وبناء مستقبلهم، والمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية، في إطار المغرب الموحد، كما أكد على ذلك جلالة الملك في خطابه الأخير)) (نفس المصدر).
تبعا لما سبق، ستقدم الأحزاب مقترحاتها حول تصورها للحكم الذاتي، لكن الأكيد أن مقترحاتها ستتراوح حول مبدأ اعتماد “الجهوية الموسعة”، وهو ورش سبق للمغرب دخوله منذ سنة 2010، بل إن بعض الأحزاب كانت سباقة إلى اعتماد تسميات مثيرة للجدل، كما هو الشأن بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة، فهذا الحزب الذي أسند مهمة إعداد مقترحات الحكم الذاتي لنفس الوجوه التي اشتغلت سابقا على موضوع الجهوية، كان سباقا إلى الدعوة إلى اعتماد تسمية “جهة الصحراء الغربية” ضمن تصوره الخاص بالجهوية، وهو ما يعني أن الحزب كان على علم بمعطيات لا يعلمها غيره(..).
فحزب الأصالة والمعاصرة على سبيل المثال هو ((الحزب الوحيد الذي اقترح تسمية الأقاليم الجنوبية بـ”الصحراء الغربية”، وذلك خلال ندوة صحفية عقدت ببيت الدكتور الشيخ بيد الله، عندما كان أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة، وقد كان فؤاد عالي الهمة وقتها عضوا في المكتب السياسي، شهر غشت 2010، حيث دافع كل من بيد الله، وعضوي المكتب السياسي وقتها، صلاح الوديع وحميد نرجس، خال العضو المؤسس الهمة(..)، عن المقترح الذي يسمي المنطقة التي تشمل كلا من العيون والسمارة ووادي الذهب وأوسرد وبوجدور، بـ”الصحراء الغربية”.. لتكتب الصحافة، بعد تناول وجبة العشاء في بيت الشيخ بيد الله: ((إن تصور الحزب للجهوية يشمل إمكانية تسمية هذه الجهة بحسب إقليمها، أي جهة الساقية الحمراء وادي الذهب، إلا أن الثلاثي محمد الشيخ بيد الله، الأمين العام للحزب، وعضوي المكتب التنفيذي، حميد نرجس وصلاح الوديع، كانوا أكثر ميلا للدفاع عن التسمية الأولى: “الصحراء الغربية”، وقتها لم يكن هذا المصطلح متداولا في الإعلام الوطني بشكل كبير، ووصلت جرأة حزب الأصالة والمعاصرة إلى حد اعتبار مجموعة من الجماعات المحلية في الصحراء، جماعات ينبغي إلغاؤها في إطار تقطيع إداري جديد، وهي: جماعة العركوب، وجماعة أمليلي، وجماعة بئر أنزران، وجماعة كليبات الفولة، وجماعة أم دريكة، وجماعة ميجك، وبلدية لكويرة، وجماعة أوسرد، وبئر كندوز، وجماعة اغوينيت، وجماعة تيشلة وجماعة تيفاريتي.. وأوضح حميد نرجس (ابتعد عن الحزب حاليا) بأن “إعمال مقترح حزب الأصالة والمعاصرة يتطلب إفراد مقتضيات دستورية خاصة بجهة الصحراء مع الإحالة على قانون تنظيمي خاص بالجهة يمكن أن يتم تطوير بنوده في حالة الاتفاق السياسي على المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ويشمل القانون التنظيمي لجهة الصحراء، حسب نرجس، اسم الجهة وعلاقتها بممثل الدولة والموارد المالية الخاضعة لتصرفه، وقواعد الوصاية، كما دعا إلى ضرورة تمكين الصحراء من تمثيلية استثنائية بغرفتي البرلمان لا تراعي فقط محدد الساكنة، بل أيضا معيار المساحة الجغرافية التي تشكل قرابة 37 في المائة من مجموع مساحة البلاد، وتخويل الجهة مجموعة من الصلاحيات، من بينها: التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي، وتشجيع الاستثمارات، والتجارة والسياحة، والصناعة والبنيات التحتية والمنشآت المائية، والكهرباء، والأشغال العمومية، والنقل، والسكن، والتربية، والصحة، والتشغيل والرياضة، مع مراعاة الانسجام مع المخططات الوطنية القطاعية.. وفي الوقت الذي انصبت فيه جل الأسئلة على استعمال مصطلح جهة “الصحراء الغربية” في مقترح الأصالة والمعاصرة، تدخل بيد الله ليوضح أن استعماله سيكون فكرة متقدمة قائلا إنها “صحراؤنا الغربية”)).
بغض النظر عما حصل سنة 2010، وما بعدها من معارك دبلوماسية، لا يمكن تصور أي مقترحات للحكم الذاتي تمس وضعية الجيش الملكي على سبيل المثال، فهذا الموضوع أكبر من الأحزاب، كما لا يمكن تصور السماح بتأسيس جيش موازي في الجنوب، وأغلب الظن أن ميليشيات البوليساريو قد تجد نفسها أمام مقترح التخلي عن السلاح، وقد يتم تطوير بعض المقترحات في إطار القيادة الجنوبية للجيش الملكي، وكل ذلك رهين بقرار من القائد الأعلى للجيش ورئيس أركان الحرب العامة، الملك محمد السادس، وهذا أمر طبيعي؛ فجل الحركات الانفصالية عبر العالم اضطرت في النهاية إلى تسليم سلاحها، وغير هذا النموذج فهو يعني “فخ” في المستقبل، والنموذج ليس بعيدا عنا، كما حصل مع قوات الدعم السريع في السودان، حيث تم تدمير البلاد، والمحاولات مستمرة من طرف الجيش لاستعادة السيطرة، التي توقفت على أعتاب إقليم دارفور ومنطقة الفاشر بالخصوص(..).

إن وجود رئيس ورش الجهوية الموسعة ضمن الاجتماع سالف الذكر، يؤكد أن مقترح الحكم الذاتي المغربي سيكون بنفس جهوي، كما أن جل الأحزاب ستذهب في اتجاه جهوية موسعة، لأن المغرب لا يتفاوض حول مغربية صحرائه، المؤكدة بالتاريخ والجغرافيا(..)، وقد سبق لحزب الاستقلال – على سبيل المثال – أن أعطى تصوره للجهوية الموسعة رغم أنه لم يستعمل مصطلح الحكم الذاتي، والأكيد أن مقترحاته الجديدة لن تخرج عن هذا الإطار.. ماذا يمكن أن يضيف هذا الحزب لمقترحاته غير هذا المقترح الذي قال فيه سنة 2011: ((إن مشروع الجهوية الموسعة ينبغي أن يحافظ على الهوية الوطنية والإنسية المغربية بمختلف روافدها الإسلامية والعربية والأمازيغية والإفريقية والمتوسطية، وأن يعكس التعددية والغنى الثقافي والبعد التنموي الخلاق، وأن يجعل من الخصوصية مصدر ثراء للوطن، لأن الذاتية الإقليمية، كما يقول الزعيم علال الفاسي في كتابه “النقد الذاتي”، لا تدل على حب الاستقلال المحلي أو القبلي، وإنما تدل على لامركزية جهوية، أو بتعبير أصح، على شوق للاحتفاظ بالخصوصية المحلية في دائرة الاستقلال القومي العام”، ويؤكد حزب الاستقلال، المتشبث بمبادئ التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، أن مشروع الجهوية المتقدمة يجب أن ينبني على مبدأي المساواة والتضامن كقيمتين أساسيتين قمينتين بتعزيز وتوطيد التماسك الاجتماعي والتضامن المجالي، وتقوية الشعور بالانتماء إلى الأمة، من أجل بناء مجتمع يقوم على العدل والتوازن، ويضمن لكل مواطن الحق في الاستفادة من ثمار التنمية ومن العيش الكريم)) (المصدر: مذكرة حزب الاستقلال حول الجهوية سنة 2011).
يمكن القول أن الأحزاب المغربية سبقت اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي من طرف مجلس الأمن بمقترحات جريئة منذ أكثر من 14 سنة، ليبقى الجديد فقط هو تسمية الحكم الذاتي، ذلك أن لباس الجهوية الموسعة حمل اقتراحات يتجاوز بعضها إطار الحكم الذاتي، ومن هذه المقترحات ما اقترحته أحزاب وطنية قالت أن الجهة يجب أن تتوفر على مجلس تمثيلي، وعلى جهاز تنفيذي، ووكالة جهوية للتنمية المستدامة، ومجلس اقتصادي واجتماعي جهوي، وذلك في إطار منظور يرسخ الديمقراطية المحلية ويقوي اللامركزية، وفق توازن للسلط، ومقاربة تكاملية للوظائف والأهداف، بل إنها حددت اختصاصات كل مؤسسة على حدة حيث قالت إن:
1) المجلس التمثيلي الجهوي :
ينبغي أن يتمتع المجلس التمثيلي الجهوي باختصاصات تقريرية واسعة، وذلك بأن يخول له حق البت في الاختيارات الكبرى للجهة، والتقرير في كل القضايا المرتبطة بالتدبير الجهوي، وذلك إلى جانب ممارسته في نفس الوقت للرقابة على أعمال الجهاز التنفيذي الجهوي.
ويتكون المجلس التمثيلي الجهوي من جميع الأعضاء الذين يتم انتخابهم بالاقتراع العام المباشر، وذلك حتى تكون له شرعية ديمقراطية مستمدة مباشرة من ساكنة الجهة، ويراعى في انتخاب أعضائه التمثيلية الترابية للجهة وتمثيلية المرأة.
ويمكن أن نذكر في مقدمة الاختصاصات التي يجب أن تناط بالمجلس التمثيلي الجهوي، أن يكون له الحق في أن يناقش ويصوت على مشروع الميزانية العامة للجهة، ويحدد الرسوم والأتاوى ومختلف الحقوق المحصلة لفائدة الجهة، كما يقوم بمراقبة صرف الاعتمادات المالية المقررة.
2) الجهاز التنفيذي الجهوي :
هو الهيئة التنفيذية للجهة، وينبغي أن يتمتع بصلاحيات واسعة للاضطلاع بالمهام المسندة إليه.
ويتعين أن يُنتخب رئيس الجهاز التنفيذي الجهوي بالاقتراع السري المباشر من بين أعضاء المجلس التمثيلي، انطلاقا من برنامج يقترحه، وذلك حتى يُفسح المجال للتنافس السياسي على أساس البرامج المقدمة خلال الحملة الانتخابية.
كما يتعين أن يتم انتخاب أعضاء الجهاز التنفيذي من قبل أعضاء المجلس بواسطة لائحة يتقدم بها الرئيس.
ويعتبر الرئيس وأعضاء الجهاز التنفيذي الجهوي مسؤولين بالتضامن أمام المجلس التمثيلي الجهوي.
ونظرا لما للجهة من رهانات اقتصادية واجتماعية تتطلب الحضور اليومي لرئيس الجهاز التنفيذي، فمن الضروري أن يتم التأكيد على منع الجمع بين رئاسة الجهاز التنفيذي الجهوي وبين مناصب ومسؤوليات أخرى لها علاقة بتدبير الشأن الجهوي والمحلي.
ويتولى أعضاء الجهاز التنفيذي الجهوي مباشرة المهام الموكولة إليهم حسب الاختصاصات المخولة للجهاز التنفيذي.
ويمثل الرئيس الجهة أمام القضاء، ولدى باقي السلطات والإدارات العمومية والمنظمات والمؤسسات الجهوية والوطنية والدولية.
ويقوم المجلس التنفيذي الجهوي بإعداد وتنفيذ برنامج عمل جهوي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
كما يحرص المجلس على تنمية الاستثمارات وتشجيع المقاولات وإنعاش التشغيل.
3) المجلس الاقتصادي والاجتماعي الجهوي:
هو هيئة استشارية وإطار للحوار وتبادل الرأي بين مختلف الفاعلين الجهويين، ويضم في عضويته ممثلي الجماعات المحلية والغرف المهنية والمأجورين ومؤسسات الاقتصاد الاجتماعي وجمعيات المجتمع المدني وفعاليات من النخب الجهوية، ويبدي برأيه في القضايا الجهوية المعروضة عليه من قبل المجلس التمثيلي الجهوي أو من الجهاز التنفيذي الجهوي، كما يمكنه أن يقوم بإعداد دراسة أو بحث في موضوع معين يرتبط بمهام الجهة وصلاحياتها، وبتقديم اقتراحات وتوصيات حول قضايا الجهة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
4) الوكالة الجهوية للتنمية المستدامة:
تؤسس في كل جهة وكالة للتنمية المستدامة، وهي أداة توضع رهن إشارة الجهاز التنفيذي الجهوي، للتحفيز على إبرام شراكات مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، وللسعي إلى بلوغ الالتقائية في تنفيذ مختلف البرامج التنموية بالجهة، وذلك بهدف تحقيق تنمية جهوية مندمجة ومستدامة.
ولهذه الغاية، يمكن للوكالة أن تقوم بـ:
• تطوير الأنشطة المتعلقة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهة؛
• تحفيز الاستثمار وتدعيم المقاولات الصغرى والمتوسطة؛
• إنعاش التشغيل والأنشطة المدرة للدخل؛
• الحفاظ على البيئة وجودة الهواء، والسهر على المحميات الطبيعية الجهوية؛
• العمل على تحسين الجاذبية الاقتصادية للجهة والقيام باليقظة الاستراتيجية.
كل ما سبق من مقترحات حول الجهوية، منقول من مذكرة حزب الاستقلال حول الجهوية، وهنا يطرح سؤال ما هي مرتبة هذه المقترحات بين ما نناقشه اليوم؟ أليست هذه المقترحات قاب قوسين أو أدنى من الحكم الذاتي؟ أليس قبول لجنة ملكية برئاسة عزيمان في وقت سابق بهذه المقترحات كان بمثابة تمهيد لما يحصل اليوم ؟
إن الحكم الذاتي ليس في الأخير سوى شكلا من أشكال الجهوية الموسعة، ومن تم مرحبا بإخواننا في تندوف، والأكيد أنهم عندما سيلتحقون سيندمون على الزمن الذي أهدروه في الخلاء، وراء السراب(..).



