الحقيقة الضائعة | عقد الحماية.. أكبر فضيحة صحفية في فرنسا
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 142"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

ما أهمية عقد الحماية إن لم تكن إلا تلك الوثيقة التي تحرر بها الفرنسيون من أي مسؤولية تجاه الرأي العام الدولي؟ وما هي أهمية عقد الحماية وقد قرأنا فصولها في حلقات سابقة من “الحقيقة الضائعة”، إذا ما قورن بالمخطط الذي كتبه الجنرال ليوطي؟ فبإمكان كل ذي ثقافة متواضعة أن يقرأ وثيقة عقد الحماية، ومخطط الجنرال ليوطي، ليستنتج الحقيقة الناصعة، وهي أن عقد الحماية إنما هو مجرد حبر على ورق، لا يتوفر على أي مصداقية سياسية: لا يحدد زمان تلك الحماية، ولا حدود نفوذها.
فيما نجد السلطان مولاي حفيظ سنة 1935 وهو في منفاه بفرنسا، يريد الرجوع إلى وطنه، لأن عقد الحماية كان أجله خمسة وعشرين عاما حسب ما صرح به لعدد من أصدقائه ((حديث رواه الباشا أحمد السعيدي باشا مكناس السابق وصديق مولاي حفيظ لولده العقيد عبد السلام))، نسمع بعض السياسيين يتحدثون عن مدة الحماية، أربعين عاما، لذلك هب الملك المرحوم محمد الخامس بمطالبة إلغاء عهد الحماية في بداية الخمسينات، بعد مرور أربعين عاما على إمضائها، ولكننا لا نعرف من قراءة عقد الحماية المدة التي تم الاتفاق عليها.
بل إن هذا الشك في وثيقة غير محدودة في الزمان، نجده العربون الساطع على ضراوة المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية، حيث تم احتلال المغرب بمقتضى عقد لا يحدد فترة معينة، خارقا جميع الأعراف القانونية المفترض فيها أن تطغى على وثيقة كعقد الحماية.
وربما كان هذا الشك رصيدا في كفة التزوير الحقيقي المهيمن على قضية إمضاء عقد الحماية، وقد رأينا في حلقات سابقة كيف روى الكاتب ويز بيرجر عن السفير الفرنسي ممضي عقد الحماية رينيو، وقد جاء عند ويز بيرجر مهرولا وهو يصيح قائلا: “سي في” (لقد حصل).
فماذا حصل ؟
ولماذا لم يقل له: “إنك صحفي فأعلن إمضاء عقد الحماية”.
الفضيحة الصحفية والبرلمانية
لقد كان ما يسمى إمضاء عقد الحماية موضوع أكبر فضيحة صحفية عرفتها فرنسا في تلك الأثناء، ذلك أن وثيقة الحماية ليست إلا وثيقة تزوير إن لم تكن وثيقة مزورة.
لقد قيل أن مولاي حفيظ أمضاها، وكانت أصلا مكتوبة بالعربية والفرنسية، فأين النص الأصلي العربي؟ بل أين النص الفرنسي؟
إن أصدقاء السيد بنغبريط، وكان صديقا للسلطان مولاي حفيظ ومسؤولا كبيرا لدى سلطات الحماية، يقولون أنه هو الذي يتوفر على النسخة الفرنسية، أما النسخة العربية فلا وجود لها.
ومراجعة عاجلة لما نشر عن تلك الوثيقة اللغز، وللضجة الصحفية والبرلمانية التي أعقبت الإعلان عن إمضائها، كافية لإغراقها في بحر من الشك والريبة. إذن، لتجردها من كل مصداقية؛ لقد قررت السلطات الفرنسية الاحتفاظ بإمضاء عقد الحماية في كنه السرية، وعندما نشر الخبر في الصحافة، ثارت ثائرة البرلمان الفرنسي وشتم رئيسه ونوابه الصحافة والصحفيين الذين فضحوا فرنسا.
وقبل أن نتعمق في الفضيحة وأسباب ربط الحماية بالفضيحة، نقرأ هذا التقرير الصحفي الذي نشره الصحفي هوبير جاك، وكان حاضرا في فاس وباريس، وكتب فيما بعد كتابا عن مجازر فاس التي أعقبت إمضاء الحماية بعنوان: “أيام فاس الدامية”، وفيه نشر أخبار الفضيحة الصحفية البرلمانية.
((نرى البرلمان يبذل أقصى ما في وسعه ليلقي الضوء الكافي على الأشياء حتى تظهر أمام الجمهور، ويكوّن من أجل ذلك لجانا فرعية برلمانية، بل وأحيانا يسعى إلى تكوين لجنة استثنائية، بينما البرلمان المعني بهذا يظل غير مبال وغير مكترث بالأسباب التي كانت مصدر المجزرة “مجزرة ثمانين فرنسيا”، والتي أوشكت أن تأتي في يوم واحد على نتائج مجهود عشر سنوات قضيت في خدمة السياسة المغربية، نعم كادت أن تأتي عليه ولا أمل يبقى في الاستدراك ولا في الإنقاذ..
بل وأكثر من هذا، فإن البرلمان الفرنسي قبل بكل تلطف وبدون أدنى إشارة تدل على الاحتجاج، التأكيدات التي فاه بها رئيس الحكومة عندما قال بتاريخ فاتح يوليوز 1912، أي مرور شهر ونصف على المذبحة: إن المعلومات التي أتوفر عليها لا تمكنني لا بصفة قطعية ولا بصفة احتمالية أن ألقي المسؤولية على شخص أو أجرم أحدا.
بل وإن رئيس الحكومة الفرنسية استطاع كذلك أن يسمح بأن يضيف إلى هذه الكلمات – والتصفيقات تحييه من هنا وهناك – أن الذي يظهر من الآن هو أن الإنسان وجد نفسه أمام حالة نشأت عن قوة جارفة ما في ذلك شك، فاشهدوا أنه بعد مضي شهرين ونصف الشهر على الحوادث، نرى الحكومة الفرنسية وقد ضللتها تقارير مسيو رونيول المغرضة، تفسر أسباب ثورة فاس، بماذا؟ بـ”أنها حالة نشأت عن قوة جارفة”.
لقد توالت الكوارث في المغرب.. فمنذ سنة 1901 ونحن نسجل الواحدة تلو الأخرى، بل وهي أكثر من أن تحصى، وفي كل هذه الحالات ليس هناك أحد أبدا يمكن أن توجه إليه المسؤولية ولو إلى الدبلوماسية.
وفي هذه المرة أيضا كان رد فعل الحكومة الفرنسية جميلا؛ فبعد أربعة أيام فقط على المأساة المروعة التي جرت يوم 17 أبريل، بعث رئيس مجلس الوزراء إلى المسيو رونيول بواسطة اللاسلكي، بالتهاني الرسمية.
بل ولقد أرادت الحكومة أن تبرهن على ما تكنه من تقدير وثقة في شخص المسيو رونيول، فأقرت له السلطات المطلقة التي كانت مكنته منها منذ خمسة عشر يوما فقط.
وما من شك في أن الحكومة قد أسفت لكونها لم تستطع أن تمنح المسيو رونيول رتبة عسكرية أكثر من التي يتمتع بها، حيث أنه لم تمض على ترقيته أكثر من أسبوعين، ولذلك، فإنهم لم يجرؤوا على أن يذهبوا بعيدا فينعموا عليه بوسام الضابط الكبير..
إن هناك شيئا آخر، ذلك أنه منذ البداية أغدق على سلك السفارة بطنجة كله بالحمالات والأوسمة كدليل الإكبار لرجال الدبلوماسية.
إن رئيس مجلس الوزراء الذي يعلن في فاتح يوليوز عن عدم استطاعته إبراز الهفوة ولا تحديد المسؤولية، كان – ولو أنه يصرح بالعكس – على تمام العلم في يوم 21 أبريل، أعني بعد مضي أربعة أيام فقط عن الحوادث الدامية، يدل على ذلك أنه استطاع أن يبعث بالتهاني الرسمية إلى موظفيه بالمغرب، وأن يؤكد في إسهاب لا يخلو من قصد، سلطات رونيول كـ”نائب ملك”.
ومما لا ريب فيه أن معالجة الشؤون بهذه الجرأة النادرة المثال، كانت خليقة بأن يكون لها أعمق الأثر في البرلمان، لذلك فنحن نريد هنا تبسيط الأحداث ونبحث عن أسبابها، ولقد وجدنا أنفسنا مرغمين حقا على كتابته، لماذا؟ نظرا لما راج أثناء المناقشة بالبرلمان.. فلقد تعرضنا نحن الصحفيين، سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة، لطعنات ولمزات الذين أشعلوا نار الفتنة في فاس.
إنه لإتقان عظيم..
ألم يكن من واجبنا أن نبحث بكل بساطة عن المسؤولين من بين أعضاء الحكومة الفرنسية، من بين الدبلوماسيين الذين كانوا في سفارة طنجة، نعم من بين رؤوس السلطة العسكرية، بل ومن بين المنظمين للجيش المخزني؟ لكن شيئا من هذا لم يكن، وإنما المسؤولية بأجمعها وبما فيها يتحملها كلها من؟ نحن الصحفيين.
لسنا نقول هنا هراء، فإن الأمر هكذا كان في البرلمان، وهكذا أيد من قبل رئيس مجلس الوزراء، ودونكم ما جاء في الجريدة الرسمية عندما تعرضت للمحاورات الجارية.
• رئيس المجلس الوزاري: إنكم تركبون متن الغواية عندما تؤكدون أن إفشاء بنود الحماية كان عملا قامت به فرنسا؛
– الجنرال بيضويا: ولكنه على كل حال عمل قام به أولئك الذين يمثلون فرنسا؛
• الرئيس: أبدا، إنه اعتقاد خاطئ؛
– بيضويا: إن السلطان كان حريصا أتم الحرص على ألا تذاع بنود المعاهدة؛
• الرئيس: سأفصح لكم عن الحجة التي تؤكد لكم أن هذا الإفشاء ليس من عمل الذين يمثلوننا، ولقد سبق لي أن أدليت بهذه الحجة أمام لجنة الشؤون الخارجية؛
• بارتو، رئيس لجنة الشؤون: حقيقة إن التصريح الذي أشار إليه سعادة الرئيس واقعي، ولقد كنا نحن وضعنا عليه هذا السؤال، فإن هناك صحافيين هم الذين ارتكبوا الخطأ ولم يتبصروا، وهذا شيء لا يقبل الجدال؛
– بيضويا: حقيقة إنه عمل الصحفيين يؤسف له؛
– جوريس: أهم صحافيون فرنسيون ؟
– بارتو: ليس لي ما أقوله عن هوية هؤلاء الصحافيين؛
• الرئيس: لقد غفل المخزن فتسرع لإخبار الصحافيين، فانطلق هؤلاء.. بيد أنه من المحقق أن عدم التبصر هذا ليس من عمل المسيو رونيول، ولا من عمل حاشيته، فإن هذا كان قد أخذ جانب الحيطة، حيث أنه أبرق ليحيطني بالوضع الراهن؛
– بيضويا: مهما يكن صاحب هذه الغفلة، فإنها لمما يرثى له؛
– بارتو: بكل تأكيد.
لقد كان الحاضرون، باستثناء جوريس، يعلم أن جريدة “لوماتان” كانت الجريدة الوحيدة التي استطاعت أن تعلن قبل الجرائد الأخرى بأربع وعشرين ساعة، عن خبر التوقيع على معاهدة الحماية؛ فلقد بلغ الخبر في نفس اليوم، 30 مارس.
وهكذا، فإن الصحافيين الذين ارتكبوا الغلط، يتلخصون في شخص واحد، هو كاتب هذه الحقائق، فهو إذن، المتسبب في العواقب الوخيمة.
ولسنا من أولئك الذين يرضون أن يقبلوا عبارات الصفح والغفران التي يريد رئيس مجلس الوزراء أن يغمرنا بها عندما يصرح بأنه لا يستطيع أن يتوجه بمسؤولية محققة أو مشكوكة لأحد ما من الناس، وأنه وجد نفسه أمام حالة قوة جارفة، نحن لا نقبل أن يعفو عنا، وليس مما يرضينا أن يشتبه الناس في أمرنا وأمر أولئك المسؤولين الحقيقيين عن حوادث فاس، أولئك الذين تتضرج رؤوسهم بدماء أولئك الأبرياء الذين سقطوا)) انتهى سرد الكاتب الصحفي هوبير جاك.
فمن كانت له مصلحة في إخفاء وثيقة الحماية، التي لم يجد النائب بيضويا بدا من اتهام السلطان بأنه هو الذي أراد إخفاء الخبر؟ أين كان السلطان آنذاك؟ وهل له الحق في التكذيب أو التأكيد ؟
إن السلطان مولاي حفيظ كان سجينا في قبضة الجنرال ليوطي، صاحب المخطط الأسبق، والذي عين مقيما عاما في المغرب بعد تاريخ إمضاء الحماية بخمسة وأربعين يوما.
لقد أمضي عقد لحماية في 30 مارس 1912 وعين الجنرال ليوطي مقيما عاما في المغرب يوم 13 مايو 1912.
ولم يحضر الجنرال ليوطي لتنفيذ عقد الحماية، وإنما لتنفيذ مخططه الجهنمي(…).



