بين السطور | القافلة تسير والبقية تعرفونها


نخلد هذا الأسبوع كما يعلم الجميع نصف القرن على انطلاق ونجاح المسيرة الخضراء، ذكرى جاءت متزامنة، بصدق الصدفة – والصدفة خير من ألف ميعاد – مع حدث الانتصار الذي حققه المغرب أمميا عقب قرار مجلس الأمن بتأييد الحكم الذاتي، هذا الانتصار التاريخي يأتي بعد خمسين عاما من النضال المتواصل، ملف عمّر في أروقة الأمم المتحدة لأزيد من خمسة عقود، ما يعادل 600 شهر من “طلع وهبط” و”سير تاتجي” وتأرجحات سياسية.. ملف تعاقب عليه من الجانب الجزائري عشرة رؤساء بالتمام (دون الكمال)، وملكين مغربيين عظيمين.
قبل هذا، لا بد أن نذكر بأن المغرب واجه صعوبات مع خصومه حول الصحراء حتى قبل بداية المسيرة، صعوبات ظهرت بوادرها مع نداء المغفور له الحسن الثاني عن انطلاقها، حيث انقض المهتمون على الموضوع(…) من الدول المجاورة وبعض الدول العظمى، الذين كلفوا خبراءهم بدراسة هذه السابقة الأولى من نوعها في القرن العشرين، إلى أن خرجت نتائج بحوثهم وتَفتّقت عبقرياتهم، حيث شكّك كثيرون في جدوى المشروع، وقد ذهب بعضهم إلى افتراضات بأن المغاربة لن يستجيبوا لهذا النداء، لن يتركوا متاجرهم ومكاتبهم وحقولهم للذهاب مشيا على الأقدام في الرمال وسط الأفاعي والعقارب، وفوق الألغام، وتحت تهديد الرصاص، أو أن الأجهزة الحكومية بالمغرب جرّت الناس إلى المسيرة بالعنف كما أذاعت آنذاك إذاعة الإخوان الجزائريين، إلا أن الصعوبة المنطقية الوحيدة في هذا الاحتمال كانت تكمن في العدد، حيث أنه لجرّ 350 ألف مغربي للسير بالعنف كان لا بد من 700 ألف عسكري أو شرطي على أساس أن لكل مجرور لا بد أن يكون له جارّان(…)، ولائحة أطروحات “العديان” طويلة..
إن مسيرة الشعب المغربي كان ضروريا أن ينزعج لها الناس، أو بعض الناس، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أصالة شعب المغرب وقوته، الشعب نفسه الذي نجح فعلا في المشي(…)، حيث سار الشابّ والشيخ، البنت والأم، جنبًا إلى جنب في منظر لم يستطع إلى الآن أي واحد أن يعرف السر الذي يكمن فيه(…) كما سبق أن عبر عنه مؤسس جريدتنا مولاي مصطفى العلوي رحمه الله؛ تجد فيه الطالب إلى جانب الراعي، مدير البنك إلى جانب العاطل(…)، بنات العائلات البورجوازيات إلى جانب العاملات في الحقول، المحامي إلى جانب ماسح الأحذية، الطبيب إلى جانب المريض، الفقيه المتصوف إلى جانب المتعصب، والمدير العام إلى جانب الشاوش.. مشوا كلهم نحو وجهة وصلوا إليها بعد 3 أيام، يوم التاسع من نونبر 1975، ونحو هدف واحد، حققوه بعد 50 سنة، يوم 31 أكتوبر 2025، ولم يحققوا استرجاع الصحراء فقط، بل أعطوا للعالم درسا في فرض الواقع، كما أدخلوا للتاريخ مبدأ اللارجعة.
التفاصيل الأخرى تعرفونها ولن أطيل عليكم بها، كما أن قافلة المغرب تسير والبقية تعرفونها(…)، غير أنه كما يُقال في نطاق آخر، “عندما يزمجر الأسد تسكت الكلاب عن النباح”..



