
عمر ملف الصحراء المغربية مدة خمسين سنة في أروقة الأمم المتحدة، وقد تعاقب عليه من الجانب الجزائري عشرة رؤساء بالتمام، وهم: هواري بومدين، رابح بيطاط، الشاذلي بنجديد، عبد المالك بن حبيلس، محمد بوضياف، علي كافي، اليامين زروال، عبد العزيز بوتفليقة، عبد القادر بن صالح، وعبد المجيد تبون، ومن الجانب المغربي أدار الملف ملكان وهما الحسن الثاني لمدة ربع قرن، ثم محمد السادس ربع قرن أيضا، وقد شهدت مرحلة حكم هذا الأخير عدة منعطفات همت الملف، انتهت في آخر المطاف باستقرار رأي الأمم المتحدة على المقترح الذي تقدم به، وهو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ويحاول هذا الملف أخذ قرائنا في رحلة 25 سنة من تدبير الملك محمد السادس لهذا الملف، حتى وصل إلى نهايته هذه السنة.
أعد الملف: سعد الحمري
تفاصيل أول لقاء بين الملك محمد السادس وإبراهيم غالي
خبِر الملك محمد السادس ملف الصحراء المغربية منذ أن كان وليا للعهد.. كيف لا وقدر الرجل أن يكون ملك المغرب عاجلا أو آجلا، وسيجد نفسه أمام ضرورة تدبير هذا الملف الثقيل باعتباره القضية الوطنية الأولى، كما أن والده الملك الحسن الثاني صرح أمام الصحافة قبل وفاته، بأن ملف الصحراء سيكون اختبارا لكفاءة محمد السادس.
كان الأمير سيدي محمد ولي العهد، على علم بجسامة الموقف، وانخرط في الأخذ بزمام هذا الملف باكرا، ولعل أهم عمل كلفه به والده الراحل الحسن الثاني، عندما كان وليا للعهد، هو استقبال وفد من البوليساريو بالقصر الملكي بالرباط، وتعود تفاصيل اللقاء إلى سنة 1996، عندما عمل رئيس بعثة “المينورسو” أمام انسداد أفق إيجاد حل لقضية الصحراء، على جمع الطرفين، وبتنسيق مع الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، الذي اقترح تنظيم لقاءات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، وبالفعل جرى لقاء سري تمهيدي في جنيف ترأسه من الجانب المغربي إدريس البصري وعن جانب الجبهة البشير مصطفى السيد، الرجل الثاني خلال تلك المرحلة في جبهة البوليساريو.
وبعد ذلك اللقاء، طلبت الجبهة أن يكون اللقاء بينها وبين الملك الحسن الثاني أو ولي العهد سيدي محمد، وبالفعل جرى اللقاء الثاني في الرباط، وتم على مستوى عالٍ، إذ ترأسه عن الجانب المغربي ولي العهد سيدي محمد، وترأس وفد البوليساريو البشير مصطفى السيد، وشارك فيه إبراهيم غالي، وزير الدفاع آنذاك و”الأمين العام” للجبهة حاليا، ومحفوظ علي بيبا، رئيس وزراء الجبهة، ومحمد خداد، المنسق مع بعثة “المينورسو”، حيث التقى ولي العهد يوم الأربعاء 4 شتنبر 1996 على الساعة السابعة والنصف بمقر إقامته، بشقيق مؤسس البوليساريو، وقال له الأمير وقتها: ((ليست لدي صلاحية النطق بكلمة استقلال الصحراء)).. أما اللقاء الثاني الذي كان يوم الخميس 5 شتنبر 1996، فقال خلاله ولي العهد: ((يقول لكم الملك إما البحث في الجهوية الموسعة والحكم الذاتي، أو طائرة تعود بكم حتى تفكروا))، في حين جمع اللقاء الثالث الذي كان يوم الجمعة 6 شتنبر 1996، بين إدريس البصري، وزير الداخلية، ووفد البوليساريو، إذ قال لهم البصري ((دافعتهم عن موقفكم بشرف)).
ومما تسرب عن ذلك اللقاء، أن الجبهة كانت أكثر استعدادا للبحث بجدية إمكانية قيام حكم ذاتي في الصحراء، وأشار رئيس بعثة “المينورسو” في تلك الفترة، إلى أن محمد عبد العزيز، أمين عام جبهة البوليساريو، أكد أنه كان مستعدا للقبول بالحكم الذاتي، وهو ما أكده البشير مصطفى السيد، ومن الجانب المغربي، كان إدريس البصري ضد الحكم الذاتي بنسبة 100 في المائة.
ويستذكر الملك محمد السادس تفاصيل ذلك اللقاء سنة 2014 في خطابه بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء، حيث قال: ((لقد سبق لي أن تفاوضت مع بعض المغاربة من تندوف، لما كنت وليا للعهد، وليس عندي في ذلك أي مشكل، لأنني كنت أفاوض مواطنين مغاربة، ولأن الأمر يتعلق بالدفاع عن حقوق المغرب؛ فالمغرب ليست لديه أي عقدة، لا في التفاوض المباشر ولا عن طريق الوساطة الأممية مع أي كان، ولكن يجب التأكيد هنا، على أن سيادة المغرب على كامل أراضيه، ثابتة وغير قابلة للتصرف أو المساومة، غير أن اختيار المغرب للتعاون مع جميع الأطراف بصدق وحسن نية، لا ينبغي فهمه على أنه ضعف، أو اتخاذه كدافع لطلب المزيد من التنازلات)).
مرحلة تدبير ملف الصحراء
وقعت بعد وفاة الملك الحسن الثاني وتولي الملك محمد السادس لحكم المغرب عدة متغيرات همت ملف الصحراء المغربية.. فقد أجرت هيئة الأمم المتحدة سنة 2000 تقييما شاملا لتسع سنوات من محاولة تنفيذ مخطط التسوية، وخلص تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في فبراير 2000، إلى أن كافة الجهود التي بُذلت من أجل التوفيق بين الأطراف، باءت بالفشل، فصرح الأمين العام الأممي كوفي عنان أنه بناءً على المشاورات التي أجراها مع مبعوثه إلى الصحراء، فإن تنفيذ خطة التسوية تعرقلت سنة بعد أخرى على مدى السنوات التسع الماضية، بفعل خلافات أساسية بين الطرفين، ومع استحالة تنظيم الاستفتاء، فإن اتفاق الإطار أو الحل الثالث مرفوض من طرف الجزائر والبوليساريو، وكذلك خيار التقسيم كمُقترح جزائري مرفوض مسبقا من المغرب، ولذلك يرى عنان أنه أمام الوصول إلى الطريق المسدود، يصبح خيار خروج الأمم المتحدة من الأزمة مطروحا، خاصة وأن الأزمة قد كلفت المنظمة ما يزيد عن 1.5 مليار دولار.
ثم صدر في شهر يوليوز 2000، قرار مجلس الأمن المتضمن للمبادرة الفرنسية – الأمريكية التي تقترح حلا سياسيا لمشكلة الصحراء، فدعا جيمس بيكر، الذي كان يشغل منصب ممثل الأمين العام للأمم المتحدة المُكلف بنزاع الصحراء ما بين سنة1997 و2004، الطرفين إلى حل تفاوضي يستبعد خطة الاستفتاء، وهذا ما دفع بالأمم المتحدة إلى تقديم الحل الثالث أو اتفاق الإطار، وينص على أن تمنح الأقاليم الصحراوية حكما ذاتيا موسعا مع البقاء تحت الحكم المغربي في غضون خمس سنوات يمكن بعدها إجراء الاستفتاء، وقد وُصف هذا الحل بالثالث لأنه جاء ليُضاف إلى خيارين سابقين هما الاستقلال أو الانضمام إلى المغرب، واللذين كانا حديث السنوات الماضية، والفرق بين هذا الحل وبين الانضمام إلى المغرب هو أن الحل الثالث يمنح الصحراء استقلالية ذاتية موسعة دون دمجها الكلي في المغرب.
وقد علق الملك محمد السادس في خطاب الذكرى 25 للمسيرة الخضراء الذي ألقاه سنة 2000، على هذه المبادرة بالتالي: ((استجاب المغرب كعادته لهذه المبادرة الأممية وقدم في شهر يونيو خلال لقاء لندن اقتراحات مفصلة ومدروسة لمعالجة ما استعصى من نقط في المخطط الأممي، كما اقترح في شهر شتنبر خلال لقاء برلين على الطرف الآخر، إجراء حوار صريح وهادف لدراسة إمكانية التوصل لحل سياسي في ظل السيادة المغربية والوحدة الوطنية والترابية وفي إطار احترام المبادئ الديمقراطية وتفعيل اللامركزية الواسعة والجهوية التي من شأنها تمكين جميع أبناء الأقاليم الجنوبية من تدبير جهتهم وتنميتها لجعلها صرحا منيعا وركيزة قوية من ركائز الدولة المغربية الموحدة)).
وهكذا.. فقد بدأت مرحلة حكم الملك الجديد مع متغيرات دولية ووطنية جديدة، فرضت دخول المغرب في مرحلة تدبير للملف، ومنها أن العشرية الأولى من حكم محمد السادس خصصت في غالبها لمعالجة مختلف الإشكالات السياسية والحقوقية التي ورثها عن المرحلة السابقة، وكان ملفا “الإنصاف والمصالحة” و”الانتقال الديمقراطي” محط تركيز من طرف الملك، لننتقل في العشر سنين الأخيرة إلى نزول الملك بكل ثقله لإعادة وضع ملف الصحراء على سكته الصحيحة، من خلال معالجة أخطاء الماضي وتصحيحها بالشكل الذي أثر على الملف إيجابا.
مرحلة التغيير من سنة 2015 إلى اليوم
بدأت أولى محطات التغيير مع دستور فاتح يوليوز 2011، الذي دستر الثقافة الحسانية الصحراوية واعتبرها رافدا من روافد الثقافة الوطنية الأصيلة التي أغنت ثقافة المغرب التعددية وأعطتها بعدا حضاريا إلى جانب الثقافات الوطنية الأخرى، إضافة إلى دسترة الجهوية المتقدمة باعتبارها اللبنة الأولى للوصول للحكم الذاتي والممر الديمقراطي المحلي لتأهيل المؤسسات المنتخبة ديمقراطيا محليا، للوصول السهل إلى الحكم الذاتي كمبادرة سياسية-ديمقراطية.
غير أن مرحلة التغيير الحقيقية بدأت انطلاقا من سنة 2013، عندما استشعر المغرب خطر التحولات الدولية ولعل أهمها ضغط اللوبي الجزائري داخل أروقة الأمم المتحدة عندما كادت أن تضاف إلى توصية مجلس الأمن فقرة تهم إضافة مراقبة الوضع الحقوقي في الصحراء من طرف بعثة “المينورسو”، كما عاشت البلاد لحظات المؤامرة الكبيرة التي انخرط فيها الأمين العام للأمم المتحدة السابق بان كيمون ومبعوثه.
ومنذ ذلك التاريخ ظهر أن المغرب عازم على قيادة الملف من التدبير نحو التغيير، حيث أكد الملك محمد السادس انطلاقا من خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2015 وما تلاه من خطب ومبادرات دبلوماسية، أكد أن الدبلوماسية المغربية هي دبلوماسية متحررة، منفتحة على كل الاتجاهات والدول، ولا يمكن أن تكون استقلالية قرارها محط أي نقاش، حتى لو حاول الخصوم ليّ ذراع المغرب، وهذا الخيار أعطى للمغرب مساحة شاسعة من المناورة السياسية، إذ بانفتاحه على العديد من الدول، خاصة روسيا والصين، وتعزيز شراكته مع حلفائه التقليديين فرنسا، أمريكا وإسبانيا، عزز من فرص اختراق تكتلات ودول كانت بالأمس القريب علاقتنا بها ملتبسة، وغير قوية دبلوماسيا، هنا جاءت زيارته لروسيا واستقباله من طرف الرئيس فلاديمير بوتين، بعدها حط الرحال بأغلب الدول الإفريقية، حتى التي كانت علاقتنا بها شبه منقطعة، مبددا سوء الفهم الناتج عن خيارات تاريخية، ومؤكدا أن المغرب مستعد لكل المداخل لبناء علاقات مبنية على الصراحة، الثقة، والشراكة الثنائية. هنا اعتمد المغرب على دبلوماسية اقتصادية كمدخل للنقاش السياسي.
لقد كان لهذا التغيير الدبلوماسي القائم على تنويع الشركاء انعكاس مباشر على ملف الصحراء، إذ أصبحت مبادرات المغرب تحظى بالكثير من الإجماع، فحتى الدول التي كان لها ارتباط مصالحي مع الجزائر أصبح خيارها بفضل انفتاح المغرب عليها هو الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن، ولم تعرقل القرارات التي تم اتخاذها لصالح الملف ولصالح وجهة نظر المغرب السياسية.
كما عملت الدينامية الدبلوماسية الحركية على تغيير الوضع القائم بين المغرب والاتحاد الإفريقي، فقد قررت المملكة العودة إلى عمقها الإفريقي، وهي العودة التي كانت محط شك من طرف العديد من المتابعين، لكن النتيجة كانت أن استرجاع المغرب لمقعده في الاتحاد الإفريقي كان مناسبة أولا لتصحيح خطأ الانسحاب، ثانيا محاصرة الخصوم في ما كانوا يعتبرونه عقر دارهم؛ فطيلة مدة غيابه عن هذا الإطار الإفريقي، ظل الخصوم يستصدرون عشرات القرارات ضده ويروجون لأطروحة البوليساريو في الاتحاد الإفريقي، وبالعودة المغربية، ومن خلال الرسالة التي تلاها الملك شخصيا في القمة الإفريقية، وما سبقها من دعم سياسي لغالبية دول الاتحاد الإفريقي لهذه الخطوة، تحول الكيان الوهمي إلى أقلية على هامش جدول أعمال الاتحاد الإفريقي وأجندته، وأعاد المغرب التوازن المطلوب للاتحاد كتكتل قاري في علاقته بملف الصحراء.
أما على المستوى الأوروبي؛ فبفضل سياسة الحزم والصرامة التي اعتمدها المغرب خارجيا، خاصة مع أوروبا، ظل يرفض أي نقاش حول تجديد اتفاقية الصيد البحري خارج سيادته على جل مياهه التي تشمل الأقاليم الجنوبية، مع ربطه لأي حوار حول العلاقة بينهما بمناقشة مختلف القضايا الحيوية لمختلف الأطراف، وظل صامدا أمام الضغط السياسي الذي مارسه اللوبي الاقتصادي اليميني الأوروبي واليسار الراديكالي، في تحالف غريب بينهما ضد المغرب وقضيته الوطنية، وقد فرض البلد نفسه كمحاور وقف الند للند أمام الاتحاد الأوروبي، وصمد أمام مختلف الضغوط التي اتخذت أحيانا أشكالا متعددة، وهو الصمود والثبات في الموقف الذي توج بالبيان المشترك بين الطرفين، والذي يضع المغرب ضمن خانة الشركاء الاستراتيجيين، مع إعلان الاتحاد الأوروبي عن دعمه السياسي للحل الواقعي لحل نزاع الصحراء وتجديده لاتفاقية الصيد البحري والتبادل الفلاحي دون أي تجزئة للمياه الإقليمية أو لتراب المملكة، بل يمكن القول إن تجديد الاتفاقيتين بالشكل الذي هو عليهما اليوم اعتراف سياسي وليس فقط إداريا بسيادة المغرب على هذه الأقاليم، لذلك فهذا الموقف القوي للمغرب مكنه من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، جعلته يقضي على كل الآمال في إضعافه أمام قوة أوروبية كبيرة، ويحقق نصرا حقيقيا على الخصوم داخل أوروبا وأجهزتها.
وعلى المستوى اللاتيني: جولة وزير الخارجية ناصر بوريطة، والتي جاءت في إطار المقاربة الاستراتيجية للملك محمد السادس في العديد من دول أمريكا اللاتينية، خاصة منها التي كانت تعترف بالكيان الوهمي، والتي أعلنت تصحيحها لما سمته الخطأ التاريخي المتمثل في اعترافها بالكيان الوهمي، عززت من حضور المغرب لاتينيا، خاصة في إطار تمتين علاقات دول الجنوب-جنوب، ويظل المغرب والبرازيل مدخلان لهذا التكتل وللضفتين الجنوبيتين، البرازيل كقوة اقتصادية والمغرب كبوابة قوية نحو إفريقيا والشرق الأوسط.. لهذا يمكن القول إن العمق اللاتيني أصبح رهانا استراتيجيا للمغرب بعد أن رسم نفسه داخل الاتحاد الإفريقي، وهو رهان سياسي واقتصادي لا ينتظر سوى زيارة ملكية إلى هذا العمق بنفس الروح التي تجسدت في زيارته إلى إفريقيا.
سنة 2020 وما بعدها..
شكلت سنة 2020 محطة فاصلة، حيث يمكن وصف هذه المرحلة ببداية جني ثمار مرحلة التغيير التي قادها الملك محمد السادس في ملف الصحراء.. فقد كان وقع اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه كبيرا، وكان له ما بعده، مما جر دولا كبرى لتنحو منحى أمريكا، لعل أبرزها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا.. إضافة إلى توقيع المغرب مع الاتحاد الأوروبي على اتفاقية فلاحية مؤخرا تتضمن المنتجات القادمة من الصحراء، وهو ما يعني الاعتراف الضمني بالسيادة الاقتصادية للمملكة على الصحراء والذي هو من طبيعة الحال متقدم على السيادة السياسية، وهو اعتراف ضمني من الاتحاد الأوروبي بسيادة المغرب على الصحراء سياسيا واقتصاديا، وقبل ذلك بقليل، جاءت روسيا لتوقع مع المغرب اتفاقية تهم الصيد البحري شملت أيضا الصحراء المغربية، ثم جاءت اللحظة الفاصلة وهي القرار الأخير لمجلس الأمن الذي أبعد خيار الاستفتاء وطرح خيار الحكم الذاتي كحل جدي وواقعي، وما زال العاطي يعطي.. أو كما قال الملك محمد السادس في خطابه يوم 31 أكتوبر: هناك ما قبل 31 أكتوبر وهناك ما بعده..




